العادة الأولى: كن مبادرًا
د. صالح بن عبدالله الخمياسي
يُعد كتاب “العادات السبع للناس الأكثر فعالية” للمؤلف الأمريكي ستيفن آر. كوفي واحدًا من أبرز كتب تطوير الذات التي حققت انتشارًا واسعًا حول العالم. لما لا ؟ و هو وليد بحث معمّق استغرق من مؤلفه أكثر من خمسة وعشرين عامًا، قام خلالها بقراءة ما كُتب عن النجاح في الولايات المتحدة منذ عام 1776، و الاستفادة من الكم الهائل من المعلومات التي جمعها خلال ما نفذه من ورش تدريبية و إستشارات أسرية و حضور في المحافل العلمية و المؤتمرات ليقدّم لنا سبع عادات تغيّر حياة الفرد نحو الأفضل متى جذرها في تعاملاته اليومية. لقد بيع من الكتاب أكثر من ١٥ مليون نسخة و ترجم إلى العديد من اللغات ليتسع نطاق تأثيره و استفاد منه ملايين البشر عبر العالم.

منذ صدور نسخته الأولى عام 1989، ظل هذا الكتاب يحظى باهتمام القراء، والمدربين، والقادة، والباحثين، والمهتمين بالتطوير الذاتي، و أولئك الطامحين في الترقي عبر مساراتهم المهنية، واستُفيد من محتواه في إعداد برامج تدريبية، ومحاضرات، ومواد مرئية ومسموعة و مؤتمرات مما جعله واسع الإنتشار و أدى إلى توظيف العديد من الاقتباسات المستوحاة منه في الكثير من الخطب الملهمة و المحافل الدولية.
قسّم المؤلف كتابه إلى ثلاثة أقسام رئيسة:
الجزء الأول – النصر الشخصي: ويركز على القيادة الذاتية فالتغيير يبدأ من الداخل اولا ، ويضم العادات الثلاث الأولى: كن مبادرًا، ابدأ والنهاية في ذهنك، وقدّم الأهم على المهم
الجزء الثاني – النصر الجماعي: ويعنى بالتفاعل الإيجابي مع الآخرين من خلال ثلاث عادات هي: فكّر بمنطق المكسب للجميع، اسعَ أولًا أن تفهم ثم أن تُفهم، وحقق التآزر.
الجزء الثالث – التجديد المستمر: ويختص بالعادة السابعة اشحذ المنشار التي تركز على التطوير المتوازن جسديًا، وعقليًا، واجتماعيًا، وروحيًا.
في هذا المقال، سأسلّط الضوء على العادة الأولى: كن مبادرًا، هي عادة تقضي بأن يكون الشخص قائدًا لأفعاله وقراراته، لا أسيرًا للظروف أو الآخرين. فاستجابتنا لأي موقف هي اختيار واعٍ، وليست نتيجة حتمية لما يحدث حولنا. فالمبادر هو من يبادر بتحمل المسؤولية و لا يلقي باللوم على الجميع عدا نفسه.
يرى ستيفن كوفي أن سلوك الناس تجاه ما يجابههم من تحديات ينقسمون إلى نوعين:
•المبادر وهو الشخص الذي يركز على ما يمكنه التحكم به ويتصرف وفقا لقيمه ومبادئه.
•الانفعالي و هو الشخص الذي تتأثر ردود أفعاله بالظروف ويلقي اللوم على الآخرين أو الحظ.
لا شك أن الحياة ليست طريقًا مفروشًا بالورود؛ فهي مليئة بالتحديات والعقبات التي تختلف في حجمها وصعوبتها و ظروفها و بالتالي نجد الناس يختلفون في كيفية التعامل مع التحديات التي تواجههم في حياتهم. يلجأ بعض الأشخاص إلى مواجهة هذه التحديات بانفعال، ويلقون باللوم على الظروف أو الحظ و بالتالي يضعون أنفسهم ضحايا تستجدي الشفقة من الغير، بينما يختار آخرون المبادرة وتحمل المسؤولية و يعدون العدة لإيجاد حلول عملية تمكنهم من تجاوزها بل تحويل هذه المِحن إلى فرص للنمو و التميز.
