يعتقد الاقتصاديون أن الركود الأمريكي قد يهدد بمخاطر مثل انخفاض قيمة العملات الوطنية مقابل الدولار وزيادة تكلفة الواردات.
يمكن للدول أن تضع نفسها في موقع تنافسي أفضل من خلال تبنى معايير عالمية لتشجيع الاستثمار وزيادة الشفافية وتقليل عدم اليقين بشأن القوانين.
عديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يواصل خطوات جريئة لتحسين القدرة التنافسية عبر برامج الخصخصة وتوسيع مشاركة القطاع الخاص.
الفوز في خضم التحديات الحالية يتطلب الحفاظ على زخم النمو والقدرة على جذب الاستثمار.. فالتاريخ غني بالبراهين على أن التحديات الاقتصادية تتبعها فترات من المكاسب التاريخية.
تقرير – أمل رجب
خلال العام الماضي ارتفع حجم التدفقات العالمية للاستثمار الأجنبي المباشر لتصل إلى مستويات ما قبل الجائحة وتسجل 1.6 تريليون دولار، وجاء هذا الارتفاع بعد تراجع كبير خلال عام الوباء، لكن بدءا من العام الجاري تأتي عديد من المتغيرات العالمية لتلقي بظلال من عدم اليقين تجاه استمرار هذا الحجم من تدفق الاستثمارات الأجنبية وبشكل خاص للأسواق الناشئة، وفي مقدمة هذه العوامل المخاطر المحيطة بآفاق النمو العالمي والرفع المتوالي للفائدة الأمريكية الذي يعني توجه المستثمرون نحو العائد المرتفع في السوق الأمريكية وغيرها من أسواق الدول المتقدمة، وتأتي هذه المتغيرات في وقت تسعى فيه العديد من الدول الناشئة لزيادة جذب الاستثمارات الأجنبية بهدف تمويل برامج التنمية.
وبعد أزمة كان لها تبعاتها العديدة مرت بها الدول المصدرة للنفط عقب تراجع الأسعار منذ عام 2014، أصبح التنويع الاقتصادي وخفض الاعتماد على النفط هدفا استراتيجيا لدول مجلس التعاون ومن ضمنها سلطنة عمان التي بدأت منذ العام الماضي تنفيذ رؤيتها الطموحة 2040 بهدف تنويع مصادر الدخل وتوسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني.
وضمن خطط واستراتيجيات النمو التي تعمل على تحقيق طموحات الرؤية المستقبلية، أعطت سلطنة عمان اهتماما واسعا بتشجيع الاستثمارات وتحسين بيئة الأعمال وتسعى لرفع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة الى ما يعادل 10 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي مع العمل على تشجيع استثمارات أعلى في قطاعات التنويع الاقتصادي عبر حوافز للمستثمرين.
وخلال الربع الأول من هذا العام سجل الاستثمار الأجنبي المباشر في سلطنة عمان ارتفاعا بنحو 19 بالمائة، كما رصد تقرير الاستثمار العالمي لعام 2022م الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد” أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في سلطنة عُمان ارتفعت عام 2021 بنحو 3.6 مليار دولار. وبحلول نهاية الربع الأول تجاوز إجمالي الاستثمار في سلطنة عمان أكثر من 17 مليار ريال عماني، وعلى الرغم من أن هذه الزيادة تعد إنجازا جيدا لكن الطموح هو تحقيق المزيد، ولذلك يشهد تشجيع الاستثمار وتسهيل إجراءاته تسارعا غير مسبوق، كما أعلنت سلطنة عمان عبر جهاز الاستثمار عن ملامح مهمة لخطط التخصيص التي تستهدف زيادة دور القطاع الخاص.
على النطاق الإقليمي، تشير بيانات الاونكتاد الى أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لدول العالم العربي والشرق الأوسط في 2021 ارتفعت بنسبة 44.2 بالمائة، لتبلغ 66.85 مليار دولار مقابل 46.37 مليار دولار في 2020، وجاء هذا الارتفاع بدعم من برامج التنويع الاقتصادي في المنطقة.
وعالميا، ما زالت الاقتصادات المتقدمة تستحوذ على نحو 75 بالمائة من حجم تدفقات الاستثمار الأجنبي، وكانت أكبر عشرة اقتصادات تلقيا للاستثمار الأجنبي المباشر في 2021 هي الولايات المتحدة الأمريكية والصين وهونغ كونج وسنغافورة وكندا والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا وروسيا والمكسيك.
وخلال العام الجاري والأعوام المقبلة، يبدو الحفاظ على هذا الزخم تحديا لا يستهان به، بسبب متغيرات بيئة الأعمال والاستثمار، وتناول تقرير صادر عن المجلس الأطلسي، وهو إحدى الجهات البحثية المرموقة في الولايات المتحدة، التحديات التي تواجه قدرة الدول على استمرار جذب الاستثمارات، مشيرا إلى أن أحجام السيولة النقدية الضخمة التي تم ضخها أثناء الوباء أسفرت عن موجة من التضخم الذي يصعب احتواؤه حتى عبر رفع أسعار الفائدة، وستواجه العديد من الاقتصادات تحديات كبيرة خاصة دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تسعي بشكل حثيث لجذب المستثمرين العالميين وزيادة حجم الاستثمار الأجنبي المباشر.
