في ظل الأزمات المتفاقمة التي تعصف بالشرق الأوسط، يظل كل من لبنان وقطاع غزة في قلب الصراع الإقليمي، حيث يعاني الشعبان من تداعيات النزاعات المستمرة والضغوط السياسية والاقتصادية، حيث تتجلى التوترات بين القوى الإقليمية، ومع تزايد الأنشطة العسكرية لبعض الفاعلين غير الحكوميين، يصبح من الواضح أن الأمل في السلام والاستقرار في المنطقة لا يزال بعيد المنال.
وبينما تسعى الدول العربية إلى تقديم المساعدات الإنسانية وتعزيز التعاون، يبقى الخطاب القاسي تجاه التصرفات الصهيونية هو السائد، في هذا السياق، تبرز أهمية فهم الأبعاد المعقدة لهذا الصراع، ومدى تأثير الفاعلين الإقليميين والمحليين على مستقبل العلاقات في المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بلبنان وغزة.
في أكتوبر 1973، قبل واحد وخمسين عاماً، شهد العالم أزمة طاقة غير مسبوقة قلبت موازين الاقتصاد العالمي، بدأت الأزمة عندما قررت الدول العربية الأعضاء في منظمة البلدان العربية المصدرة للبترول (أوبك) بالإضافة إلى مصر وسوريا فرض حظر نفطي على الولايات المتحدة وحلفائها، جاء هذا القرار رداً على دعم هؤلاء الحلفاء للكيان الصهيوني خلال حرب يوم الغفران، التي شهدت مواجهة عسكرية بين الكيان الصهيوني من جهة ومصر وسوريا من جهة أخرى، ولم يكن الحظر النفطي مجرد رد فعل سياسي عابر، بل مثّل استخداماً استراتيجياً للأدوات الاقتصادية للضغط على الولايات المتحدة والدول التي وقفت إلى جانب الكيان الصهيوني، بهدف دعم القضية العربية وإضعاف الموقف الغربي تجاه الصراع العربي الصهيوني.
وقد أحدث الحظر النفطي تأثيراً مباشراً على الدول المستهدفة، وأدى إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل غير مسبوق، مما تسبب في موجة من التضخم وأزمات اقتصادية في العديد من البلدان الصناعية الكبرى، فقد شهدت الولايات المتحدة وأوروبا، اللتان كانتا تعتمدان بشكل كبير على واردات النفط من الشرق الأوسط، حالة من الفوضى الاقتصادية تجلت في طوابير طويلة أمام محطات الوقود وانقطاع التيار الكهربائي بشكل متكرر، حينها أدركت الدول الغربية مدى اعتمادها الكبير على النفط العربي وبدأت في البحث عن مصادر بديلة للطاقة، بل ودفعت نحو زيادة الإنتاج المحلي وتقليل استهلاك النفط.
وكان لهذه الأزمة تداعيات سياسية عميقة، حيث أدت إلى توتر العلاقات بين العالم العربي والغرب، ورغم أن العديد من الدول الغربية بدأت في توجيه جهودها نحو تقليل الاعتماد على النفط العربي من خلال الاستثمار في الطاقة البديلة وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، إلا أن الأزمة أثبتت أهمية النفط كسلاح استراتيجي يمكن للدول المنتجة استخدامه لتحقيق مكاسب سياسية، فقد مثّلت هذه الأزمة نقطة تحول في العلاقات بين الدول المنتجة والمستهلكة للنفط، ووضعت الأسس لسياسات الطاقة الدولية التي نراها اليوم.
بالتالي، تستدعي هذه الأزمة أيضاً الانتباه إلى جانب آخر من السياسة الدولية في تلك الحقبة، وهو العلاقات الإيرانية – “الإسرائيلية”، فخلال تلك السنوات، وقبل الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، كانت العلاقات بين إيران والكيان الصهيوني قوية ومتينة، وتميزت بتعاون سياسي واقتصادي وعسكري واسع، ففي حين استخدمت الدول العربية سلاح النفط لممارسة الضغط على حلفاء كيان الاحتلال، كانت إيران، الشريك الاقتصادي والداعم القوي للكيان الصهيوني حينها، في موقف معاكس تماماً، يعكس هذا التناقض في المواقف مدى تعقيد التحالفات في الشرق الأوسط خلال ذلك الوقت، وكيف يمكن أن تتغير التحالفات السياسية بشكل جذري بناءً على الظروف الداخلية والخارجية.
