بقلم: د. صالح بن عبدالله الخمياسي
بزغت فكرة تصميم برنامج التوستماسترز التعليمي عندما كأن مؤسس منظمة التوستماسترز العالمية الدكتور رالف سي سميدلي يعمل مديرا للتعليم والتطوير في إحدى المؤسسات الأمريكية التي تعنى بتطوير الشباب. لقد لاحظ سميدلي حينها أن الشباب بتلك المؤسسة يتمتعون بأفكار خلاقة وأساليب مبدعة للتغلب على التحديات التي تعترضهم، ولكنهم بحاجة إلى تطوير مهارة التواصل الفعال و التأثير المقنع لإيصال تلك الأفكار و ترجمتها إلى واقع ملموس.
فكر سميدلي مليئا كيف له أن يساعد اولئك الشباب فتولد لديه شغف تصميم برنامج تعليمي يتخذ من التعلم بالممارسة وفي أجواء مرحة فلسفة له. فهو يؤمنً “أننا نتعلم أكثر في أجواء المرح”.
لقد تكللت جهوده تلك بتأسيس منظمة التوستماسترز العالمية التي أشهرت رسميا بتاريخ ٢٢ إكتوبر ١٩٢٤ م ، أي أنها احتفت بمرور مائة عام من النجاحات المتكررة التي بدأتها في الولايات المتحدة الأمريكية حتى باتت اليوم شجرة سامقة تنشر ظلالها عبر ١٥٠ دولة و يستفيد منها ٢٧٠,٠٠٠ منتسب يرحقون الشهد المصفى لهذه التجربة التعليمية المبنية على أساليب علمية و دراسات مستفيضة و بحوث رصينة و إسهامات شاركً بها العديد من الخبراء و المختصين.
إنها تجربة عملية أثبتت جدواها لقرن من الزمان خضع خلالها هذا البرنامج التعليمي للتنقيح و التطوير و بات اليوم في حلته الحديثة التي اطلق عليها” برنامج المسارات” الذي يضع امام منتسبيه ستة خيارات من مساراته التعليميه. عبر هذه التجربة يبدأ العضو رحلته التعليمية بمسار منها يبحر من خلالها لتطوير ذاته ويلمس من خلالها تغيير حقيقي في مهاراته وأفكاره وقدراته. مسارات تعليمية مختلفة تشمل التالي:
١- مسار إتقان العروض
٢-مسار القيادة الديناميكية
٣-مسار الحس الفكاهي
٤-مسار التأثير المقنع
٥-مسار استراتيجيات التحفيز
٦-مسار التواصل الرؤيوي
يتكون كل مسار منها من خمسة مستويات تأخذ الأعضاء من مستوى الأساسيات إلى أن يصلوا إلى مستوى الإتقان يقدمون خلالها أربعة عشر مشروعا خطابيا يتطور العضو من خلالها عبر التقويم و التوجيه و الإرشاد و المشاركات في العديد من خطب الإرتجال و ممارسة أدوار متعددة تكسبهم مهارات عديدةً تجعلهم يلمسون فوائد هذه التجربة التي تسهم في تطوير مهاراتهم و الإرتقاء بقدراتهم و تجعلهم يبحرون في رحلة إكتشاف الذات و التصالح مع الخوف و التحرر من التوتر و اكتساب الثقة و تكوين الوعي الذاتي بأهمية العمل الدؤوب على التطوير الشخصي و شحذ المنشار بإستمرار لإكتشاف إمكانياتهم و التحليق وراء أحلامهم.
اليوم و نحن نرى الكثير من أبناءنا و بناتنا يلتحقون بالجامعات ليواصلوا مسيرتهم التعليميةً لا شك أن قيام وزارة التعليم العالي و البحث العلمي و الإبتكار بتبني البرنامج التوستماسترز التعليمي كأحد روافد المعرفة و إكتساب المهارات المطلوبه في سوق العمل اليوم و تشجيع هذه المؤسسات العلمية على إتاحته كخيار ضمن الأنشطة الطلابية المتاحه و تعميمه ليستفيد منه طلبة و طالبات الجامعات و الكليات المختلفة سيسهم في جودة مخرجات هذه المؤسسات التعليميه و يرفد هذه الكوادر الوطنية بمهارات تعينهم أثناء رحلتهم الدراسية و في مساراتهم المهنية بعد التخرج . علما بأن هناك العديد من الجامعات المرموقة عبر العالم تبنت الفكرة كجامعة هارفرد و ييل و ستانفورد و غيرها.
