لا يكاد يمر يوم إلا وأستقبل فيه اتصالات من أكثر من شخص يلتمس المساعدة إزاء معاملة له بقيت معلقة لدى جهة رسمية أو خاصة وتحتاج إلى قوة دفع مني أو من غيري لتمضي لمبتغاها، إضافة إلى رسائل الواتساب النصية أو الصوتية الكثيرة والحزينة التي تنعى الحالة التي وصلنا إليها في هذا الشأن الحياتي اليومي.
فلماذا وصل الحال بالناس إلى هذا المستوى؟، أليست منظومة الإجراءات والتعاملات في الأجهزة الرسمية هي السبب؟، وهي التي زرعت وأصّلت لدى الناس ثقافة تنص على أن المعاملة لن تنتهي إلا إذا كان لديك (واسطة) أو وسيط يعزز المعاملة ويعطيها قوة دفع أكبر لتمضي قدما للأمام رغم أننا في القرن الحادي والعشرين؟
فالأمر يتطلب تغيير هذه المفاهيم من خلال الممارسات الصحيحة في إدارة العمل في أجهزة الدولة وضبط إيقاع الممارسات الخاطئة عبر العديد من الأساليب والطرق منها تفعيل مواثيق وأخلاقيات المهنة وتشديد الرقابة ومتابعة مراحل المعاملات بدقة وغيرها من الإجراءات الكفيلة بإنجاز معاملات المواطنين في أسرع وقت ممكن، ودون أن يجد المواطن نفسه مضطرا للبحث عن طرف ثالث لتسهيل معاملته.
وهذه المطالبات تتراكم وتوجّه لكبار المسؤولين في الجهاز التنفيذي وصولًا لأعضاء مجلس الدولة ومجالس البلديات والمديرين العامين، فكل هؤلاء تحت وطأة الاتصالات والمطالبات المزعجة التي تحثهم على التدخل الشخصي من جانبهم لدى موظفيهم لتخليص معاملاتهم وانتشالها من مستنقع التأخير الآسن، ونسأل الله عز وجل أن يعينهم على ماهم عليه وما يجدونه من عنت إزاء طلبات لا تنتهي والتي أوصلنا أنفسنا إليها من خلال ممارسات غير إيجابية في التعامل مع المهام المطلوب من الموظفين إنجازها كجزء من عملهم الروتيني اليومي الذي يتقاضون عليه الأجر المشار إليه في عقود العمل الخاصة بهم، فمن أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل كما نعلم.
لكن البعض للأسف لا يستجيب لأخلاقيات العمل ولا للواعز الديني والقانوني المطلوب توفره كشرط أساس لهذه المهنة أو الوظيفة. ويرى ان خدمته المواطن مهمة يجب أن يدفع ثمنها عدًّا ونقدًا، أو ينتظر أن يستجديه المواطن أو أن يستحلفه إلى غير ذلك من ممارسات يندى لها الجبين خجلًا.
وفي الوقت ذاته نستشعر الخطر الاجتماعي الوبيل لهكذا ممارسات وتداعياتها الكارثية على الفرد والمجتمع وأجهزة الدولة. فإذا لم يكن لديك طرف ثالث فإن معاملتك لن تُنهى على خير، في حين نجد أن بعضهم تمضي معاملاتهم بسرعة الصاروخ أو هي الصاروخ نفسه.
وهذا الواقع لا يعيه إلا من يعايشه ويكابده بنحو يومي.
وهكذا تمضي وتيرة العمل في الكثير من الجهات دون أي رادع أو مساءلة أو مراقبة من الجهات نفسها أو قياس للأداء أو معيار لإنجاز المعاملات، بل إن البعض يتعمد تأخير المعاملات أيامًا وشهورًا دون أي مبرر منطقي إلا تحت مظلة ادعاءات على شاكلة أن المدير غير موجود أو المسؤول الفلاني في اجازة كأن الجهة الرسمية برمتها قائمة على ذلك المسؤول فقط دون غيره.
وفي هكذا أحوال فإنه على الجهات الرسمية إضفاء المزيد من الحوكمة في الإجراءات ووضع سُلم مواعيد لإنهاء المعاملات وقياس عدد المعاملات المنجزة في الوقت الذي سُلّمت فيه، إلى غير ذلك من ضوابط، ومثل هذه الإجراءات قد تسهم في تحسن الأداء واختصار سرعة الإنجاز ، وبالتالي لن يحتاج الأمر إلى تدخل سريع من طرف ثالث.
فهذه الممارسات موجودة دون أن نرى حملات لفحص أخلاقيات العمل وتوعية الموظفين بأدوارهم ومهام عملهم. بالطبع هناك بعض الجهات قطعت شوطًا إيجابيًّا بعيدًا في مقياس إنجاز المعاملات وفي التعامل الراقي مع المواطنين والمراجعين، ولكن هناك الكثير من الموظفين لا يزالون يسيرون في ذلك الطريق الخاطئ، وعلى ما يبدو فإن عدد الشكاوى الكبير في منصة تجاوب توضح ذلك بجلاء.
نأمل أن يأتي يوم ينتهي فيه الاتصال لطلب خدمة أو توظيف أو غيره من المساعدات الإدارية، وذلك يعني أن العدالة في معناها الرائع والساطع قد استتب لها الأمر في نهاية المطاف، وعندها سيصل المواطن لقناعة مؤداها وجود نظام واضح وشفاف لا يحتاج في كنفه إلى أي تدخلات لإنجاز معاملة، وهذا ما سنراه قريبا بحول الله وقوته.
علي بن راشد المطاعني

