عندما طرح عالمنا الإستراتيجى الجليل الدكتور جمال حمدان فى مؤلفه الشديد الأهمية «استراتيجية الاستعمار والتحرير» دعوته لقيام تحالف بين تركيا وإيران ومصر أطلق عليه اسم «مثلث القوة الإقليمى»، وعندما تنبأ بأن هذا المثلث «سيكون من أهم مراكز القوة الطبيعية فى العالم العربى والشرق الأوسط فى حال قيامه، فحتماً لم تكن دعوته ولا نبوءته مجرد «شطحات خيال» أو مجرد أوهام لـ «وعى غائب» أو «مزيف» ولكنه كان يقدم أهم استخلاصاته الاستراتيجية فى دراساته المعمقة للجغرافيا والتاريخ معاً. الأمر نفسه ينطبق على دعوة الزعيم جمال عبدالناصر لبناء دولة وحدوية عربية، فى وقت كانت فيه معظم الدول العربية مجرد مستعمرات. كان عبدالناصر يدرك الصعوبة التى تصل إلى درجة «الاستحالة» لتحقيق «الحلم العربى»، لكنه خاض المعارك، ونجح فى هزيمة الاستعمار فى أكثر من أرض عربية بل وإفريقية، وبنى أول دولة وحدوية عربية، بين مصر وسوريا «الجمهورية العربية المتحدة» كنواة، مجرد نواة، لتحقيق الحلم الكبير فى الوحدة العربية، لذلك كانت المعارك والمؤامرات ضد مشروعه ضارية ليس فقط من الاستعمار الغربى أو من كيان الاحتلال الإسرائيلى بل ومن سلطات حكم عربية، رأت فى مشروعه الوحدوى تهديدً لـ «عروشها».
هذا الطموح الاستراتيجى، لدعوة «المثلث الذهبى» تجد من يدعمها بأفكار ورؤى تتطابق معها فى دول جوارنا الحضارى: إيران وتركيا، دون إغفال لحجم ونوعية التحديات التى تواجه هذه الدعوة . منها الاجتهادات الشديدة الأهمية التى قدمها الدكتور أحمد داوود أوغلو رئيس وزراء تركيا الأسبق وقت أن كان مستشاراً استراتيجياً لرئيس الوزراء التركى (حينئذ) رجب طيب أردوغان، عندما تحدث عما سماه فى مؤلفه الشهير «العمق الاستراتيجى»، «المثلث الحساس» (مصر وتركيا وإيران) وما يتفرد به من مصادر للقوة أبرزها أنه فوق قدراته الاقتصادية من المياه والغاز والنفط والقدرات البشرية الهائلة يطل على أهم أربعة مضايق وممرات عالمية كبرى: مضيق هرمز وقناة السويس ومضيقا البوسفور والدردنيل، مشيراً إلى أن قيام مثل هذا المثلث يعد «تطوراً ممنوعاً» من جانب قوى إقليمية ودولية تعمل باستماتة للحيلولة دون بناء هذا المثلث واكتمال تكامل أضلاعه الثلاث. فالقوى الإقليمية والدولية تقاتل من أجل جعل العلاقة بين أضلاع هذا المثلث: مصر وتركيا وإيران «علاقات صراعية» إلى الأبد، أو على الأقل تحول دون اكتمال التعاون بين أضلاعه الثلاث.
والآن تضع هذه القوى الإقليمية والدولية دول أضلاع هذا المثلث بين خيارين: أن تكون أو لا تكون. فالمشروع الأمريكى – الإسرائيلى لبناء نظام إقليمى جديد فى الشرق الأوسط تسيطر عليه وتتحكم فيه إسرائيل، كرأس حربة لمشروع أمريكى عالمى جديد، يضع الأمم الثلاث الكبرى فى المنطقة: الأمة العربية والأمة التركية والأمة الإيرانية بين أن تقبل بـ«الاستعباد» والسحق وبين أن تخوض معركة حريتها وسيادتها واستقلالها، حيث إن المشروع الأمريكى – الإسرائيلى الجديد «يستبعد ونهائياً وجود أو استمرار وجود أى من دول أضلاع هذا المثلث الذهبى للقوة» (مصر وتركيا وإيران) بل يهدف إلى تفكيكها وإعادة تقسيمها هى وغيرها من الدول العربية الكبرى إلى دويلات صغيرة على أسس عرقية وطائفية ودينية يكون فى مقدور كيان الاحتلال الإسرائيلى إخضاعها والسيطرة عليها.
