كم هي عظيمة غزة برجالها ونسائها واطفالها الذين يتعرضون لأكبر محرقة في التاريخ المعاصر؛ فأنتم أيها الشرفاء من علمتم العالم الحر معنى التضحيات والبطولات والصمود الاسطوري الذي لا يفقهه البعض الذين يزعمون بأن الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الأوطان بأنها مغامرة غير محسوبة، والأسوأ من ذلك كله هو الصمت والخذلان من الحكومات العربية التي اعتادت جيوشها على الاصطفاف مع الجيوش الاستعمارية، كلما دعاهم أعداء الأمة لذلك؛ كما حصل في ابان غزو العراق وليبيا وسوريا، لتقاتل هذه الجيوش إلى جانب الامركان والانجليز والفرنسيين ضد الاشقاء لكي يتم اسقاط تلك الأنظمة العربية التي لا تحظى بموافقة الغرب ولا تنفذ الأوامر المطلوبة التي تهدف في النهاية إلى اضعاف الامة وتماسكها.
وكنتيجة طبيعية لهذه الحروب العبثية التي فُرِضت من الخارج على العرب بهدف اضعاف الجيوش العربية وجعل من القوة الصهيونية هي المسيطرة والأقوى في المنطقة، فقد استُنزِفت الأموال والأرواح في هذه الصراعات التي لا يُراد لها أن تنتهي؛ فالحكومات العربية هي الأكثر إنفاقًا على شراء السلاح في العالم، فقد خلصت مراكز الدراسات الإستراتيجية العالمية إلى أنَّ العرب أنفقوا خلال آخر عقد ونصف العقد أكثر من ألف مليار دولار. وعلى الرغم من ذلك، فإنَّ العرب أكثر ضحايا الحروب والتعذيب واللجوء عبر الحدود الدولية؛ بسبب قمع بعض الأنظمة والحكومات العربية الاستبدادية لشعوبها. أما معهد استوكهولم للسلام الدولي، فقد كشف في تقريره السنوي عن امتلاك بعض الدول العربية لأكبر نسبة إنفاق عسكري على شراء السلاح من الناتج المحلي الإجمالي في العقود الأخيرة.
*والسؤال المطروح: الان أين جيوشنا مما يجري على أرض فلسطين من عربدة الحكومة اليمينية المتطرفة التي تعيث فسادا في الأرض؟
الإجابة على ذلك واضحة وضوح الشمس؛ فبعض هذه الجيوش وجدت لحماية دولة الكيان الغاصب، وذلك ضمن اتفاقيات سرية وبعضها علنية مع الغرب الذي يهدف بالدرجة الاولى إلى إذلال الامة وتحقيق ما يعرف بإسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل، لتحقيق نبوءات كهنوتية للانجيليين الجدد حول موعد نزول المسيح عليه السلام. ومن المفارقات العجيبة أنَّ مُعظم الأنظمة العربية تقوم بشراء السلاح لمحاربة بعضهم بعضًا، وحماية الكراسي والحكام من السقوط في وجه التهديدات الداخلية من المعارضين في الداخل والخارج؛ وليس للدفاع عن الأوطان في وجه الأعداء وتحرير مقدسات الأمة، فقد أثبتت الأيام والوقائع أن كلَّ دولةٍ عربية تخشى من جيرانها العرب أكثر من خشيتها من الأعداء المحتملين من الدول الأجنبية وخاصة الدولة المزروعة في قلب الوطن العربي من الغرب وهي اسرائيل. فالاسلحة الامريكية الجديدة والتي تعد الاحدث تستخدم الان لقتل سكان غزة والعالم من أقصاه إلى أقصاه يشاهد تلك المذابح عبر الشاشات دون ان يحرك أحد من هؤلاء الاقوام ساكنا إلا بإصدار بيانات الشجب التي لا تساوي قيمة الحبر التي كتبت فيها. فكم مؤتمرات قمة عقدت خلال 17 شهرا الماضية ولم تنجح في كسر الحصار وتوصيل الادوية والطعام للمحتاجين في القطاع المحاصر من الجميع منذ 18 سنة فضلا عن الوقوف في وجه المجرمين الذي ادانتهم المحاكم الدولية كمجرمي حرب وعلى رأس هؤلاء نتنياهو.
- لا شك أننا نعيش زمنا استثنائيا فقدت فيها الأمة العربية مشاعرها واحاسيسها، بل وحتى بوصلتها عن حقيقة ما يحصل من مجازر في فلسطين المحتلة يندب لها جبين الإنسانية في هذا الشهر الكريم وعلى وجه الخصوص قطاع غزة الذي يتعرض هذه الأيام لأبشع الجرائم والابادة الجماعية للأطفال والنساء في هذه المنطقة المحاصرة من الصهاينة والجيران من العرب الذين وقفوا عاجزين عن الدفاع عن أطفال غزة بل وحتى عن ادخال الماء والغذاء والأدوية عبر الحدود في انتظار الموافقة من حكومة الكيان الصهيوني المجرمة، التي لا يمكن أن تأتي في الأصل إلا بعد التخلص من سكان غزة ومقاومتها الباسلة الذين يدافعون عن شرف الأمة ومقدساتها في الأقصى المبارك وارض فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، مهما كانت التضحيات والشهداء الذين تروي تراب أرض الرباط بدمائهم الزكية. من المؤسف حقا أن تقف الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج عاجزة وبدون إرادة لتغير المعادلة المتمثلة بعدم الاكتفاء بدور المتفرج والتسمر أمام الشاشات الفضائية فقط، اين نحن من قوله تعالى في محكم كتابه العزيز{أُذن للذين يُقاتَلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} (الحج:39).
- وفي الختام، الأنظار هذه الأيام تتجه إلى القوى الاقليمية الاسلامية في المنطقة؛ إذ يمكن لها أن تواجه إسرائيل، وذلك إذا تحققت الإرادة الصادقة فالايام القادمة سوف تكشف عن فصول جديدة تكتب عن معادن البشر ومواقفها، فالتاريخ لا يرحم؛ فهل نتوقع صلاح الدين جديدا يستعيد القدس الشريف لأمة محمد؟
د. محمد بن عوض المشيخي- أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

