– كتبتُ ما هو واجب القول والكتابة، امتثالا لوظيفة الفنّ ورسالته ودوره في الحياة
– ما يحدث في سوريا، أكبر من كونه حربًا، إنه جحيم يحتاج لآلاف الروايات
– حلب كوْن. فضاء شاسع من العبق: من عطر التاريخ، وفوْح العراقة، ونفحة الحداثة
– النقد جحيم شهي والممارسة النقدية أمانة ومسؤولية
أحيانا تتملكك الحيرة وأنت تحاور أديبا مبدعا متخصصا في أكثر من صنف أدبي، ولديه أعمال مطبوعة متعددة، وكل منها يحتاج لحوار منفصل، ومناقشة مستفيضة.
ضيفنا اليوم، الأديب والناقد والأستاذ الجامعي والرئيس السابق لاتحاد الكتاب العرب بدمشق الدكتور نضال صالح الذي ما أن عرف أن الحوار لصحيفة عُمان حتى بادر مشكورا بالإجابة، وهو الذي يكنّ للسلطنة كل التقدير والاحترام حيث فتحتُ له بوابة الذكريات عنها، وفي ذاكرته الكثير منها ومن أهلها وآدابها.
لن أستفيض كثيرا في التقديم وسأترككم مع سلاسة الإجابات وتنوع الأسئلة التي أجاب عنها دون تردد.
* ما بين الكتابات النقدية والأعمال الروائية التي أصدرتها وهي تربو على 28 كتابا، أين يجد الصالح نفسه، في التخصص النقدي أم في طريق الرواية الذي تسير به حاليًا؟
– في وقت مبكّر من حياتي كنت شغوفا بالقراءة التي سرعان ما مضتْ بي إلى شقيقتها الكتابة وكنت آنذاك طالبا في المرحلة الإعدادية، وشأن أبناء تلك المرحلة من العمر بدأت بكتابة الشعر، ثمّ لم يعد الشعر يحتمل قلقي وأسئلتي التي كانت تزداد صخبا يوما بعد آخر، فمضيتُ إلى القصّة القصيرة، فالرواية. أمّا النقد فقد سعى بنفسه إليّ في مطلع الثمانينيات عندما تمنّى عليّ الراحل حيدر عليّ الذي كان مشرفا على صفحة “أدب الشباب” في صحيفة “الثورة”، أن أكتب قراءات نقدية لما تنشره الصفحة من نصوص شعرية وقصصية، ثمّ كانت الدراسات العليا في اختصاص النقد، فمقاربة الإبداع القصصي والروائي السوري والعربي، حتى استسلمتْ شهوة السرد في داخلي لهجعة طويلة، باستثناء الرواية اليتيمة التي كتبتها نهاية الثمانينات، “جمر الموتى”، وعندما نشبت الحرب / الجحيم في سوريا رأيتني مدفوعًا بكامل طاقتي إلى كتابة الرواية لغير سبب، أوّلها وأهمّها ما تعرضت له مدينتي حلب من دمار وخراب افترسا ثلثيّ معالمها وأحيائها التاريخية القديمة، فاحتميتُ بالفنّ الروائي خلاصا لروحي، أو محاولة للخلاص، من ألف وجع كان يضطرب فيها.
*ما بين روايتك الأولى “جمر الموتى” والرواية الأخيرة “سهر الورد” مسيرة ثلاثين عاما ونيف، هل وقعت في غرام الرواية ووجدت نفسك فيها أكثر من القصة القصيرة والشعر؟
– لا، لم يكن الأمر كذلك بقدر ما كان كما ذكرتُ في إجابتي السابقة محاولة للخلاص ممّا كان يزدحم في روحي من وجع وأنا أرى مدينتي نهبًا للموت، وإرادة عن سابق تصوّر في كتابة تنحاز إلى الحقيقة بدلًا من كونها شاهد زور على ما حدث، ولا سيما بعد أن أمعنت نصوص سردية كثيرة في ضلال الكتابة المحكومة بثقافة الخلاف لا بثقافة الاختلاف، فكانت روايتي “حبس الدم” فاتحة لما أشرت إليه سابقا، ثمّ “خبر عاجل”، وليس أخيرًا “سهر الورد”، وكان الهدف إنجاز كتابة تقول ما يقوله الواقع في مواجهة كتابة عوراء أو حولاء ترى من هذا الواقع ما تريد بنفسها أن تراه، أو ما يوسوس شيطان التشظي بين النقيضين للكاتب أن يكتبه، وإذا كنت حققت ذلك الهدف في الروايات الثلاث، فيكفيني أنني قلتُ وكتبتُ ما هو واجب القول والكتابة، امتثالًا لوظيفة الفنّ ورسالته ودوره في الحياة، فكيف إنْ كانت هذه الوظيفة والرسالة والدور تعني منعطفا حادا في تاريخ الوطن الذي ننتمي إليه!
