كنتُ أعوّل على بكائها في أول يوم لنا في المدرسة؛ فقبل أسبوع من بدء العام الدراسي قال لي أخي الذي يكبرنا بأعوام قليلة: «ستبكي ميعاد في أول يوم ولكنك لن تفعلي».
لم أعرف لماذا لم يقل: «لن تبكي أي منكما!» ربما كان يريد أن يمضي بالمنافسة بيننا إلى أبعد مداها، لاسيما أنني لم أعرف إذا كان قد قال لها الجملة ذاتها أم لا.
ولكن ميعاد لم تبكِ، فظننتُ أن على إحدانا أن تفعل. نظرتُ إليها فبدتْ واثقة بنحو يبعث على الغيظ وكأنها تدرّبت على هذا مرارا قبل تلك اللحظة، بخلافي أنا التي شعرتُ أن قلبي سينخلع مع قرع الطبل أثناء عزف السلام السلطاني، على الرغم من أنني كنت ممسكة بيد أمي في حين لم تحضر أمها لتمسك بيدها، فتولّت أمي إمساك يدها بيدها الأخرى.
أتأمل الصغيرات رفقة أمهاتهن، ويعزّيني أن هناك من بدأت في البكاء فعلا، ومنهن من أخذت تنشج، ولكن لحظتي لم تحن بعد. يد أمي تضغط برفق على يدي مؤجلة الأمر للحظة أخرى، وأحسبها كانت تضغط بيدها الأخرى على يد ميعاد. ولكنها أفلتتنا أخيرا، وأسلمتنا لمعلمة تقف على باب أحد الصفوف لاستلام التلميذات الصغيرات من أمهاتهن بعد التأكد من وجود اسم كل تلميذة في دفتر بيدها. صرختُ وخبطتُ على الأرض رافضة أن تتركني أمي لامرأة لم تفلح عبارتها «أنا أمك أيضا» في التربيت على هلعي من أن تتركني أمي وراءها وتمضي.
انقادت ميعاد حيث طلبت منها المعلمة أن تجلس، وفعلتُ مثلها ولكن بعد نشيج طويل. لم يغظني أن المعلمة صَدَقت عندما قالت لأمي: «لا تقلقي ستبكي لبعض الوقت وتهدأ. يمكنك الذهاب الآن». بل أغاظني أن أمي استطاعت أن تذهب وتتركني أبكي.
قبل نهاية ذلك اليوم، استيقظ بداخلي هاجس أن تُخبر ميعاد بقية العائلة ببكائي! كيف سأواجه نظرة الخذلان في عيونهم؟ وددت لو آخذها من يدها جانبا وأهمس لها: «لا داعي أن نخبر أحدا أنني بكيت اليوم»، ولكني فكرت أن ذلك سيجعلها تنتبه إلى ما أعدّه عارا أطلب إخفاءه، فتستغله لصالحها. ولكن ميعاد لم تخبر أحدا، وحده أخي بادر بالسؤال فور عودتنا: «أيكما بكت اليوم؟». فقالت ميعاد كمن ينتظر السؤال: «أنا لم أبكِ»، وما استطعت الكذب، فقلت بشيء من التهوين: «بكيت شوية لكن بعدين عادي!».
هل فرحتُ بالعودة إلى أمي عصر ذلك اليوم؟ كان بداخلي عتب عظيم، ولكني وجدتها رائقة تماما، وكأنها لم ترتكب جريمة تخلٍ قبل ساعات. غير أني كنت راغبة أكثر في أن أطوي صفحة ذلك اليوم برمته، وأستعد ليوم آخر في مدرسة عرفت أنها لن تتركني قبل اثني عشر عاما.
أدركت مع الأيام أن وجودي مع ميعاد في الفصل نفسه كان أشبه بالكارثة، لأن كل حدث يحدث يجد طريقه مباشرة إلى البيت في نهاية اليوم، وهناك تجري محاكمة أخرى: عن الواجبات التي لم أكتبها، عن عدد المرات التي عوقبت فيها، عن الكتاب الذي نسيته في البيت، عن الحذاء المتسخ على الدوام، والحجاب الذي أدخله يوميا في حقيبتي المدرسية فور نزولي من الباص ولا أرتديه حتى يدق جرس الطلقة. كان الأمر أشبه بمراقبة لصيقة لا فكاك منها إلا إذا نُقِلت إحدانا إلى فصل آخر.
