سلطنة عمان نحو التحول من الاستهلاك إلى الإنتاج
جهود حثيثة لتشجيع الاستثمارات وتسريع وتسهيل التراخيص –
ارتفاع صادرات الأغذية والمشروبات والحيوانات الحية ومنتجاتها بنهاية أغسطس إلى نحو 135 مليون ريال –
توجه نحو التوسع في المصانع المتخصصة في تعليب الأسماك والاستزراع السمكي –
ارتفاع الاكتفاء الذاتي من الحليب ومنتجاته إلى 90% بعد دخول شركة مزون واستثمارات أخرى من القطاعين العام والخاص –
يحتل ملف الأمن الغذائي في سلطنة عمان اهتماما كبيرا لتعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع وزيادة حجم الإنتاج ورفع معدلات الاكتفاء الذاتي من المنتجات الزراعية والحيوانية والسمكية عبر مشروعات استراتيجية مهمة تندرج ضمن المنظومة الوطنية لدعم جهود التنويع الاقتصادي، وتعتمد كثير من مشروعات الغذاء على أحدث التقنيات المتطورة والذكية لرفع الجودة وزيادة حجم الإنتاج المحلي بما يلبي متطلبات المستهلك المحلي ويفتح في الوقت ذاته أبواب تصدير المنتج العماني إلى مختلف الأسواق العالمية والإقليمية مدعوما بمعايير عالمية قوية لجودة الإنتاج.
ويشهد العمل في هذا الملف تقدما كبيرا في إطار مستهدفات الرؤية المستقبلية حيث تسعى استراتيجية الأمن الغذائي لتحويل سلطنة عمان من دولة مستهلكة إلى دولة منتجة للغذاء مع التركيز في الوقت ذاته على تشجيع الصناعات الغذائية لتحقيق أهداف متعددة منها رفد السوق المحلي باحتياجاته من الغذاء وزيادة تواجد المنتج العماني في الأسواق الخارجية وتوفير فرص العمل وزيادة القيمة المضافة للموارد المحلية ورفع مساهمة صناعة الأغذية في الناتج المحلي الإجمالي وكذلك في الصادرات غير النفطية.
وتشير الإحصائيات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى ارتفاع حجم صادرات سلطنة عمان خلال هذا العام من منتجات صناعة الأغذية والمشروبات والحيوانات الحية والمنتجات الحيوانية، وبنهاية أغسطس الماضي سجل حجم هذه الصادرات 135 مليون ريال عماني مقارنة مع 130 مليون ريال عماني بنهاية أغسطس من العام الماضي الذي سجل إجمالي صادرات غذائية يقترب من 200 مليون ريال عماني وتمثل منتجات صناعة الأغذية والمشروبات الجانب الأكبر من هذه الصادرات، كما ارتفع إنتاج سلطنة عمان من الثروة السمكية بنسبة 137 بالمائة، وتتوجه سلطنة عمان حاليا نحو التصنيع والتوسع في المصانع المتخصصة في تعليب الأسماك والاستزراع السمكي والروبيان وغيرها، ويصل عدد المصانع حاليا إلى نحو 90 مصنعا منها 64 تطبق معايير الجودة وتستطيع تصدير منتجاتها إلى الأسواق الخليجية والأوروبية والآسيوية وفق ما أعلنته وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، كما تستعد صناعة الأسماك لنقلة جديدة خلال الفترة المقبلة مع بدء العمليات الإنشائية هذا العام في مجمع تعليب المأكولات البحرية والمتوقع افتتاحه في الربع الأول من عام 2024 بتكلفة نحو 14 مليون ريال عماني، وسيقام المجمع في منطقة الصناعات السمكية المخصصة بالمنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم بمحافظة الوسطى والقريبة من ميناء الصيد البحري، وقد تم تصميمه وفق أحدث مواصفات ومقاييس الجودة والسلامة الغذائية العالمية وبطاقة إنتاجية ستبلغ 30 ألف طن سنويا قابلة للتوسعة المستقبلية.