* أنجزت خلال سنوات الحرب عدة روايات، فهل كنت تدون للحرب على سوريا وأهلها، مع أن غبار الحرب لم ينقشع بعد، وهل نطلق عليه أدب الحرب؟
– ما حدث في سوريا، ولمّا يزل منذ نحو إحدى عشرة سنة، أكبر من كونه حربا، بل هو جحيم، جحيم بامتياز، وعلى غير مستوى، ولذلك فإنّ أيّ مدوّنة سردية مهما كان حجمها لا يمكنها أن تحيط بغير القليل من الحمم التي تدفّقت من فوّهته.
إحدى عشرة سنة ألقتْ بشواظها الرجيم فوق رؤوس السوريين جميعًا، الذين لكل منهم حكاية، بل حكايات، مع الجحيم، وهو ما يستلزم مئات، بل آلاف، الروايات، لتصف ما حدث، أو تعبّر عنه، أو تحكي بعضا من لظاه. لقد كتبت، إلى الآن، الروايات التي أشرت إليها في سؤالك، والتي تنطوي جميعا تحت عباءة أدب الحرب، غير أنني في الوقت نفسه لم أكن معنيا بالحرب بوصفها متنا في محكيّ كلّ رواية، بل بوصفها مكوّنا من مكوّنات هذا المحكيّ الذي تتصادى داخله مسرودات حكائية يحتضنها فضاء واقعيّ ورمزيّ بآن، هو الحرب نفسها، وكان من أكثر ما يؤرقني وأنا أكتب هو أن أخلص للحقيقة، وألا أنحاز لغيرها مهما كان من أمر الغبار الذي قد يثيره هذا الطرف أو ذاك من عبدة الدم، وعبيد الزيف، واللاهثين وراء ما يعنيهم لا ما يعني وطنا طاعنا في الأوجاع والأحزان والفقد والهجرات.
* ما جرى في سوريا من مآس وخراب ربما يحتاج لآلاف الكتب والروايات لتدوينه على كل صعد الحياة ولكن من سيكتب، وهناك انقسام بين كتّاب الداخل والخارج، بما معناه “موالاة ومعارضة، وما بينهما”، وكل يرى الوضع بمنظاره الخاص وربما من مصلحته، كيف سيكون شكل هذا الأدب الذي سيخرج والناس بين حجري رحى؟
– هو ذا تمامًا ما حدث ويحدث إلى الآن في المدوّنة السردية السورية المعنية بالجحيم السوريّ، فكلّ طرف يعتقد امتلاكه الحقيقة بمطلق كمالها، ويكتب حسب موقفه من الآخر المختلف، بينما الحقيقة تحتمي بطرف جدار وتنتحب حزنا على بلاد تزداد جراحها يوما بعد آخر، بلاد يتمّ قتلها بأيدي أبنائها قبل أعدائها.
الكاتب، والمثقّف عامة، أحد اثنين: شاهدٌ عدْل وشاهد زور، وبعض الكتّاب فيما يعني مدوّنة الحرب ارتضى لنفسه دور الشاهد العدل، وبعضٌ آخر لم يثنه شيء عن دور شاهد الزور، وبين الشاهدين، وباستثناءات بكلّ تأكيد، رزحت هذه المدوّنة تحت عبء الخطاب السياسي بدلا من نسبتها إلى فضاء الإبداع. وبينهما، وبسبب ذلك، أعني الثنائية الضدية وما يجاورها في هذا الشأن، وباستثناءات بكل تأكيد أيضا، تبدو هذه المدوّنة وجها آخر لما يجري على الأرض، وشريكا، بهذه الدرجة أو تلك، في جلجلة الرحى التي تشير إليها، وأيّ رحى!
