يطرح قرار عدم تمديد منفعة الأمان الوظيفي الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام حول ماذا كان يراد من منظومة الحماية الاجتماعية والمنافع التي أوجدتها، وماذا بقي لهذه المنظومة من حضور مجتمعي في ظل غياب تمديد منفعة الأمان الوظيفي وغياب منفعة الباحثين عن عمل والتي تمثل أهم المرتكزات والتحديات والمقلقات في ظل ما باتت تشكله ملفات التسريح من العمل والباحثين عن عمل من رقم صعب وحضور فاعل في المشهد العماني، حيث يزيد عدد من تشملهم المنفعة على (17) ألف مواطن، والتداعيات والمخاطر التي قد تنتج عنها على مختلف الأصعدة، حتى أصبح موضوع الأمان الوظيفي على رأس الموضوعات التي حظيت باهتمام المواطنين جميعهم نظرا لمشهد وجود باحث عن عمل أو مسرح من عمله في كل بيت عماني الأمر الذي أوصل هذا الموضوع إلى الترند في منصة “أكس”. وجاءت ردود الفعل من المواطنين المسرحين وغيرهم من الباحثين عن عمل الذين يجري بهم قطار العمر بلا توظيف رغم ارتفاع أعداد الوافدين إلى أكثر من مليوني وافد تشكل القطاعات الاستراتيجية والوظائف العليا والإدارية والهندسية النصيب الأكبر منها؛ جاءت مشحونة بحالة من اليأس وعدم الرضا ، وجاء قرار عدم التمديد بمثابة صرخة في وجه العدالة وصدمة للمسرحين من أعمالهم، الذين لم تتاح لهم أي فرصة عمل مثبتة في العمل اللائق والعادل والمحترم الذي يتقارب إلى حد ما مع المهام الوظيفية السابقة للمسرّح عن عمله ، ولذلك، كانت ردود الأفعال سلبية، تعبر – كما يشير المسرحين – عن استهتار بحق المواطن في العيش الكريم، وفي العمل والوظيفة التي تعد من الثوابت التي يجب على الدولة توفيرها للمواطن، ضمن أطر عادلة وواضحة يتنافس فيها الجميع بفرص متكافئة. ما يؤكد على أن هذا القرار مزاجي تعسفي وغير مدروس ولا يعبر عن الغاية الكبرى التي وجدت من أجلها منافع منظومة الحماية الاجتماعية باعتبارها مظلة وطنية لحماية المواطن والاعلاء من شأنه ومساعدته في التعامل مع الظروف الصعبة، كما يتقاطع مع التوجيهات السامية لجلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه ودعوته لمجلس الوزراء ومؤسسات الدولة إلى الوقوف مع المواطن والاستماع إليه ودراسة أوضاعه المعيشية وتوفير كل أسباب العيش الكريم له في إطار من الحق والعدل والمساواة.
والغريب في الأمر أن قرار عدم تمديد المنفعة جاء في ظل معطيات إيجابية تعيشها موازنة الدولة، وإيجابية المؤشرات الاقتصادية التي يفترض أن تتجه بالفائض إلى تعظيم البعد الاجتماعي والاستحقاقات الوطنية خاصة ما يتعلق بالتوظيف والتسريح والتشغيل والمنافع الاجتماعية بينما جاء القرار على غير التوقعات؛ ما يؤكد وجود فجوة في السياسات والممارسات وأن توجيه المال وإدارته بحاجة اليوم إلى رؤية أعمق ترفع من سقف التغيير الإيجابي الذي يستهدف المواطن، لذلك يتساءل الكثيرون: لماذا لا تعيد الحكومة رسم إطار جاد لمنظومة التوظيف والتشغيل في إطار مسار الإحلال الجاد للقوى العاملة الوطنية مكان القوى العاملة الوافدة؟ خصوصًا وأن القرار جاء في وقت تشير فيه المؤشرات الاقتصادية إلى وجود فائض في الموازنة العامة للدولة. وهنا نطرح تساؤلات مشروعة في السياق نفسه: أين يتجه هذا الفائض إن لم يُوجَّه إلى رفع مستوى معيشة المواطن، واحتواء الباحثين عن عمل، والمسرحين من وظائفهم، وبناء المورد البشري العماني الذي يحمل على عاتقه مهمة بناء “عُمان المستقبل”؟ ثم إن كان هناك تخوفا من انعكاسات ذلك على الموازنة والاستقرار المالي رغم ارتفاع أسعار النفط وزيادة حجم التصدير فيه، كما أن دخول الغاز والصناعات البتروكيماوية بات يرفع سقف الفرص، فلماذا لا يعاد النظر في القرارات الجائرة والموازنات التي تدفع لها خاصة ما يتعلق بإجادة والهبات والمكافآت التي تمنح للمدراء العموم أو كذلك ما يتعلق بالمسابقات الدولية ومهام العمل الخارجية بالاستفادة من إعادة الهيكلة المالية والانفاق في زمن كورونا.
