ذكرنا في الجزء السابق أن العقوبة هي الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيان أمر الشارع. والمقصود من فرض عقوبة على عصيان أمر الشارع هو إصلاح حال البشر، وحمايتهم من المفاسد، وإنقاذهم من الجهل وكفهم عن المعاصي، وحضهم على الطاعة، ولم يرسل الله تبارك وتعالى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم للناس ليسيطر عليهم أو ليكون عليهم جباراً، وإنما أرسله رحمة للعالمين، قال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين).
وذكرنا أن الأصول المحققة للغرض من العقوبة تكون من خلال المنع من الجريمة قبل وقوعها، فإذا ما وقعت الجريمة كانت العقوبة تؤدب الجاني على جنايته وتكون عبرة لغيره من تقليده وسلوك طريقه.
بالتالي، إن ما يتعلق بالعقوبة وفقاً للشريعة والقوانين الوضعية، يمكن القول، إن نظرية الشريعة تجمع بين كل النظريات الوضعية التي ظهرت ابتداءً من القرن الثامن عشر، فالعقوبات في الشريعة إنما شرعت لمنفعة الجماعة ولإصلاح الأفراد ولحماية الجماعة من الجريمة وتمكينها من الدفاع عن نفسها ضد الإجرام، والعقوبات في الشريعة لا يصح أن تزيد عن حاجة الجماعة كما لا يصح أن تقل عن هذه الحاجة، فهي من هذه الوجهة إجراء تقتضيه العدالة والمصلحة معاً، وهذا هو ما رآه “روسو” و”بكاريا” و”بنتام” و”كانت” مجتمعين، والعقوبة في الشريعة يقصد منها استصلاح الجاني والرحمة به والإحسان إليه، فينبغي أن لا يهمل شأن المتهم في تقدير العقوبة، وهذا هو ما تتجه إليه النظرية العلمية.
وإذا كانت نظرية الجريمة قد جمعت بين النظريات التي سادت في القوانين الوضعية من القرن الثامن عشر حتى الآن، فإن نظرية الشريعة قد تنزهت عن العيوب التي شابت النظريات الوضعية وسلمت من الانتقادات التي وجهت إليها.
وتجدر الإشارة إلى أن للعقوبة في الشريعة الإسلامية نظرية علمية فنية تامة التكوين لا يأتيها النقد من بين يدها ولا من خلفها، وأن القانون بالرغم مما وصل إليه من تقدم إنما يسير في أثر الشريعة ويترسم خطاها، وأنه لم يصل بعد إلى ما وصلت إليه الشريعة، وأن النتائج التي وصل إليها القانون والاتجاهات التي يتجه نحوها تدل على أن تطوره في المستقبل القريب أو البعيد لن يخرج عن النطاق الذي رسمته الشريعة للعقوبة، من هنا إنه لا خلاف بين الشريعة والقوانين على المبادئ والأصول التي تقوم عليها العقوبة، وإنما الخلاف في الكيفية التي تطبق بها هذه المبادئ والحدود التي تطبق فيها، فقد طبقت الشريعة كل المبادئ التي تعترف بها القوانين الوضعية ولكنها لم تجمع بينها في كل العقوبات ولم تسوِّ بينها في كل الجرائم، بل جعلت لكل مبدأ منطقة يعمل فيها وحده أو مع غيره، وجعلت لهذه المناطق معالم بارزة واضحة لا يخطئها عقل ولا بصر، ومن ثم استطاعت الشريعة أن تخرج على الناس بنظرية منطقية عملية لا عيب فيها ولا مأخذ عليها.
أما القوانين الوضعية فقد حاولت الجمع بين كل هذه المبادئ والتسوية بينها في كل الجرائم والعقوبات كما حاول ذلك شراح القوانين الوضعية، وكانت النتيجة أن أخفق واضعو القانون في إيجاد حلول عملية مقبولة كما أخفق الشراح في إيجاد نظرية علمية سليمة، وفي اليوم الذي تطبق فيه القوانين الوضعية المبادئ التي تقوم عليها العقوبة تطبيقاً سليماً متفقاً مع مصلحة الجماعة والأفراد، وملائماً لطبائع الأشياء، ستضطر أن تجعل لكل مبدأ منطقة يعمل فيها، وستهمل شخصية المجرم في الجرائم التي تمس كيان المجتمع, فتصل بذلك إلى ما سبقتها إليه الشريعة وتصبح متفقة معها تمام الاتفاق، ولا يفوتنا بعد هذا أن نذكر أن القانون الوضعي كان حتى آخر القرن الثامن عشر قانوناً وحشياً بعيداً عن أفق الإنسانية، فكان يحكم الأحياء والأموات والحيوان والجماد وينزل بالجميع عقوبات شتى قائمة على التمثيل والتشهير، لكن مع تطور الحياة تغير هذا الأمر وبات ملازماً للشريعة أو لنقل يستوحي منها ما كان عاجزاً عنه.
