عناق الحياة

صفاء الذهن والروح والوجدان، قضية تشغل بال الكثيرين، ولا يستطيع أحد أن يُنكر تعرضه للضغوط الحياتية بمُختلف أشكالها، الأمر الذي يسبب له الضيق والكرب، ويسعى جاهدًا في بحث دائم عن حالة الصفاء التي من خلالها ينفض عن نفسه ضغوطًا كبيرة، يتعرض لها في العمل أو المنزل أو حتى أثناء قيادة السيارة.

لكن هذه الحالة من الصفاء والهدوء والسكينة وصولا إلى الطمأنينة، لا تتحقق بسهولة، فكثير منِّا يتعثر في طريق الوصول إلى هذه الحالة، بل ربما لا يصل إليها مطلقًا. لكن هل هذا عيبٌ في كل شخص لا يتمكن من تحقيق ذلك الهدف؟ الإجابة: نعم. أنظر حولك وستجد الحياة لا تستحق كل هذا القدر من المُعاناة، لا تستحق أن تضغط على أعصابك ومشاعرك وأفكارك، دع عنك الناس وكلامهم، والأشخاص ومعتقداتهم، والزملاء ورأيهم فيك، والأصدقاء ونظرتهم لك، اعتنِ بنفسك أولًا قبل كل شيء. بالطبع لا أحث الناس على تجاهل الآخرين والتعامل بجفاء، لكن أنصحهم بالابتعاد عن كل ما يُعكِّر صفو الحياة، ورغم أنني على يقين بصعوبة ذلك، وربما استحالته لدى بعض الأفراد، نتيجة لطبيعة تكوينهم النفسي والشعوري، لكن لا سبيل إلى الصفاء والسكون سوى بالتركيز على النفس.

يسأل سائل: كيف نحقق ذلك؟

أقول: علينا أن نعرف أولًا أنَّ الأمر ليس سهلًا، لكنه في متناول اليد، فقط تخلص من الهموم وألقها وراء ظهرك، وابتعد عن السلبيات قدر الإمكان، اعزل نفسك بعيدًا عن أي ضعوط، حاول أن تبتعد قليلًا حتى عن أهل بيتك، وأصدقائك، خصص الوقت لنفسك وحسب، ركز على تطهير نفسك من الضغوط، فهي مثل الفيروسات تنخر في أجسادنا، ولا بُد لها من مطهر.

إليكم أمثلة، جربتُها بنفسي وما زلت.. أولًا: فكِّر في السفر، حتى ولو كان إلى ولاية غير الولاية التي تسكن فيها، لا يُشترط أن يكون السفر إلى وجهة سياحية، أو لبلد مشهور بطبيعته الغناء، لكن سافر وانتقل إلى مكان آخر غير الذي تعيش فيه، فإذا كنت من سكان الجبل اذهب إلى الساحل، وإذا كنت من مدينة ساحلية، تجول في دروب الصحراء وفي الوديان وبين الجبال الشاهقة في بلادنا الجميلة. وإذا كانت الظروف تسمح لك بالسفر لخارج الدولة، افعل ذلك وخذ احتياطاتك جيدًا في ظروف كورونا، استمتع بالحياة، واملأ عينيك بنور الدنيا، وأمتع حواسك برحيق الأزهار والوجوه الطيبة الحسنة، احرص على ملامسة البهجة، اسبح في الماء، اقفز في الشوارع، تسلق المرتفعات (إذا كنت تستطيع ذلك)، تجول لمسافات طويلة على قدميك، وتوقف عن ركوب وسائل النقل، عشْ حياة مختلفة عن حياتك الاعتيادية قدر الإمكان.

ثانيًا: الحياة بتقلباتها وضغوطها تفرض على المرء بين الحين والآخر، أن يفرغ الشحنات السلبية التي تقبع في داخله وتؤثر عليه وعلى أفكاره وعلى نظرته للعالم والدنيا، لذا نحتاج إلى “الهروب” خارج حدود الزمان والمكان، الهروب الإيجابي، الهروب الذي يُجدد النشاط وينعش خلايا الجسم ويعزز من أداء عضلة القلب. اذهب بعيدًا حيث لا عمل يُلاحقك، ولا أسرة تطاردك، ولا حتى أخبار غير جيدة تنساب إليك عبر هاتفك أو تشاهدها في التلفاز أو تسمعها في الراديو.

إننا بحاجة لرحلة قصيرة إلى مكان لا نبحث فيه عن سبب لحدوث الأشياء، ولا ننتظر فيه من يزودنا بأي معلومة وخبر.. نحتاج لأن نحلق لمكان بعيد عن الأماكن التي اعتدنا عليها، نتصادم فيها بوجوه تختلف عنَّا، أو عن الذين نعرفهم، نحن بحاجة لأن نبتعد عن كل شيء عدا أنفسنا، فالإنسان في نهاية المطاف يجب أن يختار نفسه، أن يعطيها الفرصة كي تتجدد، فما الإنسان سوى كتلة من الأحاسيس والمشاعر التي تحتاج بين الحين والآخر إلى “هزة” لتعود أقوى مما كانت عليه.

إن ما نعيشه من ألمِ الفقد، والحاجة والحنين للحياة الطبيعية، بعد ما فرضته علينا جائحة كوفيد-19 من مُتغيرات، يحتِّم علينا إعادة ترتيب الأولويات، كي نعرف ما نحتاج إليه بالفعل، وما يمكننا التنازل عنه.. إنها الحياة من المنظور المُعاكس، الحياة التي تهبك الكثير حتى تعتاد عليها، وما إن تعتاد عليها تنقض عليك لتسلب ذاتك وروحك ومشاعرك، وتغرس خنجر اليأس في سويداء قلبك.. لذلك عليك دائمًا أن تُفكِّر في الكيفية التي يمكن من خلالها أن تصنع لنفسك حياة؛ فالحياة بحاجة لمن يستمتع بتفاصيلها، فإما أن تنعم بأحضان دافئة مع نفسك، أو تتقلب فوق جمر التوتر والأرق والضغوط.. الخيار لك!!

مدرين المكتومية

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى