أقامت مؤسسة بيت الزبير مساء الإثنين الحلقة الأولى من سلسلة جلسات “كتابهم” والتي تضمنت قراءة نقدية في رواية “لا يذكرون في مجاز” للروائية هدى حمد، قدمها الباحث أحمد الحجري، وجلسة حوارية مع الكاتبة أدارتها سارة علي.
في افتتاحية قرأها الحجري أشار إلى أن رواية هدى حمد الصادرة “لا يذكرون في مجاز” تنهض على حلم عجيب سيقود بطلة حكايتها الزوجة الكاتبة إلى متاهات سردية ودوائر حكائية ستصيبها -أي البطلة- بغيبوبة لم تنهض منها إلا مع نهاية الحكاية. مشيرا إلى أنها رواية متاهات سردية ودوائر حكائية، وتحتشد بكم هائل من القصص العجائبية والحكائيات الغرائبية وشخصيات من عالم السحرة والجن والممسوسين والمغيبين وأصحاب العاهات وحيوانات ذات قدرات خارقة، ملفتا إلى أنها تعيدنا إلى أجواء ألف ليلة وليلة والقصص الخرافية القديمة، مشبها إياها بحساء السحر العجيب الذي ما إن نقرأه أو نتناوله حتى نصاب مثل البطلة بالفضول والدهشة والغموض والرغبة في مطاردة الحكاية مرة أخرى في متوالية سردية لا تعرف التوقف.
وقرأ الحجري الرواية في محورين أساسيين: المحور الأول هو هيكل النص السردي وبنيته الفنية “متاهات السرد”، والمحور الثاني هو مضامين الحكاية العجائبية وأسطرة القصص “حساء السحر العجيب”، معرجا على عنوان الرواية والمفضي إلى عوالمها السحرية، مسميا العنوان العتبة الأولى “المنفيون في الخيال مثبتون في الحقيقة”. وأشار إلى أنه عنوان فيه تشويق للمتلقي، وقال: “عندما نقرأ هذا العنوان ينقدح في ذهن المتلقي سؤال: من هؤلاء الذين لا يذكرون في مجاز؟ ثم تأتي حيرة أخرى هي في كلمة مجاز، ما هي دلالة كلمة مجاز؟” وسبر الحجري العنوان من خلال بنيتين: البنية الأولى هي البنية السطحية ومنها إلى معرفة المضامين الدلالية داخل البنية العميقة لهذا العنوان.
وقال الحجري إن الكاتبة استخدمت الفعل المبني للمجهول، وأشار إلى أن هنالك دلالة في استخدام الفعل المبني للمجهول، معللا ذلك بوجود أشخاص مجهولين لا نعرفهم أو أشخاص يحرم ذكرهم في قرية مجاز، وقال: “هناك دلالة عميقة في استخدام الفعل المبني للمجهول كذلك في استخدام أداة النفي لا” ودلالتها أن هؤلاء الذين يحرم ذكرهم في قرية مجاز سينفون إلى مكان آخر وسنعرف ذلك بعد معرفة أحداث الرواية وهو جبل اسمه جبل الغائب. أما كلمة مجاز أعتقد أن المتلقي سيستحضر معنيين: المعنى الأول قد يكون الطريق أو المعبر أو الممر وهذه هي الدلالة المعجمية أو يستحضر الدلالة الاصطلاحية وهو الخيال إلى الآن القارئ لا يعرف أن مجازه عبارة عن تسمية لقرية وتحيطها جبال وبها حصن وغيره وهذا ما تدل عليه البنية السطحية”. وأضاف: “الكاتبة استخدمت الجملة الفعلية بدلا من الاسمية ولو استخدمت الاسمية ربما ستشير إلى هؤلاء المنفيين أو ستعطي إشارة إليهم وبذلك سيتكشف جزءا من حقيقتهم، لكن استخدامها للجملة الفعلية يخلق تشويقا للمتلقي، والعنوان عبارة عن إشهار يثير في المتلقي الحيرة والتشويق والغموض وهذا ما أرادته الكاتبة فالرواية قائمة في صلبها على غموض وتشويق وحيرة”.
