تُمثِّل الهُوِيَّة رابطة وطنيَّة جامعة تضمُّ كُلَّ شرائح المُجتمع، فهي القاسم المشترك الَّذي يتفاعل الجميع من خلاله في إطار من الذَّوق والرُّقِي واستشعار الصُّورة الجمعيَّة في قراءة الوطن وتجلِّياته في حياة الأفراد، ولم تَعُدِ الهُوِيَّة مجرَّد مبادئ وعادات وتقاليد وأعراف تميِّز مُجتمع سلطنة عُمان عن غيره مع القناعة بوجود مشتركات قِيَميَّة مع غيره من المُجتمعات؛ ما يعني أنَّ الأقمشة التَّقليديَّة المطرَّزة والخلاخل والأسورة النسائيَّة، أو الخنجر والمَصر والكمَّة الرجاليَّة وغيرها من الملبوسات تحمل دلالات عميقة تحاور الإنسان، وجسر يصل الماضي بالحاضر ويعبِّر عن نهج الانتماء للأرض والولاء للوطن وجلالة السُّلطان، يروي حكاية شَعب وقصَّة أُمَّة وحكمة الأجداد وسِحر الثَّقافة الَّتي توارثها الأحفاد عن الأجداد في عصور التَّاريخ الغابرة وجسَّدتْ شخصيَّة الإنسان العُماني وخصوصيَّته وسَمْته؛ لِتكُونَ ممارستها نابعة من شعور داخلي، وإحساس فطري نَحْوَ الهُوِيَّة الوطنيَّة، وما تَقُوم عَلَيْه من مرتكزات في إنتاج الثَّقافة العُمانيَّة وإعادة هندسة العمليَّات الداخليَّة فيما ارتبط بها من أشكال التَّفاعل ورفع درجة التَّعاون والانصهار الجمعي في بوتقة الوطن وعَبْرَ ممارسة تلتزم سقف الجودة والمنافسة في تقديم ما هو أجمل للوطن واستحضار حقيقي لمحطَّات الإنجاز والانتقال بالمنجز إلى مرحلة التَّغيير في القناعات وتعميق المواطنة والولاء والانتماء، بل تظهر قوَّة الهُوِيَّة وتتعاظم قِيمتها كقوَّة ناعمة في إدارة التَّغيير وتصحيح الذَّات وتقويم السُّلوك وتعظيم قواعد العمل القائمة على الوعي الحقوقي والعدالة والإنسانيَّة وترتفع خلالها أخلاق المواطن في وقت الأزمات والحالات الطَّارئة، وعِندَها تصبح الهُوِيَّة روح التَّغيير الَّتي يسري في مُكوِّنات الوطن ومؤسَّساته، فتتكامل الجهود وتتفاعل الأُطُر المؤسَّسيَّة، ويقوَى الشُّعور الجمعي نَحْوَ الوطن، فكما أنَّهم شركاء في التَّنمية والبناء والتَّطوير؛ فهم شركاء في المسؤوليَّة والرَّقابة والنَّزاهة واحترام ثقافة العمل.
وبالتَّالي ما يعنيه ذلك من مراجعة حقيقيَّة تنطلق من تحديد موقع الممارسة الفرديَّة والمُجتمعيَّة والمؤسَّسيَّة من الهُوِيَّة الوطنيَّة، والصُّورة الذِّهنيَّة الحالمة الَّتي باتتْ تُشكِّلها، والمُسبِّبات والتَّحدِّيات الَّتي أعادتْ قراءة الصُّورة بشكلٍ آخر، آخِذةً في الاعتبار ما تتعرض له الهُوِيَّة من تشوّهات في الدَّاخل والخارج، ومساومات تزجُّ بها في قضايا عبثيَّة من صنع الإنسان، وتتقاطع مع الهُوِيَّة الوطنيَّة جملةً وتفصيلًا، ورغم قناعاتنا بأنَّ ثوابت الهُوِيَّة العُمانيَّة أكبر من أن تشوِّهَ صورتها الظَّواهر الوقتيَّة والممارسات الفرديَّة، إلَّا أنَّ استمرار ذلك يحمل في ذاته مظنَّة الشيوع والاستدامة الَّتي باتتْ تُشكِّل قلقًا على الهُوِيَّة الوطنيَّة لِمَا ينتج عن تغييب الهُوِيَّة الوطنيَّة وتحجيم دَوْرها في البناء الوطني؛ فإنَّ التَّراجع في الهُوِيَّة يعني ضعف الثِّقة في المنجز المؤسَّسي والمنظومات الوطنيَّة، وتغييب التَّربية الوالديَّة ودَوْر الأُسرة، والتَّساهل في الضبطيَّة القِيَميَّة والالتزام بقواعد ومتطلبات الهُوِيَّة في السُّلوك المهني والوظيفة العامَّة، وارتفاع جراثيم الأخلاق ومِنْها الجرائم الواقعة على الأطفال في عام 2024 حيثُ وصل عدد القضايا المرتبطة بالأطفال إلى (1325) قضيَّة، بلغتْ جرائم التَّحرُّش وهتْك العِرض بالطِّفل وحدها (399) حالة؛ والانحراف الفكري والإلحاد والشُّذوذ والنسويَّة، والهشاشة الفكريَّة الَّتي يواجهها الشَّباب في التَّعامل مع الفكر المتطرف والأفكار التَّحريضيَّة، والهشاشة النَّفْسيَّة نظرًا لتغييبِ دَوْر الأمن النَّفْسي في حياة