تُعد عملية تعيين الخبراء في الدعاوى القضائية وسيلة مهمة لحسم النزاعات التي تتطلب معرفة فنية متخصصة لا تتوافر لدى القاضي، مثل المسائل المحاسبية والهندسية والطبية، ومع ذلك، فإن طلبات الخصوم بتعيين خبراء قد تكون أحياناً ذات طابع كيدي أو تهدف إلى إطالة أمد التقاضي دون ضرورة قانونية أو فنية، ولذلك، منح القانون الكويتي لمحكمة الموضوع سلطة تقديرية واسعة في قبول أو رفض تلك الطلبات، حيث لا يكون تعيين الخبراء إلزامياً إلا إذا كانت المسألة تتطلب فحصاً فنياً دقيقاً يتجاوز قدرات القاضي.
ويأتي هذا التنظيم في إطار الحرص على تحقيق التوازن بين توفير الخبرة اللازمة للفصل في النزاعات من جهة، ومواجهة محاولات التعطيل والإضرار بمصالح الخصوم من جهة أخرى، بما يضمن تسريع إجراءات التقاضي وحفظ حقوق الأطراف.
كما أن تعيين الخبير العدل يعد إجراءً قانونياً ضرورياً في القضايا التي تتطلب فهماً عميقاً للمسائل الفنية المتخصصة، خصوصاً تلك التي قد تعجز المحكمة عن تقييمها بدقة، وفي الحالة التي تكون فيها المسألة الحسابية واضحة، مثل وجود توافق بين الأطراف المتنازعة أو عدم الاعتراض على العمليات الحسابية أثناء التعاملات، أو عندما تكون القيود المحاسبية بسيطة وذات عدد قليل يسهل فهمه، فإن المحكمة ليست ملزمة بتعيين خبير، حيث إن تقديم الكشوفات المالية التي تتسم بالوضوح لا يحتاج إلى فحص دقيق، وبالتالي تظل القضية ضمن نطاق السلطة التقديرية للمحكمة.
وفقاً لما نصت عليه المادة (55) من قانون الإثبات الكويتي، فإن “الخبرة تكون في المسائل الفنية التي يعجز القاضي عن تقديرها أو معرفة تفاصيلها”، وبالتالي، إذا ثبت للمحكمة أن النزاع حول الأرقام الحسابية سهل الفهم ولا يستلزم تحليلاً متعمقاً، فإنها تملك سلطة رفض طلب الطاعن بتكليف محاسب قانوني لفحص الحسابات، كما ورد في الحكم الصادر عن الدائرة التجارية بالمحكمة العليا في جلستها المنعقدة بتاريخ 9-1-2016، حيث قضى بأن المحكمة لم تخطئ في رفض طلب الطاعن للاعتماد على خبير محاسب قانوني، إذ كانت التفاصيل واضحة ولم تتطلب تدخلاً فنياً معقداً.
في ضوء هذا الحكم، يتضح أن أهمية تقدير المسائل الفنية ترجع إلى قضاة الموضوع، الذين يقدرون ما إذا كانت الحاجة للخبرة ضرورية أو لا، لذا، فإن قبول طلب الاستعانة بخبير يعتمد على تعقيد القضية ومدى الحاجة إلى فهم فني، وليس مجرد رغبة أحد الأطراف في تعيين خبير.
فيما يتعلق بحالات وضوح الحساب التي لا تستدعي تعيين خبير محاسب، فإن الحكم محل التعليق قرر أنه إذا كان الحساب واضحاً بما يسمح للقاضي بفهم المسألة دون حاجة إلى الاستعانة بخبير، فلا يلزم المحكمة الاستجابة لطلب تعيين محاسب قانوني، وفقاً لأحكام القانون الكويتي، وتحديداً المادة 165 من قانون الإثبات، فإن المحكمة تلجأ إلى تعيين خبير فقط في المسائل الفنية الدقيقة مثل الطب والهندسة والحسابات المعقدة التي يتعذر على القاضي الإلمام بتفاصيلها الفنية، هذه المادة توضح أن الخبرة تعتمد على وجود مسألة فنية دقيقة، أما في الحالات التي يكون فيها الحساب واضحًا، فلا حاجة لتعيين خبير.
وهناك عدة حالات تدل على وضوح الحساب أمام المحكمة، ومنها:
أولاً، قلة عدد القيود المحاسبية: عندما تكون القيود المحاسبية محل النزاع قليلة العدد، يمكن للقاضي بيسر مراجعتها والتأكد من دقتها بناءً على المستندات المقدمة، خاصةً إذا كانت التعاملات بين الخصوم محدودة.
