في زمنٍ كانت فيه الكلمة تُسابق الريح بلاغة، وتُحاكي الأزهار جمالاً، وُلد فن أدبي فريد جمع بين روعة السرد وبهاء البلاغة، فكان لوحة تتبارى فيها الحكمة والفكاهة، والنقد والترفيه، إنه فن المقامات، ذلك العالم الساحر حيث تتحول اللغة إلى نسيجٍ من الذهب، وحيث تختفي الحقائق وراء أستار السجع المتلألئ، ليُطلّ علينا البطل المخادع بحيلته، والراوي بشغفه، وكأنما نحن في مجلس أدبي تتناثر فيه الحكايات مثل أزهار الربيع.
المقامات، ذلك الجنس الأدبي الذي أبدعه بديع الزمان الهمذاني ثم أتقنه الحريري، لم يكن مجرد سرد لحكايات طريفة، بل كان مرآة لعصرهما، تُظهر براعة الكاتب في التلاعب باللغة، وذكاء البطل في اجتياز المصاعب، وسخرية لاذعة من تناقضات المجتمع. فهي حيث يمتزج اللفظ الرشيق بالمعنى العميق، وحيث تُخفي المتعة الظاهرة حكمة خفية، وكأن الكاتب يقول لنا: “هاكم جمال الكلام، فاقرؤوا بين السطور!”
في هذه الرحلة، سنسبر أغوار هذا الفن البديع، نستكشف كيف حوّل الهمذاني المقامةَ من مجرد حكاية إلى نقد اجتماعيٍ لاذع، وكيف صاغ الحريري كلماته كأنما ينظم عقداً من الجواهر، حتى غدت مقاماته متعة للعقل والروح معاً، فتعالوا نفتح باب هذا القصر اللغوي الفسيح، حيث كل مقامة بوابة إلى عالم من الإبداع لا ينضب.
وفي عالم الأدب العربي، يبرز فن المقامات كواحد من أبرز الأجناس النثرية التي جمعت بين السرد القصصي والبلاغة اللفظية، حيث تتداخل الحكمة مع الفكاهة، والنقد الاجتماعي مع المتعة الفنية. والمقامة لغةً تعود إلى الجذر “ق و م” الذي يحمل معاني القيام والحضور والموقف، مما يعكس طبيعتها القائمة على تصوير المواقف والحالات الإنسانية في قالب قصصي. أما اصطلاحاً، فالمقامة عمل أدبي نثري مسجوع، يعتمد على حبكة محكمة وشخصيات ثابتة، يتميز بطلها بالدهاء والحيلة، ويسرد أحداثه راوٍ معين، لتقديم رؤية نقدية أو فكرة أدبية في إطار مشوق مليء بالمفارقات الذكية والصنعة اللفظية.
لقد ارتبط هذا الفن باسميْ عملاقين من عمالقة الأدب العربي، حيث أرسى بديع الزمان الهمذاني دعائمه في القرن الرابع الهجري، ثم جاء الحريري في القرن الخامس ليطور هذا الفن ويرتقي به إلى آفاق جديدة من الإتقان اللغوي والبلاغي. وتكمن عبقرية المقامة في قدرتها على الجمع بين المتعة الفنية والعمق الفكري، حيث تقدم للقارئ لغة مشرقة تزخر بالمحسنات البديعية، مع رسم صورة حية للمجتمع بكل تناقضاته، مما يجعلها مرآة عاكسة لروح العصر الذي كتبت فيه، ووثيقة أدبية واجتماعية لا تقدر بثمن.
كما شهد الأدب العربي في العصر العباسي ازدهاراً لافتاً للأنواع النثرية، وكانت المقامات من أبرز هذه الأجناس الأدبية التي تبلورت في القرن الرابع الهجري. يعود الفضل في نشأة هذا الفن الأصيل إلى بديع الزمان الهمذاني (358-398هـ) الذي أبدع أول مجموعة مقامات عرفها الأدب العربي، حيث مزج بين السرد القصصي والبلاغة اللفظية في قالب فريد. جاءت مقامات الهمذاني تعبيراً عن روح العصر وثقافته، فجمعت بين الفكاهة والنقد الاجتماعي، معتمدة على شخصية أبي الفتح الإسكندري ذلك البطل الماكر الذي يجوب البلدان بحيله ودهائه.
