من المعروف أن السلطات المصرية كانت قد سلطت قديماً، الضوء على مكانة الأخلاق ومكافحة الجريمة بعقوبات مختلفة كعنصرين أساسيين في جوهر حياة المصريين قديماً، وشغلت مكارم الأخلاق حيزاً كبيراً استند إلى خبرات وعادات اجتماعية متنوعة وممتدة عبر تاريخهم، في الوقت الذي نهض فيه الدين بدور بارز في تنظيم حياتهم في محيط الأسرة والمجتمع، وتطور ذلك تباعاً مع التقدم الحداثة التي تحققت تباعاً حتى اتخذت القوانين شكلها الحالي.
لقد اختلفت أنواع العقوبات في القانون المصري باختلاف الجرائم, وقد قسم القانون المصري الجرائم ثلاثة أقسام, وجعل ضخامة الجريمة أساس لهذا التقسيم, فأضخم الجرائم تدخل تحت القسم الأول وتسمى جنايات, وأقل ضخامة تدخل تحت القسم الثاني وتسمى جنحاً, والجرائم التافهة تدخل تحت القسم الثالث وتسمى مخالفات، وجعل القانون لكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة عقوبات خاصة, فعقوبات الجنايات هي الإعدام والأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة والسجن. وعقوبات الجنح هي السجن والمراقبة والغرامة, وعقوبات المخالفات هي الحبس والغرامة, والفرق بين السجن في الجنح وبينه في المخالفات أنه لا يزيد في المخالفات عن سبعة أيام وقد تصل في الجنح إلى ثلاثة سنوات, والفرق بين الغرامة في الجنح وبينها في المخالفات أنها لا تزيد في المخالفات عن مائة قرش وتزيد عن ذلك في الجنح.
وعقوبة الإعدام هي إزهاق روح المحكوم عليه, وتختلف قوانين البلاد في كيفية تنفيذ العقوبة, ففي بعض البلاد تنفذ بالشنق كما هو الحال في مصر, وفي بعضها تنفذ بقطع الرقبة بآلة حادة كما في فرنسا, وبعضها ينفذ العقوبة بصعق المحكوم عليه بتيار كهربائي كما في الولايات المتحدة الأمريكية، وعقوبة الأشغال الشاقة سواء كانت مؤبدة أو مؤقتة هي وضع المحكوم في سجنه مع تشغيله في أشق الأشغال التي تعنيها الحكومة وإذا كان المحكوم عليه امرأة أو رجلاً جاوز الستين من العمر استوفيت العقوبة في أحد السجون العمومية (المادة 15عقوبات) والسجن العمومي هو السجن الذي يقع في دائر المديرية.
أما عقوبة السجن فهي وضع المحكوم عليه في أحد السجون العمومية وتشغله داخل السجن أو خارجه في الأعمال التي تعنيها الحكومة (المادة 16 عقوبات)، ولا يجوز أن تنقص عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن عن ثلاث سنوات كما لا يجوز أن يزيد على خمس عشر سنة إلا بنص (المادة 14, 16 عقوبات)، وعقوبة الحبس هي وضع المحكوم عليه في أحد السجون المركزية أو العمومية ولا تنقص عقوبة الحبس عن أربع وعشرين ساعة ولا تزيد على ثلاث سنوات إلا بنص, والحبس إما أن يكون مع الشغل أو بسيطاً, فإن كان مع الشغل اشتغل المحكوم عليه داخل السجن أو خارجه في الأعمال التي تعينها الحكومة، ويمكن القول أن عقوبة الأشغال الشاقة مؤبدة أو مؤقتة وعقوبة السجن وعقوبة الحبس هي كلها في جوهرها هي عقوبات حبس يتفاوت في مدته أكثر مما يتفاوت في نوعه, أما اختلاف العمل الذي يزاوله المحكوم عليه من حيث مكان العمل أو قسوته فلا يغير من طبيعة الحبس شيئاً, وعلى هذا الأساس تكون العقوبات الجنائية التي يعترف بها القانون المصري هي الإعدام والحبس والمراقبة والغرامة.
