في زمن التضليل والتدجين، وفي عصر الغزو الفكري والثقافي، لا بد من إعادة صياغة أفكار المجتمع المسلم وتنظيفها من الثقافات المغلوطة والعقائد الباطلة والأفكار المنحرفة وزرع محلها قيم الإسلام ومبادئ الإيمان، والتحلي بروح المسؤولية لنصنع أمة قرآنية قوية مفعمة بالعزة والكرامة والحرية، ومن منطلق الحرص الشديد على العمل بالنهج المحمدي، ومضمون تعاليم الرسالة الإلهية التي جاء بها رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لا بد من تفعيل ثقافتنا القرآنية لتكون هي الغالبة على نهجنا وسلوكنا في الحياة عموماً وفي مجتمعاتنا على وجه الخصوص.
استكمالاً لسلسلة محرم القرآنية، وتفسير سورة طه في هذه الأيام، علّنا نوصل جسر الإيمان بين الناس بكافة أطيافها، ونقوي من أواصر الترابط الإسلامي في الأمتين العربية والإسلامية، لغايةٍ عنوانها العريض (إنسانية).
قال تبارك وتعالى: (لما أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى)، في حضرة الخالق عندما جاء ذلك الصوت الإلهي، لنبي الله موسى عليه السلام، ورهبة وهول الذي حدث، لا بد من أن يلتزم موسى وأن يخلع (نعليه) لحكمةٍ يعلمها الله تبارك وتعالى، (إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى)، عندما نذهب إلى دير اسمه “سانت كاثرين”، في سيناء، هناك بقعة يعتقد القساوسة ورجال الدير أنها هي الشجرة التي أوحي إلى موسى بجوارها، اسمها (التعليقة)، ولكن لا أحد يدري إن كانت هذه البقعة فعلاً من وادي طوى، أو كانت قصة من القصص المتناقلة بين البشر، وذلك أمر في علم الله سبحانه وتعالى، (وأنا اخترتك)، لنتأمل هذه العبارة ونستشعر وقعها المهول في النفس البشرية، خاصة وأن المتحدث هو الله، والضمير (أنا) هو ضمير الله تعالى، والخبر (اخترتك واصطفيتك)، كما قال تبارك وتعالى لموسى عليه السلام في سورة الأعراف: (قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين)، ولا أحد يستطيع الحديث عن وصف هذا الموقف محتوياً على تكليفٍ بالرسالة، (فاستمع لما يوحى)، لقد أوحى الله لموسى 3 أمور، الأول (إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني) ما يعني أن يكلفه بأن يوحد الله وأن يعبده وحده دون أي شريك، ثم يكلفه بالصلاة (وأقم الصلاة لذكري)، والصلاة في كل الأديان هي تكليف مؤكد ينبغي أن يؤدَّى كما قال القرآن (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا)، ثم يقول له (إن الساعة آتية) وهذا هو الأمر الثالث، ليكون المشهد هو التوحيد – الصلاة – الإيمان بالآخرة، وهذا هو ما تضمنه القرآن الكريم أيضاً عندما تحدث عن مضمون الإيمان (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون)، والإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، اليوم الآخر هو الركن الثالث الأساسي في بناء العقيدة، لأنه بدون هذا الإيمان، يصبح الإنسان بلا حكمة، ويصبح هذا الوجود الإنساني بلا نتيجة، بالتالي وبدون أدنى شك، أن الآخرة أساسية في حياة الإنسان، ولذلك نرى أن الكثير من الملاحدة يركزون على إنكار الآخرة وإعدام الحكمة من تواجد كل هذا الخلق، وينكرون البديهة الأساسية، فنحن المسلمون نعمل ما يأمرنا الله به وننتظر آخر عملنا وجزاءه، وهكذا يكون التكامل بانتظار الآخرة، قال تعالى: (إن الساعة لآتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى)، أي إن الساعة آتية قريباً، تكاد تظهر لكن الله تبارك وتعالى يخفيها إلى أن يأتي أوانها، فهذا هو منهج الله تبارك وتعالى ونظامه الذي أراده من هذا الخلق المتطاول والمتكاثر الذين لا يعلم عددهم إلا الله تبارك وتعالى.