* لمدينة حلب في كتاباتك حضور دائم كما في كل مجالسك وحواراتك، هل هذا يعود لأنك ابن حلب المدينة الضاربة في التاريخ والعراقة، أم لأن للمكان دلالات كثيرة في الروايات ومن خلاله تجذب القارئ لعبق التفاصيل المثيرة، وبذلك تسجل حضورا فاعلا على صعيد هذه التيمة في السرد الروائي؟
– حلب ليست مدينة، إنها كوْن. فضاء شاسع من العبق: من عطر التاريخ، وفوْح العراقة، ونفحة الحداثة بآن. هي ما تغنّى بها الشعراء وما لم يتغنوا، وما دوّن الرحالة العرب والأجانب في مؤلفاتهم عنها وما لم يدوّنوا، وما أبدعتْ من المفكرين والعلماء والأدباء وما ستبدع. كتبتُ ما كتبتُ عنها ولها ليس لأنها مدينتي فحسب، بل، أيضا، لأنها بضعة من روحي التي تشبهها، فقد علّمتني ألا أنحني لعصف مهما اشتدّ كما كانت طوال تاريخها، وألا أكون غير ما ارتضت لنفسها من القوّة والجبروت والصلابة في مواجهة طيش البشر والزمن. كتبتُ عنها ولها ولمّا أفيها بعدُ سوى بعضٍ من حقوقها عليّ، وسأكتبُ عنها ولها ما تبقّى في إناء العمر من زيت الحياة.
حلب بالنسبة إليّ أرحبُ من كونها مكانا حاضنا للأحداث والشخصيات، وعلى الرغم من أنها تبدو كذلك، أي بوصفها مكانا، فإنها بآن تتجاوزه إلى كونها قوّة سردية بنفسها، ودليل ذلك ما ينهض بينها وبين الشخصيات (الراوي في حبس الدم، وأحمد في خبر عاجل، ويحيى في سهر الورد) من علاقات تبلغ حد التماهي بين كليهما، لكأنّ حلب هي تلك الشخصيات، ولكأنّ تلك الشخصيات هي حلب.
* كنت في فترة سابقة رئيسا لاتحاد الكتاب العرب، وقلت إنك نادم على تلك الفترة من العمل وانتقدت كثيرًا مما عايشته في كواليس الاتحاد، وما فيه من مطبوعات مكدسة في المستودعات وغيرها من الأمور، ما المشكلة بالضبط في المؤسسات التي تُعنى بالثقافة؟
– ندمت في حياتي مرّتين.. الأولى عندما استجبت لطلب مسؤوليْن كبيرين في الدولة بالترشح لانتخابات اتحاد الكتّاب لأكون على رأس مكتبه التنفيذي، فنجحت، ثمّ كان ما كان من أمر فجيعتي بما لم أكن أعرفه على الرغم من اشتغالي بالثقافة السورية قبل ذلك بما يزيد على أربعة عقود، وأعني أمرين: الأول وجود أعداد غير قليلة ممّن هم أعضاء في الاتحاد ليس لنتاجهم ما يليق بوصفهم أدباء أو كتّاب، وكان عليّ التسليم بأنهم ليسوا أقلّ شأنًا من سواهم ممّن مثَّلَ إبداعهم علامات فارقة في الثقافة السورية، وإنْ لم أفعل فسأجد نفسي في مواجهة محيط متلاطم من الإفك، وهو ما حدث، والثاني ارتطامي بثقافة الكيد والتدليس والافتئات والافتراء على الحقيقة من النقيضين، الموالاة والمعارضة، التي لم يكن يسلم من لوثتها سوى الأدباء والكتّاب بحقّ. وبين كليهما، الأول والثاني، كان ما يعني مطبوعات الاتحاد التي فوجئت بالآلاف منها هاجعا في مستودع كبير في ريف دمشق منذ سنوات طويلة، والتي كان الكثير منها صدر باسم الاتحاد وعلى نفقته لاعتبارات يمكن أن تعني أي شيء سوى الأدب نفسه، ومن تلك المطبوعات مئات النسخ من رواية بائسة لإحداهنّ كان شاغلها الأساس، ليل نهار، مطاردتي بكتابة التقارير الكيدية لجهات مختلفة، وبنسج الدسائس والمكائد وتدبيج العرائض.
