يتربع مهرجان خريف ظفار على قائمة المهرجانات العربية والإقليمية الأكثر حضورا، لاسيما في هذه الفترة من العام التي تكتسي فيها جبال وسهول ظفار باللون الأخضر الزاهي، فقد بلغ عدد السياح، وفق إحصائيات عام 2024م، ما يقارب مليون ومئة ألف سائح، مع توقّعات بنمو هذا الرقم خلال العام الجاري بنسبة تتراوح بين 6% و10%، وذلك في ضوء الحراك السياحي المتوقع في المحافظة هذا الموسم، هذا الرقم الذي يعيدنا إلى قراءة المشهد حول ما تمثله المحافظة من فرص استثمارية واعدة يتطلب العمل على توظيفها واستثمارها بشكل مدروس تكون الأولوية فيها لمؤسساتنا الوطنية وأبناء الوطن.
خلال السنوات الماضية شهدت المحافظة مرحلة مهمة من التطوير والتحديث، سواء على مستوى الأفكار أو التوجهات أو الرؤى، مما ساهم في تسويق المهرجان إقليميا ودوليا. يضاف لذلك اهتمام الحكومة بالاستثمار في البنية التحتية، من خلال رفع مستوى الخدمات، وتهيئة الطرق، وتوفير مرافق سياحية متنوعة أصبحت في هذا التوقيت أكثر حضورا وانسجاما مع متطلبات المجتمع والسائح والزائر، وهو ما أوجد منتجا سياحيا جاذبا وذو طابع نوعي متفرد في تنوعه وخصوصيته.
من هنا تبرز أهمية الاستفادة من هذا الحراك، بما يحقق عوائد مالية مباشرة على المؤسسات، والأفراد، والمجتمع ككل، مع ضرورة تحفيز الأفراد والمؤسسات الوطنية على الاستغلال الأمثل لهذه المقومات والفرص، وهذا بطبيعة الحال يتطلب من الجهات المختصة تشجيع الشركات الوطنية، والشباب العماني، خاصة أبناء محافظة ظفار، على إقامة مشاريعهم الخاصة والاستفادة من العوائد المادية المتوقعة، والتي تشير التقديرات إلى أنها قد تصل إلى نحو 120 مليون ريال عماني، وهو رقم مرشح للنمو في ظل النشاط التجاري والاستثماري المتزايد، وتوقعات بارتفاع أعداد السياح خلال المرحلة القادمة.
إلا أن ما يلاحظ، وبوضوح، أن المستفيد الأكبر من هذا الحراك هي الأيدي العاملة الوافدة التي تحتكر أغلب الأنشطة التجارية والسياحية، مما ينعكس على حجم الفاقد في العوائد المتوقعة للمهرجان لصالح الأفراد والمؤسسات الوطنية، وذلك بالمقارنة مع حجم الإنفاق السياحي المسجل سنويا. وهذا يتطلب إعادة دراسة الوضع وتقييم المرحلة الحالية، حتى نتمكن بالفعل من توظيف مهرجان خريف ظفار، والحراك السياحي والاقتصادي الذي تشهده المحافظة، لصالح أبناء الوطن، خاصة الباحثين عن عمل. كما تبرز الحاجة إلى تحفيز الشباب على الدخول في المجال التجاري عبر مشاريع مجدية ومربحة، فتمكين الشباب العُماني، وتحديدا أبناء المحافظة، من الدخول في معترك العمل التجاري والاستثماري، بات ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل.
هناك جهود كبيرة تتطلب تضافر جميع المؤسسات والأفراد، للدفع بأبناء المحافظة إلى الولوج إلى سوق العمل، ليس فقط خلال موسم المهرجان، بل على مدار العام فما تتمتع به المحافظة من ثروات طبيعية، وموقع جغرافي استراتيجي مطل على طرق التجارة الدولية، إضافة إلى مناخها الفريد، يشكل بيئة خصبة لمشاريع يمكن أن تكون عصبا اقتصاديا حقيقيا، لا لمحافظة ظفار فقط، بل للاقتصاد الوطني عمومًا. ويأتي مهرجان خريف ظفار ليجسد هذه الرؤية، إذ لم يعد مجرد فعالية سياحية، بل نافذة حقيقية تطل من خلالها سلطنة عمان على العالم.
استثمرت الدولة خلال السنوات الماضية مليارات الريالات العُمانية في بنية تحتية متقدمة شملت الطرق والمطارات والموانئ والخدمات السياحية، وتهيئة مناطق الجذب. هذه الاستثمارات لم تنجز من أجل موسم مؤقت أو حدث سنوي، بل جاءت في سياق رؤية استراتيجية تنظر إلى ظفار كمحور حيوي في التنمية المستدامة، ما يحتم علينا جميعا كجهات حكومية وخاصة وأفراد أن نعمل على تفعيل هذه الإمكانات وتحويلها إلى مشاريع واقعية تحدث أثرا اقتصاديا ملموسًا.
من المهم اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، أن نعيد رسم المشهد الاستثماري في ظفار، ليس بمنظور تقليدي، بل برؤية تعتمد على استشراف المستقبل، والاستفادة من التحولات العالمية في الاقتصاد والسياحة المستدامة، والسعي إلى جذب الاستثمارات النوعية التي تعزّز تنافسية المحافظة، وتضمن استدامة النمو، وتحقيق التنمية المتوازنة بين مختلف ولاياتها.
مصطفى المعمري
كاتب عماني