على أن طرح مراجعة غير متكافئة لمنفعة الأمان الوظيفي في التعامل مع تزايد أعداد المسرحين العمانيين من القطاع الخاص يفرض على الحكومة، إن كانت قد سعت من خلال هذا القرار إلى تشجيع المسرحين عن عمل إلى طرق أبواب العمل وعدم التحجج باستلام هذه المنفعة سبيل لهم للركون إلى الدعة والراحة وعدم الجدية في البحث عن عمل، يؤكد الحاجة إلى أن يتجه العمل إلى سد كل الذرائع التي باتت تتخذها الشركات في تسريح القوى العاملة الوطنية من القطاع الخاص ، والوقوف على حالة التحايل الممنهجة التي تتخذها بعض الشركات في سبيل التسريح، بحجة انتهاء المشاريع التي استوعبت من خلالها المواطنين العمانيين للعمل بها، أو من خلال حالة الإفلاس التي وصلت الشركة إليها ، والصورة الأخرى التي باتت تتعامل بها هذه الشركات بعد تسريح الخبرات والكفاءات العماني التي خدمت في المؤسسة والشركة لسنوات عديدة وتدرجت في المسار الوظيفي والمهني، وحصلت على راتب يزيد عن ألف ريال عماني مثلا، ليتم اتخاذ قرار بإفلاس المؤسسة أو غيرها ليتم تسريح العاملين بها، وتبدأ هذه الشركات باتخاذ مستار آخر في حالة رفع قضية قانونية عليها بمساواة العمال على قبول طلبهم في الانضمام للمؤسسة ولكن براتب يبدأ ب 325 حسب ما أقرته وزارة العمل في فترات سابقة والذي أصبح شماعة لدى هذا الشركات في التعامل مع هذا الموضوع وتشجيع التسريح، وبالتالي إن أرادت الحكومة من قرار عدم تمديد كنفعة الأمان الوظيفي هذه المبررات التي أشرنا إليها أو تقليل الضغط على موازنات صندوق الحماية الذي يفترض أن يدرك ذلك منذ تأسيسه وأن يعي الحاجة إلى موازنات ضخمة في إقرار مثل هذه المنافع- أن يتجه العمل الوطني إلى وقف التسريح نهائيا والبحث عن اطر عمل مشتركة تقوم بها الدولة مع القطاع الخاص ورجال الأعمال في تبني مسار واضح ونهج مقنن في هذه المسألة؛ أما أن يتجه الأمر إلى القاء التهمة على المواطن المسرح بعدم جديته في البحث عن عمل أو وظيفه أو التحاقه بـأي وظيفة مهما كانت وبدون وضع سقف للاختيار والتجديد، فهو أمر غير مقبول ولا يقدم صورة مشرقة لمنظومة الحماية الاجتماعية.