وخلال الفترة الأخيرة بدأ جهاز الاستثمار العُماني في الافتتاح المتوالي لـ10 مشروعات وطنية جديدة بقيمة تتجاوز 750 مليون ريال عماني وتتوزع جغرافيا في عدد من المحافظات، وتتنوع في القطاعات وتم إقامة المشروعات عبر الشركات التابعة للجهاز وبالشراكة مع شركات محلية وخارجية، وتتضمن هذه المشروعات اثنين من أهم مشروعات الأمن الغذائي هما مشروع مزرعة الخليج الدولية للدواجن الواقعة في منطقة السبيخي بولاية عبري في محافظة الظاهرة الذي تم افتتاحه بشراكة بين الشركة العُمانية للاستثمار الغذائي القابضة (نتاج) التابعة للجهاز مع صندوق الخليجي الياباني للغذاء، وشركة “وايس فوودز” اليابانية وشركة ايفكو، ويعد من أكبر مزارع البيض في منطقة دول مجلس التعاون، أما المشروع الثاني فهو صوامع تخزين الحبوب بميناء صحار الصناعي بكلفة 21 مليون ريال عُماني ويدعم استراتيجية الأمن الغذائي في سلطنة عُمان، وتبلغ طاقته التخزينية 160 ألف ويتيح تخزين الغلال في موقع استراتيجي في ميناء صحار لفترة تتراوح بين 6 أشهر وعام مما يساهم في دعم جهود الأمن الغذائي وتأمين الاحتياطي الغذائي من السلع الاستراتيجية، ويأتي هذا المشروع ضمن التوسع في الاستثمار بصوامع القمح في كل من محافظة مسقط ومحافظة ظفار كما يوجد حاليا 48 مخزنا غذائيا في مختلف محافظات سلطنة عُمان.
وينضم مشروعا الخليج للدواجن وصوامع التخزين في صحار لحزمة مشروعات استراتيجية دخلت حيز الإنتاج خلال السنوات الأخيرة منها مزون للألبان الذي ثبّت أقدامه جيدا في السوق المحلي والخارجي حيث توزع منتجات الشركة في نحو 15 دولة وتبلغ طاقته الإنتاجية مليون لتر يوميا ويتم تصنيع 15 ألف عبوة في الساعة، وارتفعت نسبة الاكتفاء الذاتي من الحليب ومنتجاته إلى 90 بالمائة بعد دخول شركة مزون واستثمارات أخرى من القطاعين العام والخاص لقطاع إنتاح الحليب ومشتقاته.
كما نجحت سلطنة عمان في رفع معدلات الاكتفاء الذاتي في عدد من المنتجات تتصدرها التمور وحققت سلطنة عُمان نسبة 100 بالمائة من الاكتفاء الذاتي في مجال التمور نتيجة الإقبال الكبير من قبل الشباب العُماني على العمل في هذا المجال، إضافة إلى استثمارات جهاز الاستثمار العُماني ممثلًا بشركة تنمية تمور عُمان، ومن المتوقع أن يتم افتتاح مصنع التمور في ولاية نزوى بداية العام القادم الذي سيرفد السوق بـ 8 منتجات من أنواع التمور، ويتواصل العمل في الوقت ذاته في مشروع المليون نخلة الذي يستهدف استثمار وتوظيف الميزات التنافسية لسلطنة عمان، والاستثمار الأمثل للموارد الطبيعية وحماية البيئة العمانية المتفردة، وتم زراعة نحو نصف مليون نخلة حتى الآن في 11 مزرعة في سلطنة عمان وإحدى هذه المزارع من بين أكبر المزارع العضوية في العالم.
ووفق وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي في قطاع الفواكه نحو 25 بالمائة والخضروات 26 بالمائة، والدواجن 60 بالمائة، كما تشهد المشروعات السمكية تقدما من خلال تعزيز أنشطة الصيد التجاري والتوسع في الاستزراع، ويجري العمل في 21 مشروعا استثماريا بكلفة 13 مليون ريال عماني في القطاعات النباتية والحيوانية والسمكية، وفي ظل الجهود الحثيثة لتشجيع الاستثمار الغذائي وتسريع وتسهيل التراخيص، من المتوقع أن يرتفع حجم ومساهمة مشروعات الأمن الغذائي ارتفاعا كبيرا خلال الفترة المقبلة بما يضمن تحولا فعليا من نمط استهلاك الغذاء إلى الإنتاج لتلبية الاحتياج المحلي والتصدير.
وأدت عديد من المتغيرات المناخية التي شهدها العالم إلى وضع الأمن الغذائي ضمن أهم الأولويات التي تتصدر الاهتمام، كما مثل تفشي جائحة كورونا مرحلة جديدة في تعامل الدول مع ملف الأمن الغذائي نظرا لما صاحب الجائحة من تعثر في مختلف سلاسل الإمدادات في حركة التجارة العالمية بما في ذلك قلة تدفق ووفرة السلع الغذائية، وجاءت الحرب الأوكرانية منذ بداية هذا العام لتضع مزيدا من الضغوط على ملف الأمن الغذائي في العالم خاصة ما شهده العالم من نقص وارتفاع في أسعار الحبوب التي تعد من أهم المنتجات والصادرات سواء في روسيا أو أوكرانيا.
