بعد أن فرغتُ من ذكر الخلفية والحيثيَّات التي اجتهدتُ أنه من الضروري معرفتها والإحاطة بها عن الفيلم في الحلقتين السابقتين، أود أن أتقدم الآن إلى محاججتي الصغيرة. محاججتي هي أن الفيلم في مفاوضته للتاريخ والهويَّة يدعونا بكل عناصره لقراءته باعتباره ألِغوريا وطنيَّة (national allegory) ما بعد ماويَّة (نسبة إلى «الزعيم» ماو تسي تونغ)، وذلك بالمعنى الذي أراده «فردرِك جِيمسُن». لكن هناك — وليس في هذا السياق بالضبط — صعوبة كبيرة في التسليم بكل ما يقوله جِيمسُن بجوهرانيَّة مفرطة على الرغم من ماركسيَّته (أو ربما بسبب من تلك الماركسيَّة تحديدًا): «كل نصوص العالم الثالث هي بالضرورة… أليغوريات وطنيَّة، حتى عندما، أو ربما على وجه التحديد، عندما تتطور أشكالها خارج آليات التمثيل [representation] الغربيَّة السائدة» (1). لقد أدى هذا الجزم التوكيدي إلى حدوث بلبلة وجدل خاصة لدى بعض مفكري ونقاد العالم الثالث، كما في حالة «إعجاز أحمد» (القادم من شبه القارة الهندية – باكستان تحديدًا — للتدريس في الأكاديميا الغربية)، والذي ردَّ على أطروحة جِيمسُن في السجال المعروف بينهما (2).
لكن، ومع أن فرضية جِيمسُن تعميميَّة وكاسحة، ومع أن أحمد قد فنَّدها، إلا أن فيلم «الأرض الصفراء»، بوصفه سردًا معينًا للوطنيِّ، يستجيب لتلك الفرضيَّة بصورة أنيقة ورشيقة للغاية، فالسياق التاريخي، والثقافي، والسياسي للفيلم يؤهله للنظر إليه بوصفه ألِغوريا وطنيَّة، وذلك على الرغم من أنه (وهذا مناقض لأطروحة جِيمسُن) ليست كل نصوص العالم الثالث هي بالضرورة إلِغوريات وطنيَّة بتلك الطريقة الاختزاليَّة. إن فيلم «الأرض الصفراء» ألِغوريا لأن سرده يتقاطع بعمق مع مفهوم جِيمسُن ما بعد الحداثي فيما نجده في أي مصدر أكاديمي عام ومُعتَبَر: «صورة لديها في الأقل معنيان مميَّزان، أحدهما مخفيٌّ جزئيًا بالمعنى المرئي أو الحرفي» (3).
وفي هذا الإطار فإن الشخصيات وما تسميه «إستَر سي إم ياو» Esther C. M. Yau «الجدائل السرديَّة» في دراستها للفيلم والتي كثيرًا ما تُقتبَس تتمرأى، بالنسبة لي، بوصفها «مجافن/ ذريعة سرديَّة» (McGuffin) (4).
وبالفعل فإنها تعمل بوصفها حجَّة سردية تقدَّم الفعل (action) ولكنها تفقد أهميتها بالتدرج عبر جعل الراوي والشخصيَّة، أي الأرض الصفراء وصورها، يتبوّآن مركز الصدارة حرفيًّا ومجازًا. وحقَّا فإن العديد من الباحثين قد درسوا بالتفصيل الموقع الراجح الذي تحتله الصور في فيلم «الأرض الصفراء» بطريقةٍ إيثاريَّة، فها هي ناي جن Ni Zhen، على سبيل المثال لا الحصر، تقول إنه «في الحقيقة فإن الفيلم يستخدم القصة بوصفها مدخلًا فحسب، بينما يتم التوكيد على التأملات التاريخيَّة»، وأن الصورة، في حالة هذا الفيلم، «أكثر أهمية من الحبكة فيما يخص المعنى» (5). والحقيقة هي أننا نرى الشخصيات عبر الفيلم وهي تنبثق – صعودًا أو هبوطًا، وبالمعنى الحرفي هذه المرة – من الأرض التي لا تتبدى بوصفها مجرد خلفية للقصة، بل إنها القصة نفسها.