وبالتالي فإن ما يطرحه هذا القرار اليوم من تداعيات وصدمات نفسيه وتأثيرات فكرية ترتبط بمستوى حضور مشاعر المواطن في الجهد الحكومي، وإلى أي مدى تراعي القرارات والتوجهات التي يتخذها صندوق الحماية الاجتماعية ووزارة العمل ، تراعي الابعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية والظروف المعيشية للمواطن، وتحترم لديه هذه الخصوصية، فإن هذا القرار يجب أن يسبقه وجود أطر واضحة تضمن منع التسريح وفتح أفاق وظيفية أوسع وخيارات وبدائل أو حوافز تدعم المواطن المسرح أو تتيح له فرص الانخراط في الوظائف اللائقة والمحترمة والعادلة التاي تتناسب مع طبيعة عمله السابقة أو تقترب منها ، فإن ما يظهر اليوم من انحسار غفي الأنشطة الاقتصادية وضعف في منتوج القطاع الخاص في ظل قلة المشاريع الحكومية التي تسند إلى القطاع الخاص ويجد فيها فرصته لتنشيط دوره وتوفير الوظائف، يؤكد على أهمية إيجاد معالجات جادة للموضوع تتجاوز التفكير السلبي القائم على المنع إلى الخروج خارج الصندوق والبدء بالتفكير في الخيارات والبدائل والفرص التي تمنح المواطن المسرح من عمله أحقية الاختيار من بين بدائل وخيارات وظيفية متعددة، وهو أمر أقرته وزارة العمل كشرط لقبول المسرح عن عمله بذلك وقطع منفع الأمان الوظيفي عنه فلماذا لا نشهد التزام هذه الوزارة بهذا الشرط والاعتراف بقصورها في ضبط استحقاقاته، وأن الكثير من المسرحين لم تعرض عليهم مثل هذه الوظائف وهو ما جاء على لسان رئيس الاتحاد العام لعمال سلطنة عمان ، ذلك أن فرض المواطن على هذه الوظائف التي قد لا تتناسب مع الصورة العامة في المجتمع أو يجد فيها اختزال لمسؤولياته ووظيفته السابقة وارغامه عليها ، كما يروي أحدهم بقوله كنت أعمل في إحدى الشركات في الترجمة والعلاقات العامة نظرا للمؤهل العلمي الذي لدي” ليسانس أداب لغة إنجليزية والترجمة” وبعد تسريحي تم عرض علي وظيفة أقرب إلى المساج والتدليك ” في إحدى المؤسسات الصحية المتخصصة في الشأن الرياضي ” ، أمر يدعو للسخرية ويؤكد غياب المصداقية والشفافية في التعامل مع هذا المكلف ، كما يؤكد غياب التصور المستقبلي والسيناريوهات الاستشرافية لمنظومة الحماية وقدرتها على صناعة الاستدامة في مهامها . تراكمات ومواقف وصرخات وأحداث وهواجس بات يعيشها المسرحين من أعمالهم واقع ينبئ على مستقبل مظلم لمنظومة المنافع، فهل سيصبح التخلي عن “منفعة الأمان الوظيفي” واحدة من سلسلة القرارات التي تعيد المنافع في منظومة الحماية إلى الصفر.
أخيرا يكفي تنميطا واجتهادية واستفزازا وسخرية في التعامل مع مشاعر المواطن وحقوق المسرحين والباحثين، يجب أن يعاد النظر في كل شيء من جديد ، ويجب أن يسبق قرار المنع والقطع والحذف والازالة أن نمتلك الجدية فتكون لدينا الخيارات والفرص والبدائل، وفي قضية قطع منفعة الأمان الوظيفي يجب إيجاد وظائف محاكية للواقع السابق الذي يعيشه المسرح عن عمله، وفتح ساحة للحوار الاجتماعي الوظيفي الجاد والواقعي والصادق بين المسرحين عن عمل والحكومة ممثلة في مجلس الوزراء الموقر، لتمكين المواطن من تقييم وتحليل الوضع الوظيفي الجديد قبل اتخاذ القرار. حينها، ستكون المسألة قائمة على الشراكة والمصارحة والثقة المجتمعية ومراعاة مشاعر المواطن المسرح عن عمله وتراكمات واقعه المعيشي.
د. رجب بن علي العويسي