ويرى التقرير أن أحد التحديات الرئيسية هو أن تدفقات رأس المال قد تنعكس حركتها من الأسواق الناشئة إلى الأسواق المتقدمة – وعلى وجه التحديد في الولايات المتحدة، حيث ترتفع أسعار الفائدة إلى مستويات لم يشهدها العالم منذ عام 2018 حين شهدت الأسواق الناشئة خروجا كبيرا لتدفقات رأس المال إلى الخارج مع انخفاض عدد المستثمرين الدوليين. وبشكل عام لطالما كان جذب المستثمرين الأجانب إلى اقتصادات الأسواق الناشئة أمرًا صعبًا، لكن خلال الفترة التي تبنت فيها البنوك المركزية سياسة أسعار الفائدة القريبة من الصفر أو السلبية أحيانا، نجحت الأسواق الناشئة في جذب المستثمرين المقبلين على المخاطرة والمتلهفين على الحصول على عوائد أعلى من استثماراتهم في الأسواق الناشئة عبر الأصول المختلفة بما في ذلك الأسهم العامة والدين العام والأسهم الخاصة، لكن في الوقت الحالي، يختلف المشهد تماما إذ بدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي توجها قويا لرفع أسعار الفائدة على الدولار، وربما من المحتمل أن يكون أكبر ارتفاع في أسعار الفائدة منذ حرب الرئيس الأسبق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي بول فولكر على التضخم في الفترة من عام 1979 إلى 1982، ونتيجة هذا الرفع المحموم للفائدة يعتقد العديد من الاقتصاديين أن هذا سيؤدي على الأرجح إلى ركود في أكبر اقتصاد في العالم مما يهدد بمخاطر مثل انخفاض قيمة العملات الوطنية مقابل الدولار وزيادة تكلفة الواردات وصعوبة سداد ديون العملات الأجنبية للبنوك والشركات والحكومات والتي تراكمت أثناء الوباء.
وتشير الدراسات إلى أن تأثير تشديد السياسة النقدية الأمريكية على الأسواق الناشئة سوف يختلف اعتمادًا على عوامل متعددة، فقد يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة المصحوب بتوسع الاقتصاد الأمريكي إلى آثار غير مباشرة إيجابية تعود بالفائدة على الأسواق الناشئة أكثر من إلحاق الضرر بها، وبالتالي سيكون ذلك عامل محايد فيما يتعلق بتدفقات رأس المال. لكن من ناحية أخرى، من المحتمل أن يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة في إطار محاربة التضخم إلى اضطراب في الأسواق الناشئة التي سيزيد فيها معدل التضخم أكثر من تأثير النمو، بينما تميل الاقتصادات الناشئة ذات الظروف والسياسات المحلية المستقرة إلى الأداء بشكل أفضل والتعرض لتقلبات أقل، وهو ما سيشجع المستثمرين الدوليين على تركيز استثماراتهم في الأسواق الناشئة عالية الجودة.
ويعني ذلك أنه ستكون هناك نتائج ومخاطر متباينة حسب الظروف المحلية لكل سوق ناشئ. وسيستمر المستثمرون في البحث عن الفرص في الأسواق الناشئة، لا سيما في الأسواق الخاصة، حيث توجد الحصة الأكثر من الفرص.
وأوصى التقرير بأنه يمكن لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تضع نفسها في موقع تنافسي أفضل بين دول أخرى تتنافس على رأس المال من خلال تبنى لوائح ومعايير عالمية لتشجيع الاستثمار، وزيادة الشفافية وتقليل عدم اليقين بشأن القوانين واللوائح حيث يحتاج المستثمرون والشركات إلى مزيد من الوضوح بشأن قواعد اللعبة من أجل لعبها بثقة وكفاءة.
وأكد التقرير أن العديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يواصل اتخاذ خطوات جريئة لتحسين القدرة التنافسية عبر برامج خصخصة الشركات المملوكة للحكومة وتحسين مستويات الشفافية وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وستكون تلك البلدان التي تحافظ على زخم النمو والقدرة على جذب الاستثمار فائزة في السنوات القادمة فالتاريخ غني بالبراهين على أن التحديات الاقتصادية تتبعها فترات من المكاسب التاريخية.
ومن جانب آخر، يقدم تقرير صادر عن مجموعة أوكسفورد إيكومنوميكس عددا من التوصيات للحفاظ على القدرة التنافسية واستمرار جذب الاستثمارات، مشيرا إلى أن أحد الدوافع الرئيسية للاستثمار الأجنبي المباشر هو وجود قوى عاملة رخيصة نسبيًا وذات مستوى تعليم جيد يتيح الاندماج في سلاسل الإنتاج والتوريد العالمية، كما قد يكون الاستثمار الأجنبي المباشر مدفوعًا بشكل أكبر بتوفر العوامل التكنولوجية والرقمية حيث تقدم هذه الإمكانات فرصًا لدول مجلس التعاون الخليجي التي تتبنى جميعا استراتيجيات لزيادة مهارات العمالة الوطنية بما يواكب متطلبات سوق العمل وتسريع التحول الرقمي.
كما توصي الدراسة باستمرار الإصلاحات التي تهدف إلى جذب الاستثمار الأجنبي، وتوسيع حدود السماح بالملكية الأجنبية، والتوجه المتزايد نحو توسعة دور المناطق الاقتصادية الخاصة، والقيام بالإصلاحات التشريعية مثل قوانين الإفلاس والاستثمار الأجنبي.

