قبل يومين فقط من شن الحرب العدوانية الإسرائيلية على إيران، وبالتحديد فى يوم الأربعاء (11 يونيو الحالى) أعاد بنيامين نيتانياهو مجدداً الحديث عن مشروعه الذى يعد لتنفيذه بدعم أمريكى ومساندة أصدقاء فى «الجوار العربى»، بكل أسف، لفرض نظام إقليمى للشرق الأوسط، تلعب فيه إسرائيل دور القوة الإقليمية العظمى المسيطرة، دون منافس أو منازع إقليمى، أى فرض نظام إقليمى شرق أوسطى «أحادى القطبية» تختفى فيه ونهائياً أى قوة إقليمية يكون فى مقدورها الآن، أو مستقبلاً، تحدى هذا النظام الإسرائيلى أو الخروج عليه، بكل ما يعنيه ذلك من التحرك لتدمير أى قوة إقليمية منافسة، أو يحتمل أن تكون منافسة فى المستقبل القريب لقواعد اللعبة فى هذا النظام، وبالتحديد القوى الإقليمية الكبرى الثلاث التى يراها نيتانياهو خارجة، حتى الآن، عن السيطرة الإسرائيلية أو التى تحمل طموحات تحفزها لفرض نفسها قوة إقليمية لها اعتبارها وهى: إيران وتركيا ومصر، على الترتيب . فى ذلك اليوم (الأربعاء 11 يونيو الحالى) صرح نيتانياهو بما نصه:
< متأكد أن الإمبراطورية العثمانية لن تعود، ونحن سنعمل كى لا تعود ..!!
< حطمنا الكثير من أذرع إيران ، لكن الخطر مازال قائماً.
< لن نسقط ولن نستسلم، وسننتصر على حماس.
يلاحظ على هذه النقاط الثلاث ما يلى:
1- إن نيتانياهو أعطى الصدارة فى تصريحه المهم لعزمه على الحيلولة دون ظهور قوة تركية إقليمية كبرى على أسس من المفاهيم الحضارية التاريخية، أى «العثمانية الجديدة» التى تعد المفهوم الاستراتيجى لدى نظام الحكم التركى الراهن تحت زعامة الرئيس رجب طيب إردوغان وحزب «العدالة والتنمية» ، الذى يعطى أولوية كبرى لتأسيس تركيا كقوة إقليمية شرق أوسطية كبرى، يكون فى مقدورها استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية ورسالتها التاريخية الحضارية.
2- عدم إعطاء الأولوية للقضاء على ما يسميه بـ «الخطر الإيرانى» جاء من قبيل «تحصيل الحاصل»، وهو أن قرار الهجوم على إيران بشن حرب واسعة هدفها الاستراتيجى إما إسقاط النظام مباشرة، وإما تهيئة الظروف للشعب الإيرانى كى يتولى هو هذه المهمة بعد أن تهيئ له إسرائيل الفرصة المناسبة لذلك. ما يعنى أن الأولوية الحقيقية التى لم يعلنها نيتانياهو هي: إسقاط النظام فى إيران عبر الحرب التى كانت مقررة سلفاً ، ثم التوجه لاحتواء تركيا وبعدها يأتى الدور على مصر دون إفصاح لهذا العزم لعدم إحداث اضطراب فى العلاقات الإسرائيلية – المصرية، يمكن أن يعرقل المشروع الإسرائيلى نحو كل من إيران وتركيا، ودون تجاهل بالطبع وعود نيتانياهو بتحقيق المشروع الإسرائيلى فى كل فلسطين بضم قطاع غزة والضفة الغربية إلى كيان الاحتلال بعد القضاء على كل فصائل المقاومة والرفض وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية «حماس».
