“قُلْ للزمان إرجع يا زمان”
ُقلْ له أن بيوت العرب ما تزال تحتفظ براديوهات ماركة “باي” و”جروندنج” و”فيليبس”.
وما تزال على السطوح بقايا لهوائيات الالتقاط الممدودة للمجالس تنتظر “عالم الظهيرة” وتحلم كل ليلة باقتناص”العالم هذا المساء”و”السياسة بين السائل والمجيب” و”من القائل وما المناسبة” و”ندوة المستمعين”.
قُلْ له أن بعضا من قوت العيال كان يُسْتَقْطَع لأجل شراء راديوهات لا تعوق وصولها شواهق عُمان
ولا تعاندها جبال تهامة.
ولا تصدها وعورة جبال الأوراس.
ولا تشوش عليها السافانا الأفريقية ولا الصحراء العربية الكبرى.
قَلْ للزمان أن ولادة الكيان المسخ في فلسطين أُعْلِنَ من “البوش هاوس” هذه العصا الغليظة التي تهزها بريطانيا العظمى في وجه العالم.
وأنَّ أوَّل وحدة عربية بين مصر وسوريا كانت “هنا لندن” السبَّاقة بخبر الولادة والسباقة بموت الحلم العربي.
وأن نكسة ٦٧ تحشرج بها مذيع في “هنا لندن” وهو يغالب أدمعه ليوازن بين مهنيَّة قارئ النشرة وانفطار القلب على أبي خالد الذي يستحق أن يجيء في زمان عربي غير الزمان.
ومن “هنا لندن” تسلل صوت مذيعة ذات “رمسة” لنا في السطح بسمائل وهي تتحدث عن تنازل السلطان سعيد بن تيمور عن الحكم لولده “السيد قابوس” بعد أن أصيب بعيارات نارية.
ومن “هنا لندن” فاجأتْ بريطانيا العظمى أصدقاءها بالانسحاب من الخليج العربي وإنهاء روابطها التاريخية بمشيخاته.
ومن القسم العربي لهيئة الاذاعة البريطانية تخلى المذيع العربي عن صرامة الإعداد النفسي لقارئ النشرة حين سابقتْه فرحته باقتحام الجيش المصري “خط بارليف” فاستردت مصر بالنصر المؤزر كرامة جيشها ، وأعادت الاعتبار لجمال عبدالناصر الذي استحق يوماً كيوم السادس من أكتوبر ، على الرغم من إنه لم يشهده لكنه صنعه.
ومن “هنا لندن” خرج خبر قرار فك ارتباط الأردن بالضفة الغربية.
ومن “هنا لندن” كانت مهازل اتفاق أوسلو برعاية الرئيس بيل كلينتون ، واتفاقيات السلام الابراهيمي برعاية دونالد ترمب.
ومن “هنا لندن” تم خلع ملوك وموت ملوك ومجيء رؤساء جمهوريات بتيجان الملوك.
وسواء أحبَبْتَ بريطانيا أم كرهتها فلا بد من أن تحب أصوات حسن الكرمي وماجد سرحان ومحمد مصطفى رمضان ومحمد الأزرق وسامي حداد ورشاد رمضان وافتيم قريطم وأكرم صالح ومؤتمن الجزار ومحمود المسلمي ومحمد الصالح الصيد وهدى الرشيد ومديحة رشيد المدفعي وسلوى جراح وندى المهتدي.
هأنذا عند المبنى العتيق ل”بي بي سي” حيث “هنا لندن” الصوت الذي تخاطب به بريطانيا العالم فيسمعها.
لكنها ليست المرة الأولى مع “البوش هاوس” فقد سبق لي ودخلت المبنى في فبراير من عام ١٩٧٩م. صحبة لفيف من الإعلاميين ضمن برنامج الدورة التدريبية في لندن وكان الجو العربي وقتها مشحونا بزيارة السادات للقدس وبالاستعداد لتوقيع معاهدة السلام مع مناحيم بيجين برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.
وأجيء اليوم في ١٩ مايو ٢٠٢٥م وفلسطين ما تزال الجرح النازف فغزة أبيدت وأهلها بين شهيد ومفقود ومصاب ، ومع ذلك تقاتل وحدها واقفة وبأمعاء خاوية وبلا خيارات سوى النصر أو النصر.
لكن بريطانيا العظمى ما عادت بريطانيا العظمى و”هنا لندن” توقفت وإلى الأبد ، تاركة الليل العربي بلا سُمَّار ، والمشاوير العربية بدون الرقم “702 MW“ على راديوهات السيارات.
والقريض العربي بدون “من القائل وما المناسبة” و”السياسة العربية بلا سائل ولا مجيب” ولم يعد “المستمعون يطلبون ما يريدون “.
أدخل المبنى وقد تحوَّل إلى كلية والباب العتيق ل”البوش هاوس” يدخله الطلاب بقمصان رياضية والطالبات بحقائب تتدلى منها دمى “اللبوبو”.