الأُسرة، وتصدير الكثير من المشوِّهات ومحاولة تشريعها وإقرارها على شكل سياسات وبرامج ترفيهيَّة في السِّياحة والاستثمارات وغيرها، والتَّساهل في تطبيق العقوبات والإجراءات المقرَّرة للممارسات الَّتي تستهدف تشويه الهُوِيَّة الوطنيَّة، وغياب الضَّوابط في منصَّات التَّواصُل الاجتماعي الأمْر الَّذي أدَّى إلى ممارسات خارجة عن الذَّوق والآداب والأخلاق والمشاعر الوطنيَّة، وانحسار دَوْر التَّعليم في إنتاج القدوات والنَّماذج في المُجتمع، وصناعة المحتوى الوطني المُعزَّز بالابتكاريَّة والرِّيادة والمنافسة والمهارات النَّاعمة، وتغييب القِيَم الَّتي تحافظ على التَّوازنات الاقتصاديَّة في ظلِّ تزايد مؤشِّر الجرائم حيثُ كشف الادِّعاء العامُّ في مؤتمره السَّنوي لعام 2024 عن ارتفاع جميع الجرائم الأكثر تسجيلًا في 2024 مقارنة بعام 2023، حيثُ تصدَّرتْ جرائم الاحتيال بزيادة (67%)، حيثُ بلغ عدد جرائم الاحتيال بـ(3) آلاف و(202) قضيَّة. تلَتْها جرائم قانون العمل بنسبة (64%)، وجرائم إقامة الأجانب بنسبة (46%)، فيما ارتفعتْ جرائم الشيكات بنسبة (15%)، كما سجَّلتْ جرائم غسل الأموال والاختلاس ارتفاعًا ملحوظًا، حيثُ بلغ إجمالي قضايا غسل وتهريب الأموال (173) قضيَّة. وبالتَّالي حجم المخاطر المترتِّبة عَلَيْها في مجالات الاقتصاد والاستثمار ونشاط السُّوق العمل الوطني وإدخال المفاهيم والأفكار العبثيَّة فيه، ونُمو الأنماط الاقتصاديَّة المشوّهة والمبتذلة كالتِّجارة المُستترة والاحتكار والتَّسوُّل وحالات الغشِّ التِّجاري والتَّأثير على تنظيم سُوق العمل والمنافسة غير المتكافئة للعمالة الوافدة مع روَّاد الأعمال العُمانيِّين والمؤسَّسات الصَّغيرة والمُتَوَسِّطة، والتَّهرُّب الضَّريبي، والتَّحايل على الإجراءات والقوانين، وخلق صورة مشوّهة تزعزع الثِّقة في الاقتصاد الوطني وقدرة سُوق العمل على استيعاب الكفاءات الوطنيَّة واستقطاب الخبرة العُمانيَّة وتوطينها، وتداعياتها على الإجراءات والتَّوجُّهات الوطنيَّة السَّاعية لتنظيم السُّوق وما تمَّ اتِّخاذه في هذا الشَّأن.
وعَلَيْه، فإنَّ تغريب الهُوِيَّة عن حياة النَّشء، يعني تكوين أفراد مستهلِكِين غير منتِجِين، يُلقون بتبعاتهم على الوطن فهو شماعة في عدم حصولهم على فرص التَّوظيف أو غيرها من، فهم بذلك غير فاعلِين أو مؤثِّرِين، يعيشون حالة من الخذلان والانكسار في مواجهة الأزمات، كما يفتقدون لِمنهج الصَّبر والتَّحمُّل والمسؤوليَّة وهم يقفون في دَوْر المنتظر لِمن يخدمهم ويُقدِّم إِلَيْهم، فيفقدون جانب المبادرة والتَّجديد وحُب العمل والإنتاجيَّة، ممَّا سينعكس سلبًا على أدائهم لمسؤوليَّاتهم الحياتيَّة وموقعهم في مُجتمعهم، بل ينعكس سلبًا على إنتاجيَّتهم وقدرتهم على تحقيق مسؤوليَّاتهم المهنيَّة والوظيفيَّة، الأمْر الَّذي يترتب عَلَيْه تزايد التَّداعيات السلبيَّة والمُنغِّصات في حياتهم الخاصَّة، سواء في علاقاتهم الاجتماعيَّة والأُسريَّة والمهنيَّة أو حياتهم العامَّة، والبصمات الَّتي يتركونها في واقعهم الاجتماعي والوطني، ناهيك عن الجرائم الَّتي أشرنا لبعضها واتِّساع الظَّواهر السَّلبيَّة، وحجم الهدر والاستنزاف في الموارد الوطنيَّة، وتوجيه عمل المؤسَّسات الأمنيَّة نَحْوَ قضايا أخرى خارج إطار الأولويَّات، وقلَّة الاهتمام ببناء الأُسرة، وأنَّ الحياة الزوجيَّة وتكوين الأُسرة يعني التزامات ربِّ الأُسرة ومسؤوليَّاته تفوق قدراته وتتطلب مِنْه الكثير من العمل، لذلك يتَّجه إلى الهروب من المسؤوليَّات والالتزامات العائليَّة لبناء حياة زوجيَّة مستقرَّة يتحمل خلالها مسؤوليَّة النَّفقة والتَّربية؛ ممَّا يُنذر بتحدِّيات في التَّركيبة السكَّانيَّة الَّتي باتتْ تتَّجه إلى قلَّة أعداد المواليد العُمانيِّين وزيادة الوَفَيَات.