لقد كانت أزمة 1973 بمثابة درس تاريخي للعديد من الأطراف، وأثرت في صنع السياسات النفطية والدولية، وتركت أثراً طويل الأمد على كيفية تعامل الدول مع قضايا الطاقة والنفوذ الاقتصادي.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تغييرات جذرية في العلاقات العربية مع الكيان الصهيوني، حيث أقامت دول عربية علاقات رسمية مع هذا الكيان المارق، من بينها مصر والأردن والإمارات والبحرين والمغرب، وبينما اختارت دول أخرى علاقات غير رسمية وغير معلنة، مثل المملكة العربية السعودية، التي كانت تُعتبر سابقاً من أبرز معارضي الكيان، إلا أن تطورات الحرب في غزة مؤخراً دفعت بعض هذه الدول لإعادة النظر في مسار التطبيع.
بالإضافة إلى ذلك، إن الهجوم الذي شنته حركة حماس على الكيان الصهيوني في السابع من أكتوبر من العام الماضي، ورد كيان الاحتلال اللاحق بعملية عسكرية في غزة، أظهر بوضوح تراجع التضامن العربي القوي مع الجهات التي تخوض مواجهات مع الاحتلال الصهيوني، حيث يبدو أن الأولويات في دول الخليج قد تغيرت، فبدلاً من الدخول في مواجهات وصراعات غير مضمونة العواقب، تركز هذه الدول الآن على تخفيض التكاليف المرتبطة بالصراعات، وتوجيه الموارد نحو التنمية الاقتصادية، وتحديث اقتصاداتها الوطنية.
وفي سياق هذا التوجه الجديد، تسعى بعض دول الخليج إلى إقامة علاقات بناءة مع الكيان الصهيوني، إذ ترى في التعاون التجاري والاقتصادي والتكنولوجي معه، فرصة لتعزيز قدراتها التنموية وتنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على النفط فقط.
كما تفضل بعض الدول العربية اليوم عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع الكيان الصهيوني، وذلك لأسباب ترتبط بظروف داخلية وإقليمية مختلفة، فسوريا، على سبيل المثال، تواجه تحديات داخلية هائلة تشمل فقدان أجزاء من أراضيها بسبب وجود قوات تركية وأميركية فيها، إلى جانب أزمات اجتماعية واقتصادية متفاقمة، ومع هذه الوضعية المعقدة، أصبحت سوريا ساحة مواجهة غير مباشرة بين الكيان الصهيوني وإيران، حيث باتت ضربات الجيش الصهيوني على الأراضي السورية ظاهرة معتادة، مع استخدام كلا الطرفين للأراضي السورية كأداة لتحقيق أهداف استراتيجية.
هنا، تجد الدول العربية نفسها في موقف يمكّنها من اتخاذ مواقف مرنة في سياساتها الإقليمية، إذ لم تقدم ضمانات أمنية رسمية أو غير رسمية لأي طرف من أطراف الصراع في الشرق الأوسط، ويتيح ذلك لها مساحة أكبر للمناورة مقارنةً بإيران والولايات المتحدة، اللتين تقيدان بتعهداتهما تجاه حلفائهما في المنطقة، مما يحصر مجال حركتهما السياسية والأمنية.
بالتالي، إن السياسة المرنة التي تتبعها الدول العربية في علاقاتها الإقليمية تمكّنها من التركيز على أولوياتها الداخلية والتنموية، وتجنب الدخول في صراعات قد تؤثر سلباً على استقرارها، ومع أن هذه الدول تراقب عن كثب التطورات في المنطقة، إلا أنها تسعى للابتعاد عن الانخراط في أي تصعيد قد يُثقل كاهلها السياسي أو الاقتصادي، بينما تواصل العمل على إعادة صياغة علاقاتها الإقليمية بشكل يخدم أهدافها التنموية والاستراتيجية.