3- إخفاء الحديث الصريح عن مصر ضمن هذا المخطط الإسرائيلى على لسان نيتانياهو، لاعتبارات بروتوكولية أو دبلوماسية، لم يمنع قيادات عسكرية وسياسية إسرائيلية مرموقة من الاستمرار فى الحديث عن «الخطر المصرى» على نحو ما حدث مع «الخطر الإيرانى» طيلة السنوات القليلة الماضية . فعلى سبيل المثال، لا الحصر، وصف اللواء متقاعد «بتسحاق بريك» فى مقال خطير نشرته صحيفة معاريف (الاثنين 26 مايو الماضى) مصر بأنها «التهديد الأشد خطورة على تل أبيب»، وحذر من «تعاظم القوة العسكرية المصرية»، وروج لمقولات من نوع أن مصر «لا تكتفى بعدم احترام اتفاقية السلام بل تقيم علاقات تعاون عسكرى مع ألد أعداء إسرائيل، وهى تمتلك اليوم أكبر وأقوى جيش فى الشرق الأوسط، دون أن يكون لدى إسرائيل أى رد عملى على ذلك»، أن «المصريين يجهزون أنفسهم لاحتمالية الحرب ضد إسرائيل». بهذه الملاحظات الثلاث يمكننا أن نفهم بعض خفايا وأهداف الحرب الإسرائيلية الراهنة ضد إيران التى جاءت بعد يومين فقط من تصريح نيتانياهو المشار إليه «فجر الجمعة 13 يونيو الحالى» وعقب مرحلة طويلة من «الخداع الاستراتيجى» قامت به الولايات المتحدة عبر جولات متعددة من المحادثات مع إيران للتوصل إلى اتفاق أمريكى- إيرانى جديد بديل لاتفاق عام 2015 الذى خرجت منه الولايات المتحدة بقرار منفرد من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى ولايته الأولى عام 2018، ما يعنى أن الولايات المتحدة شريك كامل فى هذه الحرب مع إيران سواء بالتخطيط والتمويل والتنفيذ عبر القيام بمهمة إسقاط جل الصواريخ الإيرانية المتجهة نحو إسرائيل. أول هذه الأهداف هو ما يسميه الإسرائيليون بـ «قطع رأس الأخطبوط» كما يسمون إيران فى الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، بعد القضاء على أذرعها الرئيسية فى لبنان وسوريا وغزة. والمقصود هنا هو إسقاط النظام وليس مجرد تدمير قدراته النووية والصاروخية وتحويل إيران إلى «دولة هامشية» فى إقليم الشرق الأوسط ، ليبدأ بعدها استكمال باقى المخطط مع كل من تركيا ثم مصر. ثانى هذه الأهداف توظيف الانتصار على إيران إلى قوة دافعة لفرض المخطط الإسرائيلى فى قطاع غزة والضفة الغربية. ثالث هذه الأهداف جعل مشروع «السلام الإبراهيمي» مشروعاً أو خياراً أحادياً للدول العربية كركيزة لفرض الهيمنة الإسرائيلية على الشرق الأوسط. نجاح إيران فى استيعاب الضربة الأولى الأليمة والعنيفة التى طالت أبرز القيادات العسكرية والعلمية، ثم التحول إلى فرض «خيار الردع» والضرب بقوة انهكت قدرات إسرائيل وأجبرت الرئيس الأمريكى على التواصل مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين للبحث فى حل سياسى سريع لوقف الحرب، أسقط هذا المخطط الإسرائيلى، لكن ما هو أخطر مازال ممكنا حيث إن إيران لديها أوراق قوية لكسر المشروع الإسرائيلى – الأمريكى أبرزها: إغلاق مضيق هرمز، ما يعنى خلق أزمة اقتصادية عالمية لا يقدر ترامب على دفع أثمانها، والانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ثم توظيف العدوان عليها لإعلان قرارها الاستراتيجى بامتلاك السلاح النووى ، عندها سيواجه كيان الاحتلال الإسرائيلى مستقبله المظلم على أنقاض مشروعه الذى سيتهاوى ..
د. محد السعيد إدريس
