كتب- نوح بن ياسر المعمري –
يعد قطاع التعدين من القطاعات الحيوية التي يعول عليها الكثير في تحقيق التنويع الاقتصادي والتنمية المستدامة في السلطنة، فالبيئة الجغرافية وتنوع التضاريس جعلا السلطنة تتبوأ المراتب العليا في كمية استخراج المعادن النفيسة ذات المردود العلي في الأسواق. وحتى يتم النهوض بهذا القطاع الحيوي خلال الأعوام المقبلة أكد عدد من المختصين في قطاع التعدين لـ«عمان الاقتصادي» على أهمية تحديث الأنظمة والقوانين بحيث تحقق التسهيلات وتسرع من إجراءات استخراج التصاريح الخاصة بهذا القطاع، مع أهمية تطبيق آلية واضحة في احتساب الكميات المستغلة من قبل الشركات العاملة في قطاع التعدين، وذلك بإسناد بعض الخدمات إلى المكاتب الحسابية المتخصصة في مسح الكميات وتحديد الكميات المستغلة باستخدام التقنيات الحديثة التي تضمن للحكومة دفع الإتاوة الصحيحة، وليس الاعتماد فقط على فواتير المبيعات الصادرة من الشركات التعدين والمحاجر. موضحين بأن نسبة التعمين في القطاع ما زالت دون الطموح وذلك لقلة المخرجات التعليمية المتوافقة مع هذا القطاع الحيوي، كما أكدوا على ضرورة أن يقترن التعليم النظري بالتدريب العملي والتطبيق لانخراط الخريجين مباشرة في هذا القطاع.
تنويع مصادر الدخل
وقال زاهر بن محمد الكعبي رئيس لجنة التعدين بغرفة تجارة وصناعة عمان بأن قطاع التعدين والمحاجر يعتبر أحد القطاعات الاقتصادية الهامة التي يعول عليها لتنويع مصادر الدخل وتحقيق نمو الناتج المحلي الإجمالي وهذا ما تم التأكيد عليه من خلال برنامج تنفيذ وكذلك رؤية عمان 2040 ولتحقيق ذلك لابد بداية من تحديث الأنظمة والقوانين بحيث تكون هناك تسهيلات مثل تبسيط وتسريع إجراءات استخراج التصاريح الخاصة بهذا القطاع والإعفاء أو تخفيض الرسوم للمحاجر والكسارات خاصة المرتبطة بالتصدير وذلك تشجيعا لزيادة الصادرات وجلب العملات الأجنبية للاقتصاد الوطني، فضلا عن ذلك يقلل من تكاليف التصدير وبالتالي يزيد من قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية، بالإضافة إلى ضرورة تقديم حوافز كبيرة للاستثمار في هذا القطاع مع مراعاة وتوجيه الاستثمارات فيه للمصانع التي تحقق قيمة مضافة أكبر لهذا القطاع من خلال التصنيع ورفع القيمة المضافة وعدم الاكتفاء بمجرد التصدير لهذه الموارد كمواد خام فقط.
مشيرا الكعبي بأنه يجب الأخذ بعين الاعتبار الاستفادة من هذه الثروة بصورة مستدامة لخدمة الأجيال الحالية والمستقبلية بالإضافة إلى عدم الإضرار بالبيئة وتحديد دور الشركات والمستثمرين في تنمية وتطوير البيئة المحيطة بمواقع التعدين والمحاجر، ولذا نرى بأن يكون هناك قانون خاص للاستثمار في قطاع التعدين والمحاجر مبني على التسهيل في الإجراءات وتوجيه الاستثمارات حسب الخطط والبرامج المعتمدة في رؤية عمان 2040 لتحقيق التكامل بين قطاع التعدين والمحاجر والقطاعات الأخرى المستهدفة وذات الأولوية وفي مقدمتها قطاع الصناعة مع ضرورة الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة في هذا المجال.