لكي يحقق المبادر هدفه يشير المؤلف إلى وجود دائرتين أساسيتين لابد من أخذهما في الإعتبار هما:
- دائرة التأثير: وتشمل ما يمكن للفرد تغييره أو التأثير فيه، مثل مهاراته، وعاداته، وعلاقاته.
- دائرة الاهتمام: وهي ما يقلق الفرد ولكنه لا يستطيع التحكم فيه، مثل الطقس أو القرارات السياسية.
آخذا في الإعتبار هاتين الدائرتين فإن الشخص المبادر يركز على توسيع دائرة تأثيره، متحليا بحس المسؤولية، وباحثًا عن الحلول، ومتخذًا قرارات مبنية على مبادئ ثابتة. والمبادرة تعني إدارة حياتك بوعي، والتركيز على ما تملك تغييره، والعمل وفق القيم لا الظروف، وهي الأساس الذي تبنى عليه بقية العادات.
من الأمثلة التي تجسد هذه العادة قصة بدرية، التي لم تحصل في الثانوية العامة على درجات عالية تمكنها من دخول الجامعة. شعرت بالحزن، و أخذت تختلق الأعذار و تلقي باللوم على هذا و ذاك. بعد مرور فترة من الوقت وجدت أن مشكلتها لم تحل فقررت ان تودع الإنفعال و الغضب و إلقاء اللوم على الأخرين.
حاولت بدرية شراء جهاز حاسوب لتعلم مهارات جديدة، لكنها لم تتمكن بسبب ضيق الحال و لكنها لم تيأس. لقد عقدت العزم على مواصلتها لتحمل المسؤولية للخروج من ذلك النفق فقررت وأعادت دراسة الثانوية العامة بهدف تحسين معدلها رغم الإحباطات والأصوات المثبطة من حولها فهناك صوتا بداخلها يحفزها للمضي قدما بخطى ثابتة، منظمة وقتها، مستفيدة من خبرات زميلاتها، ومتوكلة على الله.هكذا حققت بدرية هدفها بالمثابرة والإصرار، فالتحقت بجامعة السلطان قابوس، ثم تكللت رحلتها لحصولها على درجةً البكالوريوس في مجال المحاسبة و على إثر ذلك حصلت على وظيفة في إحدى مؤسسات بالقطاع العام.
الان و هي تعيد ذاكرتها للوراء أيقنت أن روح المبادرة لديها هي من صنع من المحنة منحة و حولت ذلك التحدي الذي كادت أن تقع ضحية له مدى الحياة إلى فرصة يجهدها و عزيمتها و إرادتها الصلبة لتحمل المسؤولية.
خاتمة:
اليوم نرى الكثير من القصص الواقعية التي ساهمت روح المبادرة و تحمل المسؤولية من قبل أصحابها في تحويلها إلى قصص نجاح يفتخر بها و يشار إليها بالبنان. قصص تؤكد أن
عادة “كن مبادرًا” ليست مجرد مبدأ نظري، بل أسلوب حياة يصنع الفارق بين من ينتظر الظروف ومن يصنع مستقبله بنفسه. فالمبادرة تمنحك القدرة على قيادة حياتك، وتوسيع حدود تأثيرك، وتحويل التحديات إلى فرص، وهي الانطلاقة الحقيقية نحو النجاح المستدام فانظر في أي الدائرتين ستتموضع. هل ستظل أسيرا لانفعالاتك ام ستتسم بروح المبادرة لتحلق من خلالها بأجنحة من لهب وراء تحقيق أحلامك فالجزاء من جنس العمل.
د. صالح بن عبدالله الخمياسي
باحث و مدرب و كوتش في القيادة الذاتية و التغيير الشخصي.