هذا وبينما الشيفرة الثقافيَّة (cultural code) لعنوان الفيلم، والذي توصل إليه المخرِج في أثناء تصوير الفيلم، من السهل فكَّها من قِبل الجمهور الصيني بوصفه – أي العنوان – دالًا على الهوية الوطنية، فإن المُشاهد غير الصيني قد لا يكون متأهبًا للإحاطة بالمرجعيَّة التاريخيَّة منذ الوهلة الأولى، وذلك لأنه، في السرد التاريخي الصيني، ينحدر الصينيون من الإمبراطور الأصفر الذي كان مهده ومنشأه النهر الأصفر. وبينما كان تعبير «ذوي البَشْرَة الصفراء»، الذي يستخدمه الأجانب للإشارة إلى الصينيين، يعتبر تحقيريًّا وازدرائيًّا فإن الصينيين أنفسهم قد تبنوا المصطلح واستعملوه (مع تنويعات عليه مثل «العِرق الأصفر») تطويعيًّا لصالحهم باعتبار أن ذلك توصيف ذاتيٌّ محايدٌ وذلك بحلول منتصف القرن العشرين. ولهذا فإن فيلم «الأرض الصفراء» بتجذره في السرد التاريخي للأمَّة بوصفها صورًا يمثِّل ألِغوريا وطنية (أو ألِغوريا للوطني) بأفضل معنى ممكن للمصطلح. وحقَّا فإن حبكة الفيلم مهمة فقط بقدر ما هي قادرة على أن تكون مركبة لسرد القصة وتسريد الأرض. والقصة في تلخيصها للماضي والحاضر كليهما تذهب إلى ما هو أبعد من الملحمة التاريخيَّة أو الحادثة الملحميَّة المحدَّدة (episode) التي تبدو معنيَّة بها على السطح الخارجي. بهذا المعنى فإن الأرض نفسها تصبح السارد. وكي أوضح ذلك دعوني أتأمل المثال التالي.
إن حبكة الفيلم متمركزة حول الغناء. والحقيقة هي إن جمع الأغاني الفلاحيَّة هو سبب «وجود» الفيلم إذا ما جاز القول، وعلى وجه العموم فالمعتَبَر من المفروغ منه أن الصبيَّة هي من تغنِّي طوال الفيلم. لكني أعتقد أن مما يستحق التذكُّر والتفكُّر أن الجندي، في بداية إقامته المؤقتة لدى العائلة الريفية، يسأل الأب وابنته بصورة محدَّدة عما إذا كان في مقدورهما الغناء. والحقيقة أن أيًّا منهما لا يجيب عن السؤال. وإني أرى أن هذا الالتباس المبدئي يقودنا إلى التباس آخر، فغناء الصبيَّة، والذي ترافقه الموسيقى، يأتي دومًا من مصدر خارج الشاشة (off screen) حين يكون موقع الصبيَّة هو خضم الأرض (يحدث الاستثناء الوحيد عندما تغني الصبية، من دون مرافقة موسيقية، في حدود البيت وضمن نطاقه، وليس في الفضاء الطبيعي المفتوح خارج البيت). وسيكون لهذا النقاش مواصلة في الأسبوع القادم.
—————————————–
(1): Fredric Jameson, “Third World Literature in the Era of Multinational Capitalism,” Social Text, no. 15 (Fall, 1986), 69,
التوكيد أصلي.
انظر(2):
Aijaz Ahmed, “Jameson’s Rhetoric of Otherness and the “National Allegory,”” Social Text, no. 17 (Fall, 1987), 3—27.
(3): Joseph Childers and Gary Hentzi, eds., The Columbia Dictionary of Modern Literary and Cultural Criticism (New York, Columbia University Press, 1995), 8.
(4): Esther C. M. Yau, “Yellow Earth: Western Analysis and non-Western Text, “reprinted in Brian Henderson and Ann Martin, eds., Film Quarterly: Forty Years, A Selection (Berkeley: University of California Press, 19990, 92-111.
(5): Ni Zhen, “After Yellow Earth,” in George S. Semsel, Chen Xihe and Xia Hong, eds., Film in Contemporary China: Critical Debates, 1979-1989 (Westport, Praeger, 1993), 32, 33.