وأضاف زاهر الكعبي رئيس لجنة التعدين ورئيس مجلس إدارة فرع الغرفة بمحافظة البريمي بأن قطاع التعدين أحد القطاعات التي يعتمد عليها في تحقيق التنويع الاقتصادي وصولا للتنمية المستدامة وحاليا يحقق هذا القطاع مردودا اقتصاديا جيدا للعديد من الأسر المحلية في مختلف محافظات السلطنة من خلال تأسيس الشركات الأهلية والتي يعمل العديد منها في مجال التعدين والمحاجر، لذا فإن الشراكة بين الشركات المحلية والاستثمارات الأجنبية والتي يعول عليها لنقل التكنولوجيا والمعرفة والخبرات العملية في هذا القطاع ستكون عاملا مساعدا على زيادة هذه الإيرادات بالإضافة إلى تطوير القطاع وقيام صناعات مكملة ترفع من القيمة المضافة للمواد الخام وتنتج سلعا مصنعة تمثل مساهمة إضافية في الاقتصاد الوطني من خلال رفع حجم الصادرات وقيمتها من هذا القطاع. وحول نسبة التعمين في القطاع وكيف يمكن أن يساهم في فتح تخصصات دراسية جديدة وتوظيف الباحثين عن العمل، أشار رئيس اللجنة التعدين بالغرفة بأنه نظرا لطبيعة العمل في القطاع بالإضافة إلى عدم توفر مخرجات تتناسب مع المطلوب من قبل الشركات العاملة في مجالات التعدين والمحاجر فإن نسبة التعمين فيه مازالت دون الطموح ونرى بأنه لابد من أن يكون هناك عمل في خطين متوازيين؛ الأول يهتم بتطوير القطاع وتوسيع الاستثمار فيه بما يحقق الأهداف المرجوة، والثاني العمل ضمن خطة واضحة وبالتنسيق مع الشركات العاملة في القطاع بالإضافة إلى مؤسسات التعليم العالي من جامعات وكليات لتعليم وتأهيل كوادر محلية قادرة وراغبة بالعمل في هذا المجال مع ضرورة ربط برامج التعليم النظري ببرامج عملية وتطبيقية تعزز قدرات الطلاب وتجعلهم مستعدين للعمل الميداني في أسرع وقت ممكن.
ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي
وأشار الكعبي إلى أهمية استخدام نماذج ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي وطائرات الدرون في مراحل التنقيب والاستكشاف، فإن إدخال التكنولوجيا المتقدمة خاصة الذكاء الصناعي والذي يعتبر محور الثورة الصناعية الرابعة في مختلف الأنشطة الاقتصادية يعتبر عاملا مهما لتطوير هذه الأنشطة والقطاعات، ونرى أن هذا المجال منطلق مناسب لإعطاء الفرصة لشركات ومؤسسات رواد الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة بالسلطنة بالتعاون مع الشركات العاملة في قطاع التعدين والمحاجر بحيث يتم استحداث وتطوير أنظمة تتناسب مع طبيعة عملها.
مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار ارتفاع التكاليف الحالية لمثل هذه التكنولوجيا وبالتالي يمكن تطويرها في الوقت الحالي على بعض مجالات التعدين الكبيرة مثل النحاس أو المعادن النفسية مثل الذهب، أما مجالات التعدين الأخرى فلا نرى مناسبة مثل هذه التكنولوجيا لها خاصة في الوقت الحالي. موضحا في حديثه بأن يمكن للشركات الكبيرة في قطاع التعدين تنشيط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال التكامل والتعاون معها وذلك بتوقيع العقود معها للقيام بالأعمال الفرعية لها والتي تعد مكملة لأعمالها مثل النقل وتوفير الخدمات والأدوات والمعدات وغيرها من الأعمال المتاحة والتي تحتاجها بحيث يكون تركيز إدارة الشركات العاملة في مجال التعدين والمحاجر على نشاطها الأساسي وتوجه مواردها لزيادة وتطوير قدراتها الإنتاجية والتصنيعية للمعادن والمنتجات التي تستخرجها، بالإضافة إلى أن بعض المحاجر ومواقع التعدين البسيطة يمكن أن تخصص للمؤسسات والشركات الصغيرة من خلال الشَرَاكات المحلية في المحافظات مع ضرورة تقديم التسهيلات لهذه المؤسسات وتوفير حزمة من الحوافز المشجعة.