فخلال العام الحالي، شهدت المنطقة تصاعداً في التوترات بين إيران والكيان الصهيوني، حيث شنت إيران ضربات على أهداف “إسرائيلية” في أبريل وأكتوبر، ما استدعى ردود أفعال من بعض دول المنطقة، مثل الأردن الذي شارك في التصدي للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وفقاً للتقارير التي وردت حينها. وفي خطوة تؤكد التوتر، أصدرت طهران تحذيراً لدول الخليج، حثتها فيه على عدم إتاحة مجالاتها الجوية للكيان الصهيوني في عملياتها العسكرية ضد إيران، هذه المعطيات تشير إلى تعقيد المشهد الإقليمي وتُقلل من احتمالية تصعيد الدول العربية لسياسات أكثر عدائية تجاه الكيان الصهيوني؛ حيث إن دول الخليج تتخذ موقفاً حذراً ومترقباً للحفاظ على توازن علاقاتها مع جميع الأطراف.
ورغم هذا التوجه، لا تزال الدول العربية حريصة على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع إيران، لتجنب تصعيد قد يؤدي إلى اضطرابات جديدة في المنطقة، على الرغم من محاولات الولايات المتحدة لتعزيز تحالف عسكري عربي، أو ما أُطلق عليه مشروع “الناتو العربي”، بهدف احتواء “التهديد الإيراني”، فإن بعض الدول العربية كانت تميل للتعاون الأمني مع الكيان الصهيوني لمواجهة التحديات الإقليمية، عوضاً عن التعاون مع إيران، وكان هذا الميل واضحاً حتى قبل توقيع اتفاقيات السلام عام 2020، حيث بدأ الحديث عن إنشاء نظام دفاعي إقليمي يشارك فيه الكيان الصهيوني ويهدف للتصدي لقدرات إيران الصاروخية.
هذه الرؤية الأمنية بقيادة الولايات المتحدة وبمشاركة الكيان الصهيوني تُظهر التوجه نحو تعزيز دفاعات الدول الخليجية في مواجهة نفوذ إيران المتنامي في المنطقة، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات الإقليمية وتوازن القوى، ودور الدول العربية بين احتياجاتها الأمنية وضرورات الحوار المستمر مع جميع الأطراف لضمان الاستقرار.
بالتالي لم يعد احتواء السياسة الإقليمية لطهران أحد الأولويات في أجندة السياسة الخارجية للدول العربية، حيث شهدت السنوات الأخيرة انخفاضاً ملحوظاً في مستوى التناقضات المتبادلة مقارنة بما كان عليه الوضع قبل بضع سنوات، وفي عام 2023، ساهمت الصين في تطبيع العلاقات بين السعودية وإيران، مما يمثل تحولاً كبيراً في الديناميات الإقليمية، وقد أعلن مؤخراً عن عزم الرياض وطهران إجراء مناورات مشتركة في المجال البحري، مما يدل على رغبة الطرفين في تعزيز التعاون، بما في ذلك في المجالات العسكرية والسياسية.
وعلى الرغم من هذه الخطوات الإيجابية نحو التقارب، إلا أنه من المبكر تقييم ما إذا كانت الدول العربية في الخليج وإيران قد نجحت في بناء علاقات ثقة فعالة فيما يتعلق بالمسائل الأمنية الإقليمية، فالتحديات لا تزال قائمة، وقد تتطلب المزيد من الجهود والمبادرات لتعزيز التعاون الحقيقي بين الجانبين، كما أن الوضع الأمني في المنطقة لا يزال معقداً، ويتطلب توافقاً أكبر وتفاهمات مستدامة لتحقيق استقرار طويل الأمد.