وكان القانون المصري يعترف بعقوبة الجلد ويخصصها للأحداث حتى سنة 1937، فلما عدل القانون في هذه السنة استبدلت هذه العقوبة بعقوبة التوبيخ، كذلك كان القانون المصري يعترف وقت وضعه بعقوبة النفي مؤبدة أو مؤقتة, فلما عدل سنة 1904 ألغيت هذه العقوبة بحجة أن سهولة المواصلات أضعفت من أثر العقوبة الملغاة, ولكن الرأي يتجه أخيراً إلى إعادة عقوبة النفي, بل لقد اضطرت الحكومة إلى فرض عقوبة النفي الإداري إلى الطور في بدأ الحرب الأخيرة في سنة 1940, كما فرضت الجلد عقوبة لمخالفة الأوامر العسكرية الخاصة بالتموين والتسعير, وظل الحال كذلك حتى انتهت الحرب، ومن العقوبات الأساسية في القانون المصري عقوبة الإرسال إلى الإصلاحية, وهي خاصة بمعتادي الإجرام والأحداث, وهذه العقوبة في جوهرها حبس وإن اختلف نظام الإصلاحيات عن نظام السجون.
وقد نص القانون على كل جريمة وعلى العقوبة المقررة لها, وحين اختيرت العقوبة لكل جريمة روعي فيها أن تكون مناسبة للجريمة, وجعل الشارع لكل عقوبة عدا الإعدام والتوبيخ حدين: أحدهما يصعد بالعقوبة إلى أعلى درجاتها, والثاني: ينزل بها إلى أدنى هذه الدرجات, وفي أغلب الأحوال جعل الشارع لكل جريمة عقوبتين إحداهما أخف من الأخرى، وأعطى القانون للقاضي سلطة واسعة في تطبيق العقوبات التي قررت للجرائم؛ فترك للقاضي أن يختار العقوبة الملائم إذا كان هناك أكثر من عقوبة، وأن يختار من بين حديها الكمية التي يراها كافية لتأديب المجرم، ثم أعطى القانون بعد ذلك للقاضي الحق في أن يستبدل بالعقوبة أو بالعقوبتين المقررتين للجريمة عقوبة أخرى أخف منهما إذا اقتضت ظروف الجريمة الرأفة, وقصر استعمال هذا الحق على جرائم الجنايات دون غيرها, فللقاضي أن يستبدل بعقوبة الإعدام عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة. وله أن يستبدل بعقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة أو السجن, وله أن يستبدل عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة السجن أو الحبس, وله أن يستبدل بعقوبة السجن الحبس (المادة 17 عقوبات)، وأعطى القانون أخيراً لقاضي الإحالة الحق في أن يحيل بعض الجنايات على محكمة الجنح لتحكم فيها لا بالعقوبات المقررة للجنايات وإنما بعقوبة الحبس فقط المقررة للجنح, وليس على قاضي الإحالة قيد في تجنيح الجنايات ما دامت مقترنة بعذر قانوني معين أو بظروف مخففة تبرر تطبيق عقوبة الجنحة, وما دامت عقوبة الفعل الأصلية ليست الإعدام أو الأشغال الشاقة المربدة. والنتيجة العملية للسلطة المعطاة لقاضي الإحالة هي استبدال عقوبة الحبس المقررة للجنح بعقوبتي الأشغال الشاقة المؤقتة والسجن في كل جناية تحال إلى محكمة الجنح, وهي نتيجة تتفق مع النتيجة التي تؤدي إليها المادة 17 عقوبات، وللقاضي بعد هذا كله أن يأمر بإيقاف تنفيذ العقوبة إذا كانت بالحبس لمدة لا تزيد على سنة إذا رأى من أخلاق المحكوم عليه أو ماضيه أو سنه أو الظروف التي ارتكب فيها الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى مخالفة القانون (المادة 55 عقوبات).
من هنا، لا بد بالإشادة برجل القانون البارز، الأستاذ عبد الرزاق السنهوري، الصانع الأساسي وواضع صياغة القانون المدني المصري في الفترة من عام 1946 وحتى عام 1949، نجده قد أنجز عملاً باهراً من خلال ما قام به من مزج برّاق بين روح التشريع الإسلامي والقانون الوضعي، ويأتي القانون 131 لعام 1948 ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن “فاروق الأول، ملك مصر، ومجلسي الشيوخ والنواب” قد اعتمدوا وأصدروا القانون المدني الذي صاغه الأستاذ السنهوري وهو ما أدى إلى إلغاء التشريعات القديمة. بالتالي، إن ما حظى به السنهوري من صيت عالمي كفقيه قانوني قد أهله لصياغة القوانين والتقنينات المدنية في كل من العراق وسوريا والأردن وليبيا والكويت والإمارات العربية المتحدة.
د. عبدالعزيز بن بدر القطان