كما أن قيام وزارة العمل بتبني برنامج التوستماسترز التعليمي إضافة إلى ما تقدمه من مبادرات سيساهم في زرع الأمل في نفوس الباحثين عن عمل ويرفدهم بمهارات التواصل الفعال والقدرة على قيادة ذاتهم بفعالية والتعامل مع الآخرين بجدارة و يكسبهم الثقة بالنفس و قائمة أخرى من المهارات التي ستقودهم للتميز في سوق العمل.
إن تمكين الباحثين عن عمل من خلال هذا البرنامج سيؤدي إلى توظيف طاقاتهم بأسلوب إيجابي والإستفادة من إمكانياتهم كثروة وطنية وقيادات مستقبلية، فهناك العديد من الفوائد التي سيجنيها الباحثين عن العمل من جراء تمكينهم عبر التحاقهم ببرنامج التوستماسترز التعليمي منها التالي:
- بناء الثقة بالنفس والتغلب على رهبة المقابلات. إن القدرة على التحدث أمام الجمهور تعد مطلبا أساسيا لكافة الوظائف، وهي مهارة ييتيح لهم البرنامج فرصة التدرب عليها بشكل منتظم، مما يعزز ثقتهم بأنفسهم، و يحفزهم للإقبال على مقابلات العمل و التحدث بوضوح، والتعبير عن أفكارهمً بثقة، والتعامل مع الأسئلة الصعبة بهدوء و التحكم في لغة الجسد، و نبرة الصوت والتفاعل مع من يجري المقابلات معهم بأسلوب يخلق الانطباع الجيد عنهم.
- تحسين مهارات التواصل والتأثير:
توفر منصة التوستماسترز للباحثين عن عمل تجربة تعليمية داعمة ومحفزة لتطوير مهارات التواصل والقيادة من خلال التدرب على التعبير عن أفكارهم بأسلوب منظم، وإكسابهم عادة الإنصات الفعّال والتفاعل الإيجابي مع الآخرين وبناء علاقات مهنية قوية أثناء البحث عن فرص العمل. كما انه سيتعلم كيف يضعون جمهورهم في عين الإعتبار وهم يتحدثون إليهم و يختارون الوسيلة الملائمة لجذب إنتباههم كالسرد القصصي و استخدام الحقائق و الأرقام و التسلسل التاريخي للموضوع وإضفاء الحس الفكاهي متى تطلب الأمر منهم ذلك.
كذلك يساهم البرنامج في صقل قدرتهم على التأثير والإقناع والتفاوض خلال مواصلته البحث عن وظيفة، سواء عند مناقشة الراتب أو شروط العقد مما يجعلهم أكثر قدرة للحصول على شروط عمل أفضل.
من جانب آخر فان البرنامج سيساعدهم على تحسين مهارات الكتابة من خلال اعداد خطبهم و التقارير المطلوب منهم التحدث عنها و المشاركات في المجلات الإلكترونية عبر منصة التوستماسترز مما يعود بالفائدة عليهم عند كتابة السيرة الذاتية و رسائل التغطية المؤثرة الخاصة بها و المراسلات عبر البريد الإلكتروني الموجهة من قبلهم إلى جهات التوظيف و غيرها من الأغراض المختلفةً.
- تنمية مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات فمن خلال إعداد الخطب والرد على الأسئلة الارتجالية في التوستماسترز، يكتسب الأعضاء القدرة على سرعة البديهة و التفكير بشكل منطقي و سريع، وهي مهارة ضرورية عند مواجهة أسئلة غير متوقعة في المقابلات.كما يتعودون على تقبل النقد البناء الذي يرمي الى التطوير المستمر من خلال التقويم المباشر لأدائهم من عدة جوانب من حيث الوقت و التلكؤات و الجانب اللغوي و الاداء العام للخطاب لتمكين المتحدث من إستخدام اللغة و الصوت و لغة الجسد يتميز . إنها مهارة قيمة لأي باحث عن عمل يسعى للتطور المستمر.