المشكلة فيما يصدر عن المؤسسات الثقافية أنّ غير قليل منه محكوم بالعلاقات الشخصية مع رأس هذه المؤسسة أو تلك، وبتبادل المغانم الصغيرة، أمّا الأدب، وأمّا الإبداع، فليذهبا إلى الجحيم!
أمّا المرّة الثانية التي ندمت فيها فسأحدّثك عنها لاحقا.
* وصفت النقد بـ “الجحيم الشهي” الذي أخذك من القصة والرواية والشعر كيف خضت هذه التجربة التي فيها الكثير من المفارقات كما وصفت، خصوصًا وأن الناقد الحقيقي الذي يتعامل بضمير حي مع النص وليس مع صاحبه، لن يرضى أحد عنه؟
– اسمح لي أن أشكرك، ولو متأخرا، لمتابعتك الحصيفة لما كتبتُ ونشرتُ وقلتُ، ومن ذلك وصفي للنقد بالجحيم الشهيّ، الذي تنبهت وحدك ممن حاورني إليه، واسمح لي أيضًا أن أعيدك إلى إجابة سابقة في هذا الحوار، هي ما كان من أمر انتقالي من كتابة القصة والرواية والشعر إلى النقد الذي حرصتُ فيما أنجزتُ في مجاله على الإخلاص للنص وليس للشخص، وقد كلّفني ذلك كثيرا، ولستُ نادمًا على ما جنيت على نفسي في هذا المجال، ليقيني بأنّ الممارسة النقدية أمانة ومسؤولية، ولم أكن يومًا، ولن أكون، ممن يبحث عن علاقات صداقة زائفة مع هذا الكاتب أو ذاك، وممّن يسعى إلى مغنم من هنا أو هناك، وقبل ذلك ممّن يمكن شراء ضميره النقدي بدعوة غداء أو عشاء أو سهرة مغوية.
* أصدرت المجلد الأول من “الأعمال النقدية في السرد الروائي” وقلت إنك تعرضت بسببه لأذى ممن مضيت إلى نصوصهم في هذه الأعمال، وتطرقت فيه إلى أربعة محاور مهمة تتناول فيها الرواية العربية، هل يمكن أن تحدثنا عما حصل، وكيف تصف لنا واقع الرواية العربية كما عرفتها عن قرب؟
– الأذى الذي تشير إليه ليس بسبب صدور المجلد الأول من أعمالي النقدية، بل بما هو سابق عليه من بعض الكتّاب الذين كنت منحت نتاجهم من وقتي وجهدي ما لم يكن لائقا بهم، واضطررت إلى الإبقاء على دراساتي عن ذلك النتاج في المجلّد بوصفها جزءًا من مسيرتي النقدية. لقد قلت لك يا صديقي في إجابتي عن سؤالك الثالث إنّ ما حدث في سوريا كان أكبر من كونه حربا، بل كان جحيما بامتياز، ومن قرائن ذلك، بل من أكثر قرائنه ضراوة وقسوة، ما كان من أمر “المثقفين” السوريين الذين توزعوا منذ الشرارة الأولى للجحيم بين خندقين، وأخذوا يتبادلون إطلاق النار، بالمعنى المجازي، فيما بينهم، وكنتُ واحدًا ممّن استقرّت غير رصاصة في غير مكان من روحه. أمّا ما يعني الجزء الثاني من سؤالك، فهو يتطلب حوارا بنفسه لأنّ اختزاله أو تكثيفه في حوار محكوم بعدد من الكلمات يمضي به من كونه أداء نقديا ينتمي إلى البحث العلميّ إلى كونه نثارات من هذا البحث تضع القارئ على حافة المعرفة لا المعرفة نفسها.