ثم تطور هذا الفن على يد أبي محمد القاسم الحريري (446-516هـ) في القرن الخامس الهجري، حيث أضفى على المقامات طابعاً أكثر تعقيداً من الناحية اللغوية والبديعية، مع الحفاظ على الإطار العام للفن. وقد تميزت مقامات الحريري ببراعة الصياغة وإتقان السجع، مما جعلها نموذجاً يحتذى في البلاغة العربية. وقد ظهر هذا التطور جلياً في شخصية الحارث بن همام التي حلّت مكان أبي الفتح الإسكندري، مع الحفاظ على الطابع الأساسي للبطل المتجول الذكي.
وانتشر فن المقامات بعد ذلك في مختلف الأقطار العربية، فتأثر به العديد من الأدباء الذين حاولوا محاكاة الهمذاني والحريري، مثل مقامات الزمخشري والسرقسطي. كما ترك هذا الفن أثره الواضح على الآداب الأخرى، حيث يمكن تلمس تأثيره في بعض النماذج الأدبية الأوروبية مثل الرواية البيكارسكية الإسبانية. وقد حافظت المقامات على مكانتها في التراث العربي كواحدة من أرقى التجارب النثرية التي جمعت بين الإمتاع الفني والإفادة الفكرية، وظلت حتى اليوم موضوعاً للدراسة والتحليل، شاهدةً على عبقرية الأدب العربي وقدرته على الإبداع والتجديد.
من هنا، برز في سماء فن المقامات نجوم ساطعة أبدعوا في صياغة هذا اللون الأدبي الفريد، حيث يتربع على عرشه الأديب العبقري بديع الزمان الهمذاني (358-398هـ) الذي يعتبر المؤسس الحقيقي لهذا الفن، فقد أبدع حوالي أربعمئة مقامة -لم يصلنا منها سوى اثنتين وخمسين- تميزت بالحيوية والطرافة، وجسّدت من خلال شخصية أبي الفتح الإسكندري صورة الإنسان الذكي الذي يعتمد على الحيلة والبلاغة في مواجهة ظروف الحياة. ثم يأتي أبو محمد القاسم الحريري (446-516هـ) ليرتقي بالمقامة إلى ذروة الكمال الفني، حيث حولها إلى لوحة بديعة من السجع المتناغم واللغة المتألقة، مع الحفاظ على الإطار العام للفن من خلال شخصية الحارث بن همام.
ولا يمكن إغفال دور أدباء آخرين ساهموا في إثراء هذا الفن، مثل أبو نصر أحمد بن الحسين الزمخشري (467-538هـ) صاحب المقامات الزمخشريّة التي تميزت بطابعها التعليمي، وأبو طاهر محمد بن يوسف التميمي السرقسطي (ت. 538هـ) الذي أبدع في مقاماته باللغة العربية الفصحى رغم أصوله الأندلسية. كما برز ابن نباتة المصري (686-768هـ) في العصر المملوكي بمقاماته التي حاكى فيها أسلوب السابقين. وقد ظل تأثير هذه النماذج الإبداعية ممتداً عبر العصور، حيث حاول العديد من الأدباء المحدثين إحياء هذا الفن العريق، مؤكدين على قدرته الفائقة على التكيف مع مختلف العصور والثقافات.
بالتالي، تتجلى أهمية دراسة المقامات في كونها تمثل ظاهرة أدبية فريدة تختزل عبقرية التراث العربي في المزج بين السرد القصصي والصنعة البلاغية والرصد الاجتماعي. فهذا الفن العريق لا يقتصر على كونه مجرد نصوص مسجوعة للتسلية، بل يشكل مرآة نقدية عاكسة لتحولات المجتمع الإسلامي في العصور الوسطى، حيث تلتقي براعة الأسلوب مع عمق الرؤية.