احتساب الكميات
وتحدث المهندس علي بن عبدالله الزدجالي عضو لجنة التعدين بغرفة تجارة وصناعة عمان الرئيس التنفيذي لشركة محاجر الدقم: حول أهمية تطبيق آلية واضحة في احتساب الكميات المستغلة من قبل الشركات العاملة في قطاع التعدين ويأتي هذا من خلال إسناد بعض هذه الخدمات إلى المكاتب الحسابية المتخصصة في مسح الكميات وتحديد الكميات المستغلة باستخدام التقنيات الحديثة التي تضمن للحكومة دفع الإتاوة الصحيحة وليس الاعتماد فقط على فواتير المبيعات الصادرة من شركات التعدين والمحاجر، موضحا بأن المكاتب الحسابية يمكنها أن تخلق وظائف جديدة للشباب العماني كما أن هناك العديد من الفرص لأصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة في أنشطة التعدين في تأجير المعدات والآليات المستخدمة في عمليات التشغيل والتحجير والتي تدار بكوادر عمانية يمكن تأهيلها على أفضل أساليب التشغيل والتحجير، مضيفا في حديثه بأن الإتاوة التي تأخذ من فواتير الشركات تحتاج إلى نظام حسابي دقيق معتمد من الجهات، وهنا يأتي أيضا دور الجهات في إيجاد فرص عمل للمكاتب المتخصصة في مسح الكميات ونأمل من الجهات ذات العلاقة تبني هذا المقترح الذي سوف يخفف العبء على المختصين بوزارة الطاقة والمعادن في مسألة تحديد الكميات المستغلة ومقارنتها بقيمة المبيعات التي تسلم من الشركات.
وأضاف بأن هذه المعادن والمواد الخام التي تستخدم هي ثروة للوطن ويجب استغلالها الاستغلال الأمثل من خلال تعزيز القيمة المضافة لتلك المعادن من خلال إقامة صناعات تعديلية مرتبطة بالمعادن المتوفرة لرفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي. وأوضح الزدجالي في حديثه بأن شركة محاجر الدقم استطاعت أن ترفع نسبة التعمين إلى أكثر من ٦٠٪ كما أنها تدعم أكثر من ٣٠ مؤسسة صغيرة ومتوسطة في الأعمال المرتبطة بالشركة وعليه تم تقديم أكثر من مليون ريال عماني كعقود لهذه الشركات.
تصحيح عملية الحساب
من جانبه تحدث ناصر الجابري عضو لجنة التعدين بغرفة تجارة وصناعة عمان بأن مساهمة قطاع التعدين والمحاجر في الناتج المحلي حاليا لا تحسب بشكل صحيح. ولذلك يجب تصحيح عملية الحساب قبل التفكير في كيفية زيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي. مشيرا بأنه تم التواصل مع المسؤولين عن القطاع من أجل العمل والتعاون لتصحيح تعاريف القطاع ولكن لم نجد تجاوبا من الجهات المختصة. مشيرا الجابري بأنهم في انتظار قانون الثروة المعدنية و لائحة القانون لتنظيم القطاع بشكل أكبر وليساهم في الناتج المحلي. مضيفا بأن القطاع حاليا غير جاذب للقوى العاملة الوطنية لعدم وجود مظلة أمان لاستمرارية المشاريع التعدينية. وحول أهمية استخدام نماذج ثلاثية الأبعاد والذكاء الاصطناعي وطائرات الدرون في مراحل التنقيب والاستكشاف، قال الجابري: الطائرات تقوم بكثير من المهام حاليا في قطاع التعدين: كعمل صور شاملة لحركة المعدات داخل المحجر، وعمل نموذج ثلاثي الأبعاد لخطط تطوير المحجر و فتح الطرق فيه و كيفية الوصول للطبقات الجيولوجية المستهدفة. كما تسهل الطائرات عمل خرائط طوبوغرافية في وقت استثنائي.
متطرقا في حديثه حول نصيب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في قطاع التعدين، حيث إن المحاجر توجد في مناطق جغرافية بعيدة عن المدن فتعتمد كاملا على المؤسسات المتوسطة و الصغيرة، فهي تعمل بنسبة ما يقارب ٨٧٪ في النقل البري. كما أن المؤسسات تشتغل في إيجار الآليات وشركات قطع الغيار، وشركات زيوت المحركات وغيرها من الأنشطة.
التقديرات
حيث إن التقديرات تشير إلى أن قطاع التعدين سيساهم بـ 779 مليون دولار أمريكي في الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030، حسب ما هو منشور في موقع استثمر في عمان، كما أشار بأنه تم توظيف 50 ألف شخص في قطاع التعدين والمحاجر العماني في عام 2019، وتم تحديد 110 مناطق تعدين في جميع أنحاء السلطنة. كما تم العثور على الذهب والجابرو والحجر الجيري أيضًا في هذه المنطقة. وبالإضافة إلى الحجر الجيري، تشتهر ظفار بالجبس بإجمالي احتياطيات تقدر بنحو 170 مليون طن متري. وفي الوقت نفسه، تمتلك الدقم في وسط عمان احتياطيات من المعادن الصناعية والملح.