أخيرًا، فإنَّ تراجع الهُوِيَّة الوطنيَّة يعني غربة الوطن في فِقه أبنائه، ما يؤدِّي إلى جيل يفتقد إلى الشُّعور بتعظيم قِيمة الوطن وحضارته وتأريخه وتراثه وسِيرته ونهضته؛ غير مبالٍ بأخلاقيَّات المُجتمع أو قِيَمه أو هُوِيَّته الحضاريَّة، كما لا يبالي بأنظمته وقوانينه وتشريعاته، على السَّطح أساليب، الأنانيَّة والقسوة وحُب الذَّات، والاعتماد على الغير وانتظار خدمة الآخرين، وصناعة جيل هامل خامد غير قادر على الإنتاجيَّة، عالة على أُسرته ووطنه، مصدر قلق لمُجتمعه وعائلته، يعيش حالة من الانفصال والوَهَن والضَّعف والخنوع والانكسار، ونفوق لقِيَم الصَّبر والمسؤوليَّة والعمل الَّتي صنَعَتْ أبناء عُمان وكانتْ لهم رصيدًا حضاريًّا أسَّسوا به دَولتهم، وعزَّز فيهم من الاكتشاف والابتكار والمبادرة والإنتاجيَّة ما جعل مِنْهم قوَّة حضاريَّة ومكانة بَيْنَ الأُمم وحضورًا في بناء الحضارة الإنسانيَّة، فإنَّ في تراجع الهُوِيَّة دعوةً إلى الفردانيَّة وتغييب قِيَم التَّماسُك المُجتمعي والتَّواصُل العائلي والتَّصالح مع الآخر، فيغيب الشُّعور الجمعي والتَّفاعل المُجتمعي وتتلاشى القواسم والرَّوابط المشتركة الَّتي تؤسِّس في المُجتمع حسَّ التَّضامن وروح المَحبَّة والخيريَّة والتَّكاتف والتَّعاون والالتزام نَحْوَ الآخر والشُّعور بقدره وقِيمته والحاجة إِلَيْه، وعِندَما تتراجع الهُوِيَّة يصبح مُجتمعا أجوف، تضيع حركة الحياة والتَّفاعلات البَيْنِيَّة والرَّوابط الوجدانيَّة بَيْنَ مختلف شرائحه، وتصبح العلاقة البَيْنِيَّة أقرب إلى لُغة المصالح الشَّخصيَّة، فترتفع بذلك ظاهرة النَّفعيَّة والمكاسب الوقتيَّة في حياة الفرد، وتصبح تصرُّفاته تحكمها المزاجيَّة والنَّرجسيَّة دُونَ أي اعتبار للذَّوق والمزاج والشُّعور المُجتمعي العامِّ. ولأنَّه فقَدَ رباط الوطنيَّة، لذلك ستكُونُ النَّتيجة جيلًا يرتمي في أحضان الغريزة عَبْرَ المنصَّات الاجتماعيَّة ويعيش بَيْنَ القضبان بفعل الجرائم والإساءة للوطن ورموزه، لنعلنَها صراحةً بأنَّ المُجتمع العُماني اليوم يتعرض للتَّشويه في هُوِيَّته وأصالته وسَمْته، ورغم أنَّها مسألة ما زالتْ غير ظاهرة للبعض، إلَّا أنَّها أصبحتْ مكشوفةً على مرِّ الوقت، تستهدف تشويه الصورة الحضاريَّة للإنسان العُماني والقِيَم والمبادئ الَّتي يعيشها في عالَم النَّفعيَّة الاقتصاديَّة غير المسؤولة، لتضعَ المواطن في حالة من الجري وراء المادَّة والبحث عن رزقه بالوسائل المشبوهة كالشُّهرة وغيرها الَّتي باتتْ تكسر قواعد الهُوِيَّة الوطنيَّة.
د.رجب بن علي العويسي