كما تمثل المقامات مختبراً حياً لدراسة تفاعل اللغة مع المجتمع، فمن خلال حيل أبي الفتح الإسكندري أو مغامرات الحارث بن همام، نكتشف كيف تحولت البلاغة إلى أداة للكشف عن تناقضات الواقع الاجتماعي. كما تقدم لنا نموذجاً رفيعاً للكتابة الإبداعية التي تزاوج بين متعة الحكاية ودهشة الانزياح اللغوي، حيث تتحول المفردات إلى كائنات حية تتراقص في تناغم بديع بين السجع والجناس والطباق.
في المقامات نجد أيضاً وثيقة أنثروبولوجية تكشف عن أنماط العيش وأنساق التفكير في العصر العباسي، من خلال تصويرها الدقيق لطبائع الناس وعاداتهم. وهي فوق هذا كله تظل مدرسة لغوية متكاملة تعلّمنا كيف يمكن تحويل الكلمات إلى عوالم ساحرة، وكيف تتحول اللغة من أداة اتصال إلى فن قائم بذاته، مما يجعل دراستها ضرورة لكل باحث في التراث العربي، وكل مهتم بتفاعل الأدب مع الحياة.
وقد برز فن المقامات في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) كنتاج طبيعي للحياة الثقافية الزاخرة في العصر العباسي، حيث مثلت تحولاً نوعياً في النثر العربي التقليدي. جاءت ولادة هذا الفن في فترة شهدت ازدهاراً غير مسبوق في الحركة الأدبية والعلمية، مع بروز ظاهرة المجالس الأدبية التي كانت تحتفي بالبلاغة والبراعة اللغوية. في هذا المناخ الثقافي الحافل بالتنافس الإبداعي، حيث كانت البلاطات تتبارى في استقطاب الأدباء والشعراء، وجدت المقامات تربة خصبة للنمو، خاصة مع تنامي الطبقة المتعلمة وانتشار ظاهرة الرواة والحكائين.
لم تكن نشأة المقامات منعزلة عن التحولات الاجتماعية الكبرى التي شهدتها الدولة العباسية، فقد مثلت استجابة أدبية للتناقضات الطبقية الحادة التي سادت المجتمع، حيث صورتها من خلال شخصية البطل المتنقل بين المدن، الذي يعتمد على ذكائه اللغوي أكثر من اعتماده على مركزه الاجتماعي. كما تأثر هذا الفن بالتفاعل الحضاري مع الثقافات الأخرى، خاصة الفارسية، حيث يمكن تلمس بعض التشابه بين المقامات ونمط “المقامات” الفارسية القديمة، وإن كان العرب قد طوروا هذا الشكل وأضفوا عليه طابعهم الفريد المتمثل في التركيز على الصنعة اللفظية والسجع المتناغم.
وفي أحضان بغداد الذهبية، حيث كانت الثقافة تتنفس بأجنحة واسعة، ولدت المقامات كزهرة متفتحة في حديقة الأدب العربي. لم تكن هذه الولادة اعتباطية، بل جاءت ثمرة لعناصر متشابكة شكلت نسيجها الفريد. تركت الحكايات الشعبية والأسمار التي كانت تروى في الأندية والمجالس بصماتها الواضحة على هذا الفن الجديد، حيث تحولت الحكاية العابرة إلى عمل فني محكم، يحمل في طياته حكمة وفكاهة، ويلتقط أنفاس الحياة اليومية ببراعة فائقة.
لم تكن الثقافة العربية وحدها صانعة هذا الفن، فقد حملت رياح الشرق معها نفحات من الثقافة الفارسية بثرائها القصصي، والإرث الهندي بحكمته البليغة، فامتزجت هذه المؤثرات بالذائقة العربية لتنتج شكلاً أدبياً مدهشاً. وكان للمجالس الأدبية التي انتشرت في القصور ودور الأعيان دور حاسم في صقل هذا الفن، حيث تحولت إلى ساحات تنافسية يتبارى فيها الأدباء في إظهار براعتهم اللغوية ومواهبهم السردية.