وبقي كذلك القانون الوضعي حتى أخذ في القرن الثامن عشر بأول مبدأ من مبادئ الشريعة الإسلامية فانقلب قانوناً إنسانياً بحتاً؛ إذ أصبحت العقوبة فيه قائمة على أساس التأديب والزجر بقصد حماية المجتمع، ولم تعد هناك حاجة للتمثيل والتشهير، وهذا المبدأ الأول الذي لم يعرفه القانون إلا في القرن الثامن عشر عرفته الشريعة مع غيره من المبادئ من القرن السابع الميلادي، ولذلك تركزت المسؤولية الجنائية من يوم نزول الشريعة في الإنسان الحي، ولم يجعل غيره أهلاً لها، ولم يعرف عن الشريعة ما عرف عن القانون من محاكمة الأموات والحيوان والجماد، ويكفي الشريعة الإسلامية فخراً بعد هذا أنها سبقت تفكير العالم بأحد عشر قرناً، وأن العالم يسير على آثارها من قرنين ولا تزال تسبق تفكيره بمراحل.
بعد هذه المقارنة بين الشريعة والقوانين الوضعية، لا بد من معرفة شروط العقوبة، حيث يشترط في كل عقوبة أن تتوفر فيها الشروط الآتية لتكون عقوبة مشروعة: أولاً، أن تكون العقوبة شرعية: وتعتبر العقوبة شرعية إذا كانت تستند إلى مصدر من مصادر الشريعة، كأن يكون مردها القرآن، أو السنة، أو الإجماع، أو صدر بها قانون من الهيئة المختصة، ويشترط في العقوبات التي يقررها أولو الأمر أن لا تكون منافية لنصوص الشريعة وإلا كانت باطلة، ويترتب على اشتراط شرعية العقوبة أنه لا يجوز للقاضي أن يوقع عقوبة من عنده ولو اعتقد أنها أفضل من العقوبات المنصوص عليها، وكما هو معروف أن العقوبات في الشريعة تقسم إلى حدود وقصاص وتعازير، فأما الحدود والقصاص فهي عقوبات مقدرة معينة ليس للقاضي حيالها من سلطان إلا أن يحكم بتطبيقها كلما كانت الجريمة ثابتة دون أن يستطيع تخفيفها أو تشديدها أو استبدال غيرها بها، مثل السرقة، عقوبتها القطع وليس للقاضي إذا ثبتت الجريمة على الجاني أن يحكم عليه بغير القطع، إلا إذا كان هناك سبب شرعي يمنع من عقوبة القطع كسرقة الأب من الابن، أما التعازير فسلطة القاضي فيها واسعة ولكنها ليست تحكمية، فهي واسعة لأن الشريعة تعاقب على جرائم التعازير بمجموعة من العقوبات تبدأ بأتفه العقوبات كالتوبيخ وتنتهي بأشدها كالحبس حتى الموت والقتل، وتترك الشريعة للقاضي أن يختار من بين هذه المجموعة العقوبات الملائمة للجريمة والمجرم.
الجدير بالذكر هنا أن سلطة القاضي على سعتها ليست تحكمية لأنه لا يستطيع أن يحكم بعقوبة غير شرعية، ولا أن يعاقب الجاني بعقوبة لا تتلاءم مع جريمته، ولعل اتساع سلطة القاضي هو الذي دعا إلى الظن خطأ بأن سلطة القاضي في الشريعة سلطة تحكمية، أيضاً ليس في الشريعة ما يوجب منح القضاة هذا السلطان الواسع، ومن ثم يجوز لولي الأمر أن يضيق هذا السلطان إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة؛ لأن المصلحة العامة هي التي سوغت منح القضاة هذا السلطان.
وأما شرط العقوبة الثاني فهو، أن تكون العقوبة شخصية: ويشترط في العقوبة أن تكون شخصية تصيب الجاني ولا تتعداه إلى غيره، وهذا الشرط هو أحد الأصول التي تقوم عليها الشريعة الإسلامية، والشرط الثالث، أن تكون العقوبة عامة: ويشترط في العقوبة أن تكون عامة تقع على كل الناس مهما اختلفت أقدارهم، وبحيث يتساوى أمامها الحاكم والمحكوم والغني والفقير والمتعلم والجاهل، بالتالي، المساواة التامة في العقوبة لا توجد إلا إذا كانت العقوبة حداً أو قصاصاً؛ لأن العقوبة معينة ومقدرة، فكل شخص ارتكب الجريمة عوقب بها وتساوى مع غيره في نوع العقوبة وقدرها، أما إذا كانت العقوبة التعزير فالمساواة في نوع العقوبة غير مطلوبة، ولو اشترطت المساواة على هذا الوجه لأصبحت عقوبة التعزير حداً، وإنما المطلوب هو المساواة في أثر العقوبة على الجاني، والأثر المرجو للعقوبة هو الزجر والتأديب، وبعض الأشخاص يزجرهم التوبيخ، وبعضهم لا يزجرهم إلا الضرب أو الحبس.
بالتالي، تعتبر المساواة محققة إذا عوقب المشتركين في جريمة واحدة بعقوبات مختلفة تكفي كل منها لردع من وقعت عليه بحسب حاله وظروفه.
ومن المهم أن نقول بكلمة أخيرة، إن العقوبة اليوم تغير شكلها وتعدل بعضها مع مراعاة تطور الحياة الحديثة والعصرية إلى حد ما، مع الإبقاء كما كنت أير دائماً على روح الشريعة الإسلامية، لكن مع تنوع الأدوات إذا كانت الغاية إحقاق العدل.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان
المصادر:
- التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي – مكتبة فكر