ولم أكن بريئة في المقابل، فلطالما أعدتُ لها الصاع صاعين. بلّغت أُمّينا عن مسطرة المعلمة الخشبية التي هوَت على جانب وجه ميعاد الأيمن. تلك الحادثة دفعت بأمي إلى الذهاب إلى بيت المعلمة احتجاجا على طريقتها القاسية في العقاب. كانت تمسك بميعاد من يدها وخط المسطرة الأحمر يشق خيطا بلون الدم في وجهها دليل إدانة.
نقلتُ مرة إلى العائلة خبر جواب ميعاد على سؤال المعلمة الذي وجّهته لجميع الطالبات: « ماذا تريدين أن تكوني عندما تكبرين؟»، وتنوّعت الإجابات بين الطالبات وتكررت: معلمة، مهندسة، طبيبة، طيارة، ممرضة، شرطية. وعندما وصل الدور عند ميعاد قالت بثقة: «أريد أن أكون فلاحا». قالتها بصيغة المُذكّر فضحكت التلميذات على إجابتها، ولكن المعلمة سرعان ما وبختهن على ضحكهن من إجابة جميلة لم تُسبق إليها. كانت ميعاد قد تشرّبت درس القراءة عن حازم الذي ينشد كل فجر:
الحقل الأخضر صنع يدي وأنا فــــــــــــــــــلاّح يا بلــــــــــــــــــــــــــدي.
وتؤازر كلماتِ نشيده الحالم صورةُ الحقل البديع والجرّار المرسومة بالألوان المائية في الصفحة المقابلة ببهجة لا تقل عن أصواتنا ونحن نردد كلمات النشيد بحماس عذب، قبل أن يختفي والصورة معه من الكتاب المدرسي.
لم يدم عملنا في بث النشرة الإخبارية المدرسية عن بعضنا البعض سوى عامين، ففي نهاية العام الثاني رسبت ميعاد ووجب عليها أن تعيد السنة. ذهبتُ إلى الصف الثالث، وأعادت ميعاد الصف الثاني بانكسار آلمني. لقد افتقدتها كثيرا في بداية عامي ذاك، ولكن الوضع بوجودنا منفصلتين كان أكثر ارتياحا لكلتينا، فقد اكتشفنا أن بوسع الأحاديث في البيت أن تكون بمحتوى آخر ليست أيٌّ منا مادته. بعد الصف الخامس الذي أعادته ميعاد مرتين أيضا، قررتْ أن تكتفي بهذا القدر وتبقى في البيت. فعلت ذلك بملء إرادتها، ولم تنصت لاعتراض أحد.
كانت حاسمة وهي تقرر قرارها الذي لا يشبه المستقبل في شيء، ذلك المستقبل الذي رُسم في أذهاننا مقرونا بشهادة تعليمية ووظيفة تسند متطلبات الحياة. أمضت ميعاد السنوات اللاحقة في تدليل نفسها، فكانت أكثرنا اعتناءً بحالها، ولباسها، وحليّها. بدت منعّمة أكثر وتسبقنا بدرجة نحن الغارقات في كتبنا والساهرات على امتحاناتنا. وبينما كان بعض من في العائلة يشفق على مستقبلها الذي أنهته بطيش، بدت لي فتاة شجاعة تملك قرارها مهما كان أرعن؛ يكفي أنها في سنها المبكر ذاك أرغمت الجميع على الامتثال لإرادتها حتى قال أبوها:«لن ينقصها شيء حتى يأتيها نصيبها»، ولم ينقصها.