لذلك، يجب عدم الاستماع لهؤلاء الملاحدة ومن يقولون إنهم علمانيين فهؤلاء هم يريدون أن يخرجوننا عن قناعاتنا ويشككون بثوابتنا فلنحذر منهم، فهم حصب جهنم واردون لها، أما أنت يا موسى (فلا يصدنك عنها) أي عن الإيمان بأن الساعة آتية (من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى) أي فتهلك، (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى، فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى).
لا تزال حكاية الإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من خلال الرسم الكاريكاتوري وانتشاره في بلاد الغرب، حكاية صارخة في واقع عالمنا المعاصر، هذه الإساءة تمثل في الأساس جهلاً لدعوة محمد ودينه وقيمته وأهليته للرسالة وبالحقيقة الدامغة فيما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم للبشر، لكن لا أحد يردي من هؤلاء كل هذه القيم، فهم يعادون نبي الله ويشنعون به كنوع من الاستهانة به وكذلك الاستهتار، فربما كان الذي رسم ونشر هذا الرسم المسيء ملحداً لا إيمان في قلبه، لكن الأمر قد حدث، إنما السؤال هنا، لماذا حدث؟ ربما الدافع من وراء ذلك، الإثارة والرغبة في الشهرة وهذا قد تحقق فعلاً لصاحب هذا الفعل الشنيع، لكن استقبل الكثير من المسلمين الحدث بهوان وصمت وقلة من جابهت هذا الفعل، كما حدث مؤخراً حول انتقاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للإسلام والمسلمين، لم نجد موقفاً موحداً يوقف الغرب عند حده فيما يتعلق بالإساءة إلى ديننا ورسلنا، أسلافنا كانوا أفضل منا بكثير، أسلافنا تلقوا أمانة الوحي على يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ظلت الأمانة تُتناقل من يدٍ إلى يد ومن عاقلٍ إلى عاقل، ومن بلدٍ إلى بلد، عن طريق الدعاة، عن طريق الذين حملوا الأمانة وأدوها كما ينبغي أن تُؤدى الأمانة، أما نحن فيا ويلنا من السؤال ومن المسؤولية، لا شك أن أسلافنا قاموا بالواجب رعايةً لحق الله عليهم، لم يكونوا يسعون للحصول على مكاسب مادية ولكنهم كانوا يسعون إلى أداء الأمانة للقيام والنهوض بالمسؤولية عبر التكليف بذلك من النص القرآني، مضحون غير مبالون بأنفسهم ودمائهم، وأموالهم وبكل ذرةٍ في كيانهم، يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احداً إلا الله.
أخيراً وليس آخراً، ماذا فعلنا نحن وفي أيدينا الوسائل الكثيرة لوقف من يتطاول على ما يتعلق في ديننا ورموزنا وكتبنا ورسلنا، نجد أن الكفر قد زاد في البشرية، نحتاج اليوم إلى مزيدٍ من العقل للتعامل مع هذا الوضع الذي بات يضم الملاحدة والعلمانيين الذين يعتبرون الإيمان خرافة والعبادة جهل، هم يروجون لمشروعهم المأجور، لكن دورنا المجابهة لا السماح لهم بالاستمرار في جر الشباب والصغار خلف أباطيلهم، لتكن منابر شهر محرم وكل الشهور حاضرة للتوعية ضد هؤلاء ضد مشغليهم، علينا أن نتحد وألا نكرر الباطل وألا نزيده شيوعاً بيننا، لأن ذلك يخدم أعداء الإسلام، ليكن شهر محرم شهر التسامح وإرساء القيم عبر الإسناد الصحيح والسلوك القرآني والنهج المحمدي، كما كان أسلافنا يجب أن نكون، أن يخرج الدعاة لنشر العدل والحق والإنسانية لا لتكفير الآخر، ولتشويه الحقائق التي لا تناسب البعض، هذا البعض ليعد إلى تعاليم الله عز وجل، المسؤولية عمل لا قول.
وأختم بهذه الآية من سورة طه، قال تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإن الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميد وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم)، والتي سنتوسع في تفسيرها في جزئنا الخامس من سيرة محرم القرآنية.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان

