د. صالح بن عبدالله الخمياسي
إحتفينا منذ أيام بقدوم ضيف عزيز على قلوبنا . ضيف غادر عنا ليعود مجددا بعد غياب طويل. لقد كان لقدومه و قع خاص و ذكريات جميلة نمت و تعددت بمرور السنوات . طقوس و ثقافة خاصة تجذرت في نفوسنا منذ نعومة أظفارنا. إنه شهركريم مليئ بالنفحات الإيمانيّة و المشاركات الإجتماعية و المبادرات الشخصية لفعل الخير و الحرص على التقرب من الله عز وجل و الظفر بمرضاته عز شأنه.
استبشرنا بقدوم شهر رمضان الذي يعد ركن من أركان الإسلام . شهر مبارك كرمه الله بأن أنزل فيه القران العظيم مصدر معرفتنا و منبع ثقافتنا و دستور حياتنا الأول. كما زادت مكانته قدسية بأن جعلت ليلة القدر واسطة عقد تزهو بين أيامه المباركة التي يتنافس المتنافسون على ترقبها و الفوز بنيل رؤيتها و التعطر بنفحاتها الإيمانيّة و الفوز بجوائزها الربانية.
شهر رمضان المبارك شهر يجدد حياتنا و يجعلها تعم بالهدوء و السكينه بروحانيته و في الوقت ذاته يعد فرصة لتطوير مهارات القيادة الذاتية وتهذيب النفس و تزكيتها. فرصة جوهرية تعزز القدرة على قيادة ذواتنا و مجاهدة نزعاتها وإدارتها لتحقيق أهداف سامية تعود بالنفع على الفرد و أسرته و مجتمعه سأسرد منها بعض الدروس التي يمكن تعلمها في رحاب المدرسة الرمضانيةً و هي مهارات ناعمة تقودنا إلى النجاح في كافة مناحي الحياة:
- مهارةً ضبط النفس :
صيام شهر رمضان يجذر فينا عادة ضبط النفس و التحكم في رغباتنا و مشاعرنا و يجعلنا نلتزم بالحدود التي وضعها الله. و يساعدنا على تطوير القدرة على التحكم في دوافعنا و رغباتنا اليومية و التأثير الإيجابي على أفكارنا و مشاعرنا و سلوكنا فلا تسرع بل هدوء و تريث و لا غضب بل حلم و تغافل و عفو و تسامح ففي فناء المدرسة الرمضانية الفسيح الكل يصوب سلوكه لمرضاة الله و التقرب إليه و كسب رضاه و الفوز بعفوه و غفرانه.
- مهارة الصبر و التحمل:
الصبر هو مهارة ناعمة تقودنا للنجاح و هي مفردة ورد ذكرها في القران الكريم في سياقات و مواضع عديدة و ضع لها جوائز لا تضاهى. لقد أشار شيخ الإسلام إبن القيم رحمه الله في كتابه عدة الصابرين و ذخيرة الشاكرين إلى أن ” النفس فيها قوتان: الإقدام، والإحجام؛ فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكاً عما يضره.”’
.إن الصوم يتطلب الصبر على الجوع والعطش، وكذلك الصبر على التحديات الروحية والنفسية. إن الممارسة الفعلية للصبر خلال هذا الشهر الفضيل يجذر فينا القدرة على تحمل الضغوط والتحديات في الحياة اليومية والعملية. تقول مؤلفة كتاب قوة الصبر إن جي رايان “الصبر يتيح لنا أن نستفيد من مواهبنا أقصى استفادة ممكنة، ويقف حائلا بيننا وبين الغضب، ويحمينا من أن تتسرب مشاعر الندم إلينا، ويكشف لنا الموضع الذي تكمن فيه رغباتنا الحقيقية” ً. - إدارة الوقت و تحديد الأولويات:
خلال رمضان، يتعلم الصائم كيفية تنظيم وقته بين الصلاة والصوم والعمل والعبادات. هذا التخطيط يساعد في تطوير مهارة إدارة الوقت، وهي سمة من سمات القادة الناجحين فقد إعتبرالمفكر الإداري بيتر دراكر الأب الروحي لعلم الإدارة الحديثة القدرة على الاستفادة من الوقت بأعلى المستويات أحد سمات القائد الفعال. كما نجد ستيفن آر كوفي مؤلف كتاب العادات السبع لأكثر الناس فعالية يفرد للوقت و إدارة الأولويات عادة تميز الناس الأكثر فعالية عن غيرهم و يصنفها ضمن العادات الثلاث الأولى التي أطلق عليها عادات النصر الشخصي. كيف لا و نحن ندرك أن أوقاتنا ما هي إلا أعمارنا و نحن مسائلون فيما أفنيناها كما ورد في الحديث الشريف ” و عن عمره فيما أفناه”؟ - الوعي الذاتي و تحقيق الأهداف::
إن الصيام يشجع على التفكير الإيجابي والتركيز على الجوانب الروحية و الأمور الإيجابية في الحياة فالأمل ديدن الأقويا الذين لا يفسحون لليأس طريقا ليدب في نفوسهم و يوهنهم. فهم يثابرون على تحقيق أهدافهم بإصرار و قوة إرادة و إنضباط. فالمدرسة الرمضانية تعلمنا كيفية تحقيق التوازن بين احتياجات الجسد والروح و تعزز الوعي الذاتي لدينا و تمدنا بالقدرة على اتخاذ قرارات متوازنة و تعيننا على التفكير العميق والتأمل في الذات والحياة . - التعاطف مع الآخرين:
الصوم يجعلنا نشعر بمعاناة الفقراء والمحتاجين و يعزز القدرة على فهم احتياجات الآخرين والتعاطف معهم و معاملتهم بلطف.كما يولد فينا قيم التضحية والعطاء من خلال الصدقة ومساعدة الآخرين و التواضع والاعتراف بحاجتنا إلى الله. كما يعزز اللحمة الإجتماعية من خلال التواصل مع الناس أقرباء او اصدقآء او غرباء كانوا مما يولد الثقة و التكافل المجتمعي بين الأفراد.
خاتمة
تحفزنا المدرسة الرمضانية على شحذ المنشار لتجذير مهارات القيادة الذاتية من خلال ممارساتنا اليومية التي تمدنا بفرص ذهبية لتطوير العديد من المهارات الناعمة التي تم الإشارة إليها و هي بلاشك عامل نجاح متى ما تم إتقانها لتصبح عادات تميزنا عن الآخرين.
أن مثل هذه الدروس ذات قيمة حقيقية لتحسين حياتنا الشخصية والمهنية و تطوير مهارات القيادة الذاتية التي تتخذ من القيادةً بالقدوة منهجا تربويا لتنشئة الأجيال على قيم سليمة.
د. صالح الخمياسي باحث و مدرب و كوتش في مجال القيادة الذاتية.
——————————