أفهم الآن أن ميعاد انحازت لكرامتها بسبب معلمة تعاقب تلميذاتها وكأنها تنتقم منهن لخلاف شخصي، ولم نكن في المقابل لنشكو تلك الطريقة لآباء وأمهات يتبنون إلا فيما ندر – عبارة « سلّم العين بس»، فلم يتسنّ لها أن تختبر بشكل حقيقي معلمات أكثر لطفا، فقد كان النظام في المدرسة في ذلك وقت أن تستلم المعلمة الواحدة فصلا واحدا لتدرّسه كل المواد ولمدة ثلاث سنوات من الصف الأول حتى الصف الثالث الابتدائي، فما إن تدخل التلميذة صفها بعد طابور الصباح حتى يلازمها وجه المعلمة نفسها حتى يدق جرس الحصة الأخيرة، فرُسمت في أذهاننا تلك المرحلة المبكرة من علاقتنا بالمدرسة مقرونة بصورة المعلمة الأولى، فإن كانت خيّرة فخير، وإن كانت قاسية فذاكرة لا تَغفِر ولا تنسى.
لم تستطع ميعاد تجاوز تجربتها القاسية مع المعلمة الأولى، ولا أن تتقبل فكرة أن المعلمات لسن نسخا متشابهة، وأنهن يختلفن عن تلك المعلمة التي بقيت خطوط مسطرتها موشومة في روحها. كل ما عرفته أنها صورة تكاد تكون وحيدة عن المدرسة التي لا تستطيع عليها صبرا، فغادرتها من بوابتها الكبيرة.
في طفولتنا المبكرة، أكبرتُ في ميعاد شرف الخصومة، فكان إذا احتدم العراك بيننا تسحبني إلى غرفة مجاورة وتقفل الباب ونتعارك بالأيادي حد إسالة الدماء وتقطيع السلاسل ونزع الحلق، وما إن تنتهي الجولة بيننا نغسل دماءنا بصمت، وتخفي كل واحدة منا ذهبها المقطوع حتى قبيل العيد، في تلك اللحظة فقط تكتشف أمهاتنا العطب الذي أصاب السلاسل والأساور جراء معارك سرية.
قالت لي مرة: «أعرف أن أمهاتنا إذا تدخلن بيننا فسيفسدن كل شيء، فإذا أردت التعارك معي فأغلقي الباب أولا»، وهكذا تعلمت تلقائيا أن أستدرجها بعيدا عن أنظار أمهاتنا قبل أن أسدّد لكمة في وجهها أو أشدّ شعرها أو أهددها بقطع سلسلتها من عنقها. وعندما أسقطتني من الأرجوحة الحديدية وشجّت رأسي ذات صباح شتوي، لملمنا المعركة بصمت وبقيت الدماء المتخثرة على الرمل على جانب مدخل البيت شاهدة على معركة حامية لا أثر لأطرافها.
تزوجت ميعاد مبكرا. كان عرسها هادئا جدا على عكس ما تمنته. لم يتسنّ لها الوقت لتعرف الكثير، ولكنها كانت مستعدة بما يكفي لتبدأ حياة جديدة مع رجل اختارته بثبات نادر، وكان ذلك قرارها الثاني.
ورغم ما أحدثته الأيام في مساراتنا المتباينة، بقيت ميعاد وجه طفولتي الأنقى، والصاحبة التي عشت معها طُهر الماضي وشقاوات المدرسة الأولى، وتبادلتُ معها أسرار التحول من الطفولة إلى الشباب، وكشفت لي سر الأشباح التي تتعارك في الممرات ليلا، فتأتيني في صباح اليوم التالي باكية.
اليوم، أصبحت ميعاد أمّا لأربعة أطفال، تذاكر لهم دروسهم بدأب، وكأنما تحاول أن تستأنف ماضيا انقطع بضربة قَدَر، ولكن بالسير نحوه هذه المرة وليس بالانعتاق منه. تفعل ذلك وأنا على يقين من أنها لم تخسر شيئا، بل كسبت شخصيتها القوية والمميزة بأخطائها وصوابها، اتخذت كل خطواتها في الحياة بحب، لأنها امرأة أحبت نفسها قبل كل شيء، ومن أحب نفسه لن يندم أبدا.