وإذا كان الهمذاني قد أرسى الدعائم الأولى للمقامات بلمسته العفوية وأسلوبه الساخر، حيث جعل من أبي الفتح الإسكندري رمزاً للذكاء الشعبي والمرونة في مواجهة الحياة، فإن الحريري جاء ليرفع هذا الفن إلى آفاق جديدة من الإتقان اللغوي، محوّلاً المقامة إلى لوحة فسيفساء من السجع المتناغم والصور البلاغية المبهرة. لقد حفظ لنا التاريخ هذين العملاقين كوجهين لعملة واحدة، الأول أبدع الروح والثاني أتقن الشكل، معاً نسجا أغنى تراث نثري عرفه الأدب العربي على الإطلاق.
وفي قلب القرن الرابع الهجري، حيث كانت الثقافة العربية تبلغ ذروة تألقها، برز نجم بديع الزمان الهمذاني كشهاب مضيء في سماء الأدب. ولد في همذان عام 358هـ، تلك المدينة التي وهبته اسمها وأعطته من روحها، ليرتحل بعدها بين حواضر العالم الإسلامي حاملاً في جعبته موهبة فريدة جمعت بين حدّة الذهن وسعة الثقافة. لم تكن حياته الطويلة رغم قصرها مجرد سنوات عابرة، بل كانت رحلة إبداعية حافلة حوّلت النثر العربي من مجرد أداة اتصال إلى فن قائم بذاته.
عاش الهمذاني في زمن كانت فيه اللغة العربية تتنفس بأعذب ما لديها، فشرب من معينها حتى ارتوى، ثم أبدع أسلوباً جمع بين سلاسة التعبير وعمق المعنى. لم يكن مجرد كاتب، بل كان ساحراً يحوّل الكلمات إلى عوالم ساحرة، حيث تتدفق الجمل في نسيج متسق كخرز المسبحة، كل كلمة فيها تختزل عالماً من الدلالات. تميز أسلوبه بالحيوية والطرافة، فجاءت مقاماته كمرآة تعكس تناقضات المجتمع بلمسة ساخرة، تخلط الجد بالهزل، والحكمة بالفكاهة.
وكانت شخصيته الأدبية كالنهر الجاري، لا تعرف الجمود، فمن همذان إلى نيسابور، ومن جرجان إلى هراة، حمل معه روح المغامرة الأدبية، ليترك في كل مكان حلّ به بصمة لا تمحى. لم يكتب الهمذاني مقاماته من برج عاجي، بل نزل بها إلى الشارع، فجعل من أبي الفتح الإسكندري ذلك البطل الشعبي الذي يجوب الطرقات، يحاور الناس بلغتهم، ويعيش همومهم بأسلوب لم يسبقه إليه أحد. وهكذا تحولت حياته القصيرة إلى إرث طويل، ظل ينبض بالحياة عبر القرون، شاهدا على عبقرية لم تتكرر.
وفي عالم مقامات الهمذاني، تنبض الحياة بكلمات تصنع عالماً قائماً بذاته، حيث تنساب الحكايات كالنهر الجاري بين ضفاف الفن والواقع. بنى الهمذاني مقاماته على أساس متين من الوحدة الفنية، فكل مقامة لوحة مكتملة تحكي قصة مستقلة، لكنها تشترك في خيط رفيع يربطها بغيرها من خلال شخصية أبي الفتح الإسكندري، ذلك البطل الماكر الذي يظهر في كل مرة بوجه جديد، كأنما يعيد تشكيل نفسه مع كل مقامة، حاملاً في ثناياه تناقضات المجتمع وصراعاته. الحبكة عنده ليست مجرد سرد للأحداث، بل هي رقصة ذكية بين الظاهر والباطن، حيث تبدأ الأمور بشكل عادي لتنتهي بمفاجأة تكشف عن براعة السارد وعمق الرؤية.
كما تتجلى عبقرية الهمذاني في لغته التي تشبه الحرير في نعومته، حيث يصهر السجع في بوتقة البلاغة دون أن يفقد النص حيويته وسلاسته. إنه يكتب وكأنه يحدثك، لا يتعالى بكلماته، لكنه في الوقت نفسه لا يفرط في أدواته الفنية، فيصنع من الكلام العادي متعة للذهن والأذن معاً. لم تكن مقاماته مجرد تسلية للعقول، بل كانت سكاكين حادة تقشر قشرة المجتمع لتكشف عن تناقضاته الكامنة، تنتقد بذكاء، وتسخر بلطف، وتكشف بقسوة أحياناً.