متاهات السرد
وأشار الحجري إلى أن الرواية تستلهم البنية التي استخدمت في حكايات ألف ليلة وليلة، والتي تعرف نقديا بالحكاية الإطارية أو حكاية القالب، وقال: “نجحت الكاتبة في استخدام هذه التقنية، لأن الحكاية مبنية على قصص غرائبية أو عجائبية فبالتالي استلهامها واستخدامها لنفس التقنية التي استخدمت في حكايات ألف ليلة ينم عن ذكاء، لتشابه الموضوعات أو المتن الحكائي وأكثر من ذلك قامت الكاتبة بتحريك دوائر السرد. سنجد أن هنالك حكايات متداخلة وحكاية تفضي إلى حكاية وليست حكاية إطارية واحدة، فهي حركت الدوائر السردية كأن تلقي حجرا في بحيرة وتكون دوائر سردية”.
وفي حديثه حول الأصوات السردية في الرواية وبالإشارة إلى البطلة في الحكاية الإطارية، قال: “نحن نفترض أنها تسرد للقراء، وفي الحكاية الثانية هنالك البطلة الكاتبة الزوجة هي التي تحكي بضمير المتكلم لأنها ستفتح الكتاب وتحكيه للجدة الأولى، والجدة هي التي تستمع لحكايات الكتاب في الحكاية الثالثة يظهر صوت جديد هو صوت بثنة الثائبة ثم بعد الفاصل تأتي قصص المنسيين وهنا يظهر صوت جديد يروي الحكايات وهو الضحاك وتتحول بثنة من ساردة إلى مسرود لها وبعد ذلك هي من تقوم بتدوينها لتصل إلى الحفيدة”.
وأضاف: “هناك أصوات وإن كانت لها مساحة قليلة لكن نجد بثنة تروي لصفيراء مقلبة القلوب وتصبح الثانية أيضا مسرودا لها بعد ذلك “الخبابة” ستقوم بالسرد ليثنة وصفيراء والموت، وهنا تنويع في الأصوات السردية ضمن المتاهات السردية لكن عندما يروي الضحاك القصص سيتحول إلى سارد عليم يعرف كل التفاصيل وهذا ليس مقنعا بشكل كبير فالمنسيون لا يروون حكايتهم ولكن الضحاك هو من يقوم بذلك”.
وحول الإيقاع السردي عرفه الحجري بمدى توتر وسرعة الأحداث وتأزمها، وعن الإيقاع السردي في الرواية قال: “سار بشكل متوتر فعلا وسريع ومكثف ومختزل إلى أن نصل إلى قصص المنسيين. بعد قراءتنا لقصص المنسيين نكتشف أن لها بنية واحدة. منها العلامة وامتلاك الكتب والصحائف المخبأة والاعتراف بالذنب وأخيرا الذهاب إلى جبل الغائب”. وأضاف: “الإيقاع السردي في حكايات الستة المنسيين أصابه البطء والترهل نوما وبدأت تتكشف بعض الأحداث. وبعد قصص المنسيين يعود التوتر إلى مستواه السابق”.
حساء السحر العجيب
وعما تجمعه الرواية من شخصيات وحكايات يقول الحجري: “هذه الرواية تشبه الحساء السحري العجيب الذي يوجد في كل شيء، هناك حكايات أسطورية هناك حكايات خرافية هناك حكايات عجائبية هناك شخصيات من عالم السحر وأنصاف الجن والمغيبون وحيوانات ذات قدرات هائلة والزمن الطويل كل هذه الخلطة العجيبة الجميلة أنتجت هذه الرواية الجميلة لكن عندما نقرأ هذه الرواية سيقول إنها فنتازية وآخرون سيقولون أنها من الأدب العجائبي والبعض يقولون إنها واقعية سحرية والحقيقة أنها تمزج بين هذه العناصر كلها مع الاعتراف أنه لا توجد حدود فاصلة بين هذه المصطلحات”.