لكن، يستمر الخطاب القاسي تجاه تصرفات الكيان الصهيوني في الهيمنة على السياسة الخارجية للدول العربية، خاصة فيما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة ولبنان، يتضح أن العديد من الدول العربية تعزز جهودها لتقديم المساعدات الإنسانية للمناطق المتضررة من النزاع، حيث لا تقتصر المساعدات على قطاع غزة فقط، بل تمتد أيضاً إلى لبنان، وهذا يأتي في ظل التصعيد الحاد للصراع بين الكيان الصهيوني وحزب الله، مما يستدعي تكثيف الجهود الإنسانية لمساعدة المتضررين في تلك المناطق.
وفي ظل هذه الظروف، لا تبدو الدول العربية مستعدة لتغيير سياساتها بشكل جذري أو للانخراط بشكل فعال في الصراع القائم في الشرق الأوسط، ومن المحتمل أن تكون القوى الأكثر ترجيحاً للانخراط في مواجهة مع الكيان الصهيوني، في حال حدوث تصعيد، هي تلك الموجودة في “محور المقاومة” الإيراني، إذ يشمل ذلك الفاعلين غير الحكوميين وشبه الحكوميين، الذين يمتلكون القدرة على خلق مشاكل لكيان الاحتلال والدول المتحالفة معها، باستخدام موارد محدودة.
هذا الوضع يعكس عدم الاستقرار المستمر في المنطقة، حيث تظل التوترات قائمة وتحتاج إلى حلول دبلوماسية وسياسية فعالة لتخفيف الصراعات القائمة وتعزيز الاستقرار الإقليمي.
على سبيل المثال، تتمتع بعض الجماعات، مثل حركة الحوثيين (أنصار الله)، بدرجة عالية من الاستقلالية، مما قد يدفعها لزيادة نشاطها العسكري، حتى في ظل جهود إيران الواضحة لتجنب التصعيد مع الكيان الصهيوني، إذ يتبين أن هذه الديناميات تعكس الوضع المعقد في المنطقة، حيث يمكن أن يؤدي نشاط الحوثيين، إلى جانب بعض الجماعات الأخرى في العراق وسوريا، إلى تصاعد التوترات الإقليمية.
ويعتبر الحوثيون أحد الفاعلين الرئيسيين في الصراع اليمني، وقد تمكنوا من تطوير قدراتهم العسكرية بشكل كبير، مما يعكس استقلالهم عن السيطرة الإيرانية المباشرة، على الرغم من محاولات إيران إدارة تصعيد التوترات مع الكيان الصهيوني، فإن الفاعلين غير الحكوميين قد يجدون في الصراع القائم فرصة لتعزيز نفوذهم وتحقيق أهدافهم السياسية.
هذا الوضع يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي، حيث تصبح المنطقة مهددة بمزيد من التوترات والصراعات، وهذا يستدعي تحليلاً دقيقاً لهذه الديناميات، لما لها من تأثيرات واسعة على الأمن الإقليمي واستقرار الدول المجاورة. إن هذه التفاعلات بين الفاعلين المسلحين والحكومات تشير إلى ضرورة وجود استراتيجيات شاملة لمعالجة الصراعات القائمة وضمان تحقيق الاستقرار في المنطقة.
ختاماً، تظل الأوضاع في لبنان وقطاع غزة نموذجاً صارخاً لمعاناة الشعوب تحت وطأة النزاعات المستمرة والضغوط الإقليمية، كما يتطلب الوضع الراهن تبني استراتيجيات فعالة من قبل المجتمع الدولي والدول العربية لدعم حقوق هؤلاء الشعوب ورفع معاناتهم، في الوقت الذي يسعى فيه الفاعلون الإقليميون إلى تعزيز مصالحهم، ينبغي على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته في تحقيق العدالة والسلام، وإن التضامن مع لبنان وغزة ليس مجرد واجب إنساني، بل هو استثمار في مستقبل مستقر وآمن للمنطقة بأسرها. لذا، يجب أن نواصل الدعوة إلى حوار حقيقي وتعاون بين الأطراف كافة، مع الأمل في بناء عالم أفضل ينعم فيه الجميع بالكرامة والحرية.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان / كاتب ومفكر – الكويت.