في “المقامة المضيرية” يصور لنا حفلة سمر تتحول إلى مأساة، وكأنما يريد أن يقول إن وراء كل بهجة حزناً يختبئ. أما “المقامة الأسدية” فتكشف عن دهاء البطل في الخروج من المآزق، وكأنها رسالة مفادها أن الكلمة قد تكون أقوى من السيف. كل مقامة عند الهمذاني هي عالم قائم بذاته، يحمل في طياته درساً إنسانياً، وصورة اجتماعية، ومتعة فنية تظل عالقة في الذهن كعطر لا يتبدد.
وفي منعطف القرن الخامس الهجري، حيث كانت اللغة العربية تبلغ ذراها في التطور والثراء، برز القاسم بن علي الحريري كأحد أعظم من نحتوا صرح الأدب العربي. ولد في البصرة عام 446هـ، تلك المدينة التي اشتهرت بعلمائها وأدبائها، فتشرب منها علوم اللغة والأدب حتى امتلك ناصيتها. لم يكن الحريري مجرد تلميذ في مدرسة الهمذاني، بل كان فناناً أضاف لبنات جديدة على هذا الصرح، محولاً المقامة من فن يعتمد على السرد والمفارقة إلى تحفة لغوية تتبارى فيها الكلمات في دقة السبك وجمال التركيب.
لقد عاش الحريري في عصر بلغت فيه الصنعة الأدبية أوجها، فجاءت مقاماته تعبيراً عن هذا التطور، حيث حوّل النص الأدبي إلى لوحة فسيفسائية تزخر بالمحسنات البديعية والصور البلاغية. كانت بصمته واضحة في تطوير البنية الفنية للمقامة، حيث أضفى عليها طابعاً أكثر تنظيماً، مع الحفاظ على الإطار العام الذي وضعه الهمذاني. شخصية الحارث بن همام في مقاماته لم تكن مجرد نسخة عن أبي الفتح الإسكندري، بل كانت تجسيداً جديداً للبطل المقامي، أكثر عمقاً وتعقيداً، يحمل في ثناياه روح العصر الجديد بكل ما فيه من تطور وتناقض.
وأبدع الحريري في جعل اللغة نفسها موضوعاً للفن، فجاءت مقاماته أشبه بمعرض للبراعة اللغوية، حيث تتبارى التراكيب في الدقة والجمال، دون أن تفقد النص حيويته أو عمقه الفكري. كان دوره في تطوير فن المقامة أشبه بصانع المجوهرات الذي يحول الأحجار الكريمة إلى قطع فنية تخطف الأبصار، فجعل من كل مقامة عالماً قائماً بذاته، يضم بين دفتيه روعة اللفظ وعمق المعنى، ليكون بذلك قد رفع هذا الفن إلى مصاف أرقى ما أنتجه العقل العربي من إبداعات نثرية.
وبين يدي الأدب العربي عملاقان أبدعا في فن المقامات، كل منهما بمذاقه الخاص وطابعه الفريد. فإذا كان الهمذاني قد أرسى اللبنات الأولى بمقاماته العفوية التي تتدفق كالنهر الجاري، جاء الحريري ليرصع هذا البناء بلمسات فنية أخّاذة. ينضح أسلوب الهمذاني بالحيوية والتلقائية، كأنما يسرد الحكايات على عجل، يلقيها كما تخرج من القلب دون تكلف أو تصنع، بينما يقف الحريري عند كل كلمة وكأنه صائغ يقلب الجوهرة بين يديه حتى تبلغ كمالها.
كما تتجلى شخصية الهمذاني في نبرته الساخرة التي تفضح تناقضات المجتمع بلا مواربة، فمقاماته أشبه بمرآة عاكسة لواقع الحياة بكل ما فيها من غرائب وعجائب. أما الحريري فجعل من اللغة نفسها موضوعاً للفن، يحلق في سماوات البلاغة، ويسبح في بحور السجع المتناغم، حتى غدت مقاماته أشبه بأنغام موسيقية تتراقص فيها الكلمات. لم يهمل الحريري الجانب الاجتماعي، لكنه أخفاه تحت طبقات من الزخرفة اللفظية، بينما واجهه الهمذاني مباشرة بجرأة لا تعرف التردد.