وحول تصنيف الرواية يقول: “إذا افترضنا أن الشخصيات الموجودة من عالم السحر تجعل هذه الرواية تنتمي إلى الأدب العجائبي في مقابل ذلك هناك ما يمكن أن نسميه واقعية سحرية لأن القارئ يجب أن يشعر دائما بالواقعية وإن حدثت أحداث متخيلة أو غريبة والرواية قامت بهذا الأمر لأن القرية كأنها حقيقة وموجودة في زمن ما مهما كان بها من سحر تشدنا للواقع”. وتابع: “وجود هذا الكم الهائل من الحكايات الغرائبية والعجائبية والتردد بين الأدب العجائبي المتعلق بشخصيات خرافية أو أسطورية وشخصيات واقعية تخرق القانون الطبيعي وأحيانا لا نجد حدا فاصلا بين الواقع والمتخيل وهذا سبب وجود هذا التردد”.
وفي ختام ورقته أحال الحجري إلى رؤى تنويرية جديرة بالإشارة منها مسألة صناعة الخوف والرعب، ومجاز التي وجد فيها رمزا وإشارة ودلالة لفترة من فترات عمان الحالكة”.
وقال: “إن سلاسة السرد ورشاقته وتوالد القصص العجيبة وغرائبيتها وتماشج الموروث الأسطوري مع الخطاب التنويري كلها عناصر ساهمت في الأخذ بلب القارئ والإمساك بتلابيب ذهنه والاستحواذ على حواسه التي ستظل تتابع حكاية المنسيين في مجاز وحكاية بثنه معم وحكاية البطلة مع جدتها وزجها في قالب الحكاية العام ليتحقق الحلم والرغبة في كتابة حكاية نكون قد قرأناها حقيقة مع آخر صفحة في الرواية التي جادت المؤلفة حقا غلقها بطريقة محكمة”.
وفي الجلسة الحوارية تحدثت الكاتبة هدى حمد عن إهداء الرواية والذي خصت به الكاتب الراحل عبدالعزيز الفارسي مشيرة إلى أنه من الأشخاص الذين رافقوها منذ اشتغالها الأول وكيف كان يأخذ النصوص إلى أصوات وأماكن جديدة. وعن مطاردة الحكايات في هذه التجربة، قالت هدى حمد: “لم أشتغل على الدفقة الكتابية، ولكن اشتغلت هذه المرة على معلومات كبيرة وتقصيت والتقيت بعدد كبير من كبار السن”، مشيرة إلى انشغالها بفكرة الجغرافيا المعزولة عن العالم.
وحول الرواية وتوثيقها لهذه الحكايات قالت: “لا أعتبر الرواية توثيقا للإرث الشفهي، ولكنها كانت لبنة الحكاية، وتحركت مخيلتي على إثر ذلك، وعلى الرغم من أنني نهلت من هذا الإرث، لكن لا ليست توثيقا، بل نقطة بدء لإطلاق المخيلة الشخصية”. وأضافت: “كتبت القليل جدا مما حصلت عليه، وأشعر أني مطاردة من قبل شخصيات متخيلة ولا أشعر أني خرجت من مجاز”. وحول اختيارها للأسماء في الرواية قالت: “كأنما كل حكاية كانت تضمر اسما، لم يكن ذلك أمرا مخططا”. وعن علاقتها بالأحلام باعتباره رابطا بين رواياتها قالت: “علاقتي بالكتابة والأحلام متداخلة، وأشعر أن الأحلام لا تفوّت، فهي تغذي جرعة الخيال، وما لم أستطع فصله عن كتابتي: وجود كاتبة أو وجود من يبحث عن حكاية، وهنالك من يؤمن أن الحكي هو وسيلة وحل ودواء لكل شيء”.