- التعلم من بيئة داعمة و محفزه
يتيح التوستماسترز للباحثين عن عمل فرصة الانضمام إلى مجتمع من الأفراد الطموحين، حيث يحصلون على التشجيع والملاحظات البناءة التي تساعدهم على التطور. كما يمكنهم تبادل النصائح حول استراتيجيات البحث عن عمل والاستفادة من تجارب الآخرين.
كما أنهم يتبنون عادة القراءة ومناقشة ما يقرأون مع زملائهم وتوظيفه في خطبهم مما يساهم في توسيع مداركهم وتحسين طرق التفكير لديهم. - اكتساب مهارات القيادة وتحمل المسؤولية فعبر منصة التوستماسترز يمكن للباحثين عن عمل تطوير مهارات القيادة من خلال تولي أدوار مختلفة كرئاسة الفرق تمنحهم خبرة عملية يمكنهم إضافتها إلى سيرتهم الذاتية.
في الوقت ذاته إكتساب مهارة الإنصات من خلال لعب أدوار حيوية تعتمد على التركيز والإنصات لكي يتولى القيام بها. إضافة إلى مهارة إدارة الوقت فلكل دور وقت محدد، فالاجتماع يبدأ وينتهي في وقت محدد وكذلك فإن لكل دور وقت يجب الإلتزام به وبالتالي تتجذر لديهم مهارة إدارة الوقت و أهمية توظيفه بشكل أمثل. كما يمكنهم تطوير مهارة الذكاء العاطفي و الإجتماعي لأن التوستماسترز سيتيح لهم فرصة التعامل مع العديد من الشخصيات. بالإضافة إلى تطوير قدرتهم على التخطيط والتنظيم من خلال تنظيم الإجتماعات والفعاليات والمسابقات والعمل بروح الفريق فهي جميعها مهارات ناعمةً تعينهم على تهذيب سلوكهم و إكتساب عادات ايجابية ستقودهم حتما للنجاح. - الاستعداد لخوض تجربة ريادة الأعمال و ممارسة العمل الحر. إذا كان الباحث عن عمل يفكر في بدء مشروعه الخاص، فإن التوستماسترز يُعدّه لذلك من خلال إكتساب الثقة بالنفس و ما سبق الإشارة إليه من مهارات و السعي الدؤوب لتطوير مهارات العرض و الإلقاء لجذب المستثمرين إلى منتجه او خدماته التي يقدمها مما يجعله قادرا على ترويجها و بيعها لهم و تحسين القدرة على تسويق الأفكار والمشاريعً بأسلوب مؤثر يجعل الجمهور المستهدف يقبل عليها و يجعله كرائد أعمال شغوف لملاحقة حلمه و ترجمته إلى تجربة ملموسة.
إن تبني برنامج التوستماسترز التعليمي من قبل وزارةً العمل ليكون أحد مكونات مبادرات التدريب المقرون بالتشغيل بالتنسيق مع الشركات المختلفة في إطار مسؤوليه الشركات الإجتماعية و حرصها على تفعيل جهودها لتعظيم القيمة المحلية المضافة سيكون له أثره المحمود في تمكين الباحثين عن عمل و توجيه طاقاتهم و تعزيز مهاراتهم و الإرتقاء بقدراتهم للمساهمة في جهود التنمية المستدامة .
اليوم يوجد بعمان ثمانين ناد يستفيد أعضاءها من برنامج التوستماسترز التعليمي منها ما هو خاص بشركات معينه و منها ما هو متاح للراغبين في تطوير مهاراتهم و قدراتهم و نحن في فرق التوستماسترز بعمان على أتم الاستعداد لنقل مهاراتنا و معارفنا في هذا المجال متى ما طلب منا ذلك من قبل وزارة العمل و غيرها من الجهات سعيا لتمكين كوادرنا الوطنية و تعزيز قدراتها.
د. صالح بن عبدالله الخمياسي – باحث و مدرب و كوتش في مجال القيادة الذاتية