وفي المقامات الهمذانية نجد التنوع الموضوعي بكل وضوح، من النقد الاجتماعي إلى الترفيه الذهني، مروراً بالحكمة والتأمل. بينما يبدو الحريري أكثر تركيزاً على إبراز البراعة اللغوية، حتى لو جاء ذلك على حساب تنوع المضامين. وكأنما أراد الأول أن يخاطب القلب والعقل معاً، بينما اتجه الثاني ليخاطب الذوق الفني والوجدان الجمالي. هكذا يكمل العملاقان بعضهما، ليقدما للقارئ صورتين متكاملتين لفن المقامات، تختلفان في الشكل، لكنهما تلتقيان في العمق والجمال.
وفي رحاب فن المقامات، نجد أنفسنا أمام عوالم سردية تتداخل فيها الأبعاد الفنية والاجتماعية ببراعة فائقة. شخصية الحارث بن همام عند الحريري ليست مجرد اسم يتكرر، بل هي رمز متجدد يعبر عن الإنسان الباحث عن لقمة العيش في زمن مليء بالتناقضات، تماماً كما كان أبو الفتح الإسكندري عند الهمذاني مرآة لعصره. هذه الشخصيات الثابتة التي تتنكر بأشكال مختلفة تمنح المقامات وحدة عضوية رغم تعدد موضوعاتها، وكأن الكاتب يخبرنا أن الأبطال قد يتغيرون ولكن الحكاية تبقى واحدة.
وتتحول اللغة في المقامات إلى كائن حي ينبض بالجمال، خاصة في المقامة الرصافية حيث تبلغ العبارات ذروة إشراقها، فالسجع لا يقتصر على كونه زينة لفظية، بل يصبح أداة فنية تكشف عن إيقاع الحياة نفسه. هذا الإبهار البلاغي لم يكن غاية في ذاته، بل وسيلة ذكية للجمع بين التعليم والتسلية، حيث يقدم الكاتب حكمته مغلفة بسحر الكلمات، فيمسك بخيوط القارئ الفكرية والعاطفية معاً.
لم تقف تأثيرات هذا الفن عند حدود الزمان والمكان، فبينما نجد صداه واضحاً في “التوابع والزوابع” لابن شهيد الأندلسي، نلمس أيضاً تأثيره الخفي على بعض الأشكال السردية الأوروبية. البنية الحكائية للمقامات تقوم على ثنائية مثيرة بين الراوي الذي يروي والبطل الذي يعيش المغامرة، مع نهايات مفتوحة تترك للقارئ مساحة للتأمل، وكأن الحياة نفسها لا تعرف النهايات المطلقة.
كما تتجلى الأبعاد النقدية في كيفية تعامل المقامات مع قضايا المجتمع، فالنقد هنا لا يأتي مباشرة، بل من خلال المواقف الساخرة التي تكشف زيف الأدعياء وتناقضات الواقع. الفرق بين الهمذاني والحريري ليس فرق جودة بل فرق رؤية؛ الأول مثل رسام كاريكاتير يبالغ في الملامح لكشف الحقيقة، والثاني مثل مصور دقيق يلتقط التفاصيل ببراعة فنية.
اليوم، ورغم تغير أشكال السرد، تبقى المقامات شاهداً على قدرة الأدب العربي على ابتكار أشكال تعبيرية تجمع بين العمق والجمال. ربما لم يعد فن المقامات مزدهراً كما كان، لكن روحه مازالت حية في كل قصة قصيرة تجمع بين الإمتاع والتأمل، في كل عمل أدبي يبحث عن الجمال دون أن يغفل عن الحقيقة. هذه هي عبقرية المقامات التي تتجاوز حدود الزمان، لتظل نموذجاً للإبداع الذي يلامس الجوهر الإنساني في كل العصور.
عبدالعزيز بن بدر القطان / كاتب ومفكر – الكويت.