* الأدب العماني له حضور متميز على الساحة العربية، وبات أكثر حضورا بعد وصول رواية جوخة الحارثي لجوائز عالمية وترجمت روايتها “سيدات القمر” لأكثر من لغة، وها هي رواية “دلشاد” لبشرى خلفان تفوز بجائزة كتارا منذ أيام، هل اطلعت على الأدب العماني وأعرف أنك قاربت تلك الأجواء منذ سنوات، حدثنا عنه لو تفضلت، بماذا يمتاز، وماذا يحتاج؟
– ربّما قلّة من الذين يعرفونني يعرفون أنني أقمت سنة ألفين وسبعة في سلطنة عمان وفي ولاية نزوى تحديدا بدعوة من جامعتها بصفة أستاذ زائر للدراسات العليا، وأنني قبل ذلك كنتُ أعرف عن الأدب العُماني الكثير، وأنني خلال إقامتي تلك عرفتُ الأكثر، وبين المعرفتين كان يتأكد لي أنّ ثمة أدبًا فارع القامة في ذلك الجزء من الجغرافية العربية، وأنّ هذا الأدب جدير بعدّه علامة في المدوّنة الإبداعية العربية على الرغم من أنّ الأغلب الأعمّ منه ظلّ أسير تلك الجغرافية التي ينتمي إليها ويصدر عنها، وهو ما يفسّر تأخره بالجهر بنفسه حتى كانت تلك الجوائز التي أشرت إليها.
قبل إقامتي في سلطنة عُمان وخلالها وبعدها عرفتُ الأدب العُماني من خلال ما كان يصلني إلى مدينتي حلب من نتاج بعض الأدباء، ومن خلال ما كنتُ أسعى إليه بنفسي في معارض الكتب العربية، وكنتُ كلّما قرأت المزيد من ذلك النتاج أستعيد قولًا لي في أحد مؤلفاتي هو أنّ غير قليل من الإبداع العربي لم ينل ما هو جدير به من الاحتفاء والتقدير لأسباب خارج إبداعية في مقدّمتها، وعلى رأسها، إمعان الخطاب النقدي العربي في تكريس المكرّس وتهميش المهمش، وفي استبداد أوهام المركزية الثقافية بهذا الخطاب، وفي التصفيق المجّاني لما هو غير جدير بذلك. قيمة الأدب العُماني وأهميته تكمنان، كما أرى، في وفائه الباهر للبيئة التي يصدر عنها، وهو ما تقوله روايتا جوخة وبشرى وسواهما أمثال ما أبدعته شيخة الفجرية وهدى حمد وبدرية الشحي، غير أن تلك القيمة وهذه الأهمية تتطلبان فضاء إعلاميا معنيا بالحقيقة الإبداعية لا بظلالها أو بما يحفّ بها.
* هل تساءلت يومًا، لماذا ولمن أكتب، ومن سيقرأ، وبما معناه هل فكرت أن تتوقف عن الكتابة لعدم الجدوى منها؟ وإذا لم تفكر بالتوقف فما الذي يغريك في الكتابة؟
– كتبتُ، وأكتبُ، لأنّ الكتابة بالنسبة إليّ ضرورة روحية، تحرّرني من أغلال الواقع المدجج بألف وجع ووجع، وتطلقني في أمداء خالبة من الطهر والصفاء والنقاء، وتمسك بيدي كما تفعل أمّ خوفًا من ضياع طفلها في زحمة سوق تغصّ بالأفّاقين واللصوص. كتبتُ، وأكتبُ، لأنني لا أعرف معنى لوجودي في الحياة في غياب فعل الكتابة، ولأنني لا أملك سواها حصنًا أحتمي به من طيش الواقع وجنونه ومحاولاته المحمومة ليكون كوكب الأرض أشبه بكرة محمولة على قرنيّ ثور هائج. كتبتُ، وأكتبُ، لمن لمّا يزل مؤمنًا بأنّ الحرف حضنٌ دافئ للعقل والروح، وقوّة رافعة لقيم الحقّ والخير والجمال، ولن أتوقف عن الكتابة على الرغم من الخسارات الباهظة التي تعرّضت الكتابة إليها بسبب تغوّل وسائل الاتصال الحديثة (فضائيات، إعلام إلكتروني، مواقع تواصل اجتماعي) في حياتنا اليومية، أمّا ما الذي يغريني في الكتابة، فهو الكتابة نفسها التي تمكّنتُ بوساطتها من تحقيق التوازن بيني وبين العالم حولي، ومن مواجهة ما يصخب في قلب الواقع من اختلاطات، بالمعنى الطبّي، أثخنته بآلاف القروح، وجعلته نهباً لذئاب في هيئات بشر، ولقوى أمعنتْ في تسليعها كلّ شيء، وفي شهواتها لالتهام الأخضر واليابس، ولتمكينها حقّ القوّة ضدّ قوّة الحقّ.