ما يحدث فى غزة الآن من توجه إسرائيلى لاحتلال القطاع بالقوة العسكرية الإسرائيلية تمهيداً لضمه مع الضفة الغربية كنواة لمشروع «إسرائيل الكبرى»، وما يحدث من تدمير وتفكيك إسرائيلى لسوريا وفق قاعدة «السلام مقابل الاستسلام» وما يمارس على لبنان من ضغوط لتدمير قدراته على مقاومة التهديدات الإسرائيلية ونزع سلاح المقاومة، تأكيدا لجدية وخطورة هذا المشروع الإسرائيلى المدعوم بالكامل من الولايات المتحدة. من فى مقدوره من العرب ومن الإيرانيين ومن الأتراك مواجهة وإسقاط هذا المشروع؟
الإجابة بالطبع: «لا أحد»… لكننا جميعاً نستطيع إذا أخذنا بمنهاجية «التحدى والاستجابة»، المهمة صعبة ولنبدأ جميعاً بأربع مهام عاجلة:
ـ أولى هذه المهام التأسيس لوعى إقليمى حضارى جديد تتحمل مسئولياته طبقة من المثقفين ورجال الأعمال ومكونات المجتمع المدنى تكون مهمتها تأكيد أن خيار التكامل الإقليمى هو الخيار الأرجح للخروج من النفق المظلم الذى مازالت الأمم الثلاث تائهة فى أزقته دون أمل بالخروج.
ـ ثانية هذه المهام بلورة نموذج مفاهيمى يتجاوز الحدود الضيقة لمفهوم «الدولة الأمة» أو «الدولة القومية» الذى هو أساس الدولة فى إيران وتركيا ومازال يمثل طموحاً عربياً. فالإيرانيون والأتراك أنجزوا مشروع دولتهم القومية على العكس من العرب، رغم ذلك فإن مشروع الدول القومية جرت محاصرته بأنماط من الأيديولوجيات الوطنية المغلقة خاصة فى إيران وتركيا، ومن ثم أضحى السبيل مغلقاً أمام قدرة هاتين الدولتين للتعامل منفردتين مع التحديات الهائلة المستحدثة على المستوى العالمى.
ـ ثالثة هذه المهام هى مواجهة المشاكل والأزمات المتفجرة بين الأمم الثلاث والعمل على إيجاد الحلول لها سواء كانت مشاكل حدودية، أو مشاكل قومية، كما هو حال الكرد فى كل من إيران وتركيا وسوريا، أو مشاكل سياسية كما هو حال العلاقات الإيرانية – الخليجية واليمنية، والعلاقات التركية مع كل من سوريا والعراق.
ـ رابعة هذه المهام تكريس الاهتمام بابتداع الوسائل الكفيلة ببناء الثقة بين الأمم الثلاث، وفى مقدمتها خلق وعى إقليمى بالتكامل كسبيل أمثل لمواجهة التحديات وتحقيق الطموحات، وإبراز العمق الثقافى المشترك والعمق التاريخى والجغرافى الذى يربط شعوب هذه الأمم، مع تعميق الوعى بخطورة التهديدات الوجودية التى تواجه الدول الثلاث أمام المشروع الاستئصالى الأمريكى – الإسرائيلى.
إنجاز هذه المهام الأربع يُعد قضية نضالية وطنية وقومية وإقليمية لأن التأسيس لكيان إقليمى تعاونى فى المشرق المتوسطى هو بالفعل طريق الخلاص والخروج للجميع من النفق المظلم.
د. محمد السعيد إدريس