ثانياً، إقرار الخصوم أو مصادقتهم على الحساب: إذا أقر الأطراف المتنازعون بصحة القيود المحاسبية، فالحساب يعتبر واضحًا ولا يتطلب تعيين خبير. وحتى في الحالات التي يتم فيها التصادق على بعض القيود فقط، فإن المحكمة تنظر فقط في القيود التي لم تتم المصادقة عليها، وإذا كانت هذه القيود قليلة وواضحة فإن تعيين الخبير ليس ضروريًا.
ثالثاً، لسجلات معقدة أو مستندات داعمة، مما يسهل على القاضي الفصل فيها دون الحاجة إلى خبير محاسبي.
رابعاً، عدم اعتراض الخصم على كشف الحساب: إذا ثبت أن أحد الخصوم قد اطلع على كشف الحساب ولم يعترض على القيود الواردة فيه في وقت سابق، فإن هذا يعد إقرارًا ضمنيًا بصحتها، وبالتالي لا حاجة لتعيين خبير لإعادة النظر فيها.
بالتالي، لا تُلزم المحكمة بتعيين خبير إذا كانت المسائل المحاسبية بسيطة وواضحة، مما يسمح للقاضي بإصدار حكمه بناءً على المستندات والوقائع المقدمة.
وتخضع مسألة تعيين الخبراء إلى السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع وفقًا للقانون الكويتي، حيث يتعين على المحكمة أن توازن بين طلبات الخصوم واحتياجات القضية. في هذا الإطار، لا يُلزم القانون المحكمة بالإستجابة لجميع الطلبات بتعيين خبراء، بل لها حرية تقدير ما إذا كانت المسألة تتطلب خبرة فنية دقيقة. يعتبر تعيين الخبير وسيلة لمواجهة الطلبات الكيدية التي قد يلجأ إليها بعض الخصوم في محاولاتهم لتمديد إجراءات التقاضي، مما قد يعرقل سير العدالة ويؤثر سلبًا على حقوق الأطراف.
غالباً ما يقوم الخصوم بطلب تعيين خبراء في مسائل ليست معقدة أو دقيقة، مما يؤدي إلى إطالة أمد التقاضي واحتجاز الحقوق، فإجراءات تعيين الخبراء تشمل عمليات اختيار قد تُثير النزاع، حيث يتمثل التحدي في اختيار الخبراء المناسبين، وعندما يتقدم الخبير بتقريره الأولي، تبدأ مرحلة جديدة من الجدل والاعتراضات، مما يزيد من تعقيد الإجراءات.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يختلف الخبراء في آرائهم ونتائج أعمالهم، مما قد يستدعي تدخل القاضي لاختيار خبير مرجح أو إعادة تقييم المهمة، لإدارة هذه العملية بشكل أكثر فعالية، يميل القضاة في بعض الحالات إلى تحديد أوجه الخلاف بدقة، فعلى سبيل المثال، في النزاعات المتعلقة بالحسابات، يُمكن للقاضي أن يُطلب من الخصم تحديد القيود المحاسبية المتنازع عليها، مما يتيح للخبير دراسة تلك النقاط فقط بدلاً من استعراض كل القيود المحاسبية، وبالتالي تقليل فرص الإساءة إلى العملية القانونية.
من المهم أن يتخذ القضاة خطوات فعّالة لمواجهة الطلبات الكيدية، مثل تحديد المهمة بوضوح وتقييد نطاق عمل الخبراء لتقليل الجدل والتعقيد، هذا يعكس حرص النظام القانوني على تسريع إجراءات التقاضي وضمان تحقيق العدالة بشكل فعّال.
وفي ختام هذا الموضوع، يتبين أن تعيين الخبراء في الدعاوى القضائية يمثل أداة حيوية لحسم النزاعات الفنية المعقدة، إلا أن استخدام هذه الأداة يجب أن يكون مدروساً ومنظماً، فمن المهم أن تتبنى محكمة الموضوع نهجاً متوازناً في تقدير طلبات تعيين الخبراء، حيث يتعين عليها أن تميز بين المسائل التي تتطلب خبرة فنية حقيقية وتلك التي يمكن للقاضي التعامل معها دون الحاجة إلى تدخل خارجي.
بالتالي، إن حماية حقوق الأطراف وسرعة إجراءات التقاضي تعد من الأهداف الأساسية التي يسعى إليها القانون الكويتي، لذا، يجب على المحاكم أن تكون يقظة إزاء الطلبات الكيدية التي تهدف إلى إطالة أمد التقاضي، وأن تعمل على حصر مهمات الخبراء في المسائل المحددة بوضوح، هذا التوجه يسهم في تعزيز فعالية النظام القضائي ويضمن تحقيق العدالة بطريقة أكثر كفاءة وفاعلية.
عبد العزيز بن بدر القطان/ مستشار قانوني – الكويت.