*وأنت تكتب هل تفكر في السعي إلى الجوائز مثلًا أو الوصول لأكبر نسبة من القراء، أو ترجمة ما تكتب للغات أخرى؟
– خلال مسيرتي الأدبية والنقدية حصدت عشرات الجوائز داخل وطني سوريا وعلى المستوى العربيّ، وكان من تلك الجوائز مجموعتي القصصية الأولى “مكابدات..”، وروايتي الأولى “جمر الموتى”، وكتابي النقدي الأول “تحوّلات الرمل”، ولم أكن وأنا أكتب تلك الأعمال أفكّر في أيّ جائزة، بل فيما يجب أن يكون أدبًا بالمعنى الحقّ للأدب، لا حكايات، ونقدًا بالمعنى الحقّ للنقد، لا إنشاء، وقد هيّأت تلك الجوائز لي بلوغ عدد كبير من القراء والنقّاد بآن، وأعطتني درسا شديد الأهمية في الحياة عامة، وفي الثقافة خاصة، هو أنّ الإخلاص في أيّ شأن يعني النجاح بالضرورة.
قبل نحو سنة تلقيت رسالة من مؤسسة ثقافية إيرانية كبرى تُعنى بالترجمة تتمنى فيها عليّ الموافقة على ترجمة روايتي “حبس الدم” إلى الفارسية، وبعد أن أنجز المترجم تلك الترجمة، رأت المؤسسة ترجمة الرواية إلى الإنجليزية والفرنسية أيضا، وتوزيع الترجمتين عالميا، الأمر الذي أسعدني بكل تأكيد، ومنحني مزيدا من اليقين بما كنت أؤمن به، وسأبقى، وأعني أنّ ما لا يأتي اليوم لا بد من أنه سيأتي غداً ما دام الحرث والزرع صحيحين.
* كم يعاني الكاتب كي ينشر كتابه، سواء مع دور النشر أو في التسويق، هل الكتابة مصدر رزق للكاتب، أم مجرد عمل شاق يمارسه لأنه يحبه؟
– صدرت مجموعتي القصصية الأولى عن أهم مؤسسة ثقافية عربية، هي الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة، وصدرت الثانية عن اتحاد الكتّاب العرب في دمشق، وصدر كتابي النقدي الأول عن دائرة الإعلام والثقافة في الشارقة، ومنذ ذلك الوقت اتخذت قرارا بدفع ما أكتب إلى مؤسسات ثقافية فحسب، وأنأى بنفسي عن دور النشر الخاصة ليقيني بأنّ ما أكتب سيلقى تقدير المؤسسات، ولأنني لستُ مستعدًا لدفع قرش واحد إلى أيّ دار نشر. وقبل نحو عشر سنوات تلقيت عروضًا من دور نشر سورية خاصة، فدفعت إليها بما كان منجزًا لديّ على أن يكون لي مبلغ متفق عليه منها، كما استقبلتْ دور نشر خاصة عربية بعض مؤلفاتي من دون أن تكلّفني شيئًا تقديرًا منها لما أكتب، وأستطيع أن أؤكد لك أنّ مجمل هذه الدور، السورية والعربية، تعامل معي بكثير من الرقيّ والتقدير، ولم يبخسني قلامة ظفر من حقوقي، وأخصّ بذلك اثنتين في سورية: دار دلمون الجديدة، ودار سويد، وواحدة خارج سورية هي الآن ناشرون وموزعون في الأردن. أمّا أنّ الكتابة مصدر رزق، فقد كانت بالنسبة إليّ كذلك، فأطعمتني خبزًا أحيانًا وعسلًا أحيانًا ثانية، وحملتْ عن كاهلي عبء الراتب الناحل الذي كنت أتقاضاه من عملي أستاذًا في الجامعة، وأحمد السماء أنني لم أكن من أولئك الذين وصفتهم العرب قديمًا: “لقد أدركته حرفة الأدب”.