أنادي بالصوت العالي شيخ الإعلامين الأستاذ ذياب بن صخر صخر العامري أول من نطق “هنا مسقط دار الإذاعة العمانية” فقد جاء إلى “البوش هاوس” مطلع سبعينيات القرن الماضي ليبقى ردحا من الزمن في “البوش هاوس” فكان كبيرا بين الكبار.
ورغم أنه ابتُعِث كمتدرب لكنه جاء ليثري عائلة “البي بي سي” فهو ابن البيت السياسي الذي يضيف كثيرا للسياسة بين السائل والمجيب.
وهو الشاعر الكبير الذي يسعف مقدم “من القائل وما المناسبة” لكيلا يضطر لتقليب الدواوين ، فالشعراء قبيلة العامري ودولته.
وهو المتداخل مع برامج مذيعي ومذيعات القسم العربي والمصحح والناقد.
ألتمس من رجل الأمن بالكلية بأن يسمح لي بالتجوال لأسائل الرخام عن خطوات الإذاعي الكبير الأستاذ حسن بن سالم الفارسي أفضل صوت إذاعي في عمان ودول المنطقة وقد أمضى طوال العام ١٩٧٦م.في “البوش هاوس” صحبة الإعلاميين الرواد الأساتذة محمد بن سيف الغافري ومحمد بن عبدالله اليافعي ومحمد بن احمد الرواس.
وعاود الأستاذ الفارسي المجيء ليستكمل المهمة التدريبية التخصصية في “البوش هاوس” عام ١٩٩٠م لشهر آخر فأضافت له وأضاف للمحيط حوله الكثير.
وتتحدث سيرة المبنى عن أنه شُيِّد بأموال أمريكية وكان في الأساس لغرض استخدامه كمركز تجاري.
وقد صُنِّفَ المبنى وقت افتتاحه بأنه الأهم في العالم.
واختير تاريخ الرابع من يوليو ١٩٢٥م ذكرى استقلال أمريكا موعداً لافتتاحه ليرمز المبنى على العلاقات المتنامية بين القارة العجوز والعالم الجديد.
ومن المؤسف أن الاحتفال بافتتاح “البوش هاوس” كان تحت رعاية “اللورد بلفور” صاحب الوعد المشؤوم المعروف بوعد بلفور الذي أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق.
وشغلتْ هيئة الإذاعة البريطانية المبنى عقب افتتاحه بفترة قصيرة.
وما يعنيني من “البوش هاوس” هو القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية الذي انطلق في الثالث من يناير عام ١٩٣٨ كأول قسم أجنبي لهيئة الإذاعة بنشرة أخبار قرأها لأول مرة الإذاعي الأستاذ أحمد كمال سرور.
لكن ظهيرة الجمعة السابع والعشرين من يناير عام ٢٠٢٣م كانت لحظة مؤلمة لموت الشغف بتحريك مؤشر الراديو الذي أدْمَنَ التوقف عند “MW 702” ففيها أنهى القسم العربي ٨٧ عاما من الجمال.
وفقدتْ الأذن العربية سميراً رائعا رغم ارتباط السمير بدولة ذات تاريخ غير مشرف مع القضايا العربية.
لكن العربي بوعيه كان يأخذ من “هنا لندن” ما يريد ويدع ما لا يريد.
وكان “يفلتر” السم ليبقي الدسم.
ولأكثر من ثمانية عقود كانت “هنا لندن” مصحفا مرتلاً بأصوات أشهر المقارئ العربية.
وكانت ديوان العرب ، ومجمعا لأسلاف الموصلي وزرياب وكوكب الشرق ومحمد عبدالوهاب.
وكانت موسوعتهم المعرفية في السياسة والعلم والاختراع.
لقد تصرَّمَ كل شيء وهأنذا أمشي في شارع “ملبورن” المجاور للمبنى وفي ذهني ذلك السمائلي الذي ثبَّتَ “زورة” عالية في سطح بيته وأوصلها بسلك ليعمل كهوائي يخترق به جبل “الصافح” في “غيل الدك”
لأجل هنا لندن.
ولأجل أن يحدث نابتة المكان عن جمال عبدالناصر و”أنطوني إيدن” و”مبادرة وليام روجرز” وكل الأسماء التي كانت براقة يومها ، وكان وقعها على الأسماع برنين استثنائي في حارة تبدأ صباحها بصليل “السفن على الموقعة” وفحيح طاحونة القهوة وتنقلات الخوص بين الأصابع ل”سُفَّةِ جْراب” لم تكتمل.
لقد أعلنتْ “بج بن” تمام الواحدة ظهرا فتوقف البث للأبد.
حمود بن سالم السيابي
لندن في ٢١ يونيو ٢٠٢٥م























