يمثِّل الشَّباب في سلطنة عُمان قيمة مضافة ورقمًا صعبًا في التركيبة السكانيَّة وفقًا للبيانات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، بلغ عدد الشَّباب العُمانيِّين في الفئة العمريَّة من الـ(18) إلى الـ(29) سنة حوالي (535,000) نسمة حتَّى منتصف عام 2024. يشكِّل هذا العدد نَحْوَ (19.6%) من إجمالي السكان العُمانيِّين، وتشير البيانات إلى أنَّ نسبة الذكور في هذه الفئة العمريَّة تبلغ (51%)، بَيْنَما الإناث (49%.)، ويعمل حوالي (178,600) شاب وشابة في هذه الفئة العمريَّة، يشكِّلون (24%) من إجمالي العُمانيِّين المشتغلين، وحوالي (50.4%) من هؤلاء الشَّباب يعملون في القِطاع العام، بَيْنَما يعمل (49.4%) في القِطاع الخاص، وبلغت نسبة أصحاب الأعمال الشَّباب (18-29) سنة من إجمالي أصحاب الأعمال العُمانيِّين (17.7%)، كما أنَّ (24%) من إجمالي عدد العاملين في سلطنة عُمان هم من الشَّباب، يبلغ عدد الشَّباب العُمانيِّين أصحاب الأعمال في هذه الفئة العمريَّة حوالي (26,189)، يشكِّلون (17.7%) من إجمالي أصحاب الأعمال العُمانيِّين، وفي المقابل بلغت نسبة الباحثين عن عمل من الشَّباب (72%)، وأنَّ (40.5%) من إجمالي الباحثين عن عمل يحملون مؤهل بكالوريوس فأعلى، وفي استطلاع رأي نفَّذه المركز الوطني للإحصاء حَوْلَ استخدام التقنيات الحديثة لفئة (18) سنة فأعلى لعام 2023 أظهر أنَّ (96%) من العُمانيِّين استخدموا تطـبيقًا واحدًا على الأقل مـن تطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة خلال (3) الأشهر الماضية، وأنَّ (99%) من العُمانــيِّين يستخدمــــون تطـبيق «الواتس آب» كأكثر تطبيقات التواصل الاجتماعي المستخدمة عام 2023م. وفي مجال الأمن والسلامة تشير الإحصائيات إلى ارتفاع عدد الجرائم في سلطنة عُمان وبشكلٍ خاص الجرائم الواقعة على الأموال والجرائم المتعلقة بالقوانين، ويشكِّل الشَّباب (35%) من إجمالي الجناة البالغين في الفئة العمريَّة (18ـ 29)سنة لعام 2023. كما أنَّ (53%) من أسباب الحوادث المروريَّة ترجع إلى السرعة الَّتي في الغالب ترتبط بسلوك الشَّباب، هذا الأمر يأتي في ظل ما أشارت إليه بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات لعام 2022 من أنَّ (32%) من الحالات الجديدة للأمراض النفسيَّة هم في الفئة العمريَّة (0-18) سنة، منهم (21%) ذكور، مقارنة بما كانت عليه في عام 2021 حيثُ أشارت إلى أنَّ (18%) من الحالات النفسيَّة هم في الفئة العمريَّة (0-17).
وعليه، تضع هذه المؤشرات وغيرها الشَّباب العُماني اليوم كرقم صعب في مسيرة التنمية والبناء وتحقيق الوعي ورفع سقف المنجز التنموي، والمشاركة في صناعة القرار الوطني، وترسيخ مبادئ الحكومة والنزاهة ومكافحة الفساد، وترسيخ قيم الشفافيَّة وحماية المال العام، وقيادة كفؤة للمنظومة الإداريَّة والماليَّة للدَّولة وصناعة الفرص، كما تؤسِّس الظواهر والممارسات ذات الصلة بالأمن الاجتماعي وما يتعلق منها بالجرائم العامَّة والظواهر السلبيَّة الفكريَّة والجريمة المنظمة والجرائم الإلكترونيَّة، والاحتيال والجرائم الواقعة على الأطفال وجرائم الأحداث، وظواهر العنف، والتعدي على القانون، والمساس بشخصيَّة رجل الأمن والقانون، والفكر السلبي، والحوادث المروريَّة، والسلوك العام للشَّباب، والمخدرات والإيدز وغيرها من التحديات الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة والاقتصاديَّة والفكريَّة والنفسيَّة، والَّتي تستدعي فتح حوارات أوسع للشَّباب في مشاركته فيها ومساهمته الواسعة في إيجاد الحلول المنتجة لها، ومزيد من العمل على احتواء الشَّباب والاستماع إليه والثقة فيه وتمكينه وحُسن إعداده وتعظيم مرتكزات بنائه وتطويره وصقل مهاراته وقدراته وتعزيز المنابر والمنصات الحواريَّة مع الشَّباب انطلاقًا مما يؤسِّسه الحوار الاجتماعي مع الشَّباب من فرص التغيير الإيجابي في شخصيته، وتعزيز اتجاهاته وبناء قدراته، فإنَّ إيجاد المناخات المناسبة في ذلك سيكون لها تأثيرها الإيجابي على السلوك العام للمُجتمع، وسلوك الشَّباب بشكلٍ خاص، ويصبح الحوار، الخيار الأمثل والبديل الاستراتيجي لإنتاج الحلول المقنعة والعمليَّة للقضايا المُجتمعيَّة الَّتي تهم الشَّباب والتحديات الَّتي أفرزتها المعطيات الكونيَّة المعاصرة فيصبح الحوار الطريق السليم والمسار الصحيح لمواجهتها، في ظلِّ ما يتطلبه من جهد وطني مشترك، وأداء مؤسَّسي فعَّال وخطاب وطني يستنهض الضمير ويستنطق القيم والأخلاق، ويؤسِّس لمنهجيات محددة وأُطر واضحة واستراتيجيات متنوعة.
إنَّ مما ينبغي الإشارة إليه في هذا الشأن أن الشَّاب في هذه المرحلة العمريَّة إذا لم يجد الأسلوب الأمثل للتعامل معه واحتوائه واحتضانه والرد على تساؤلاته واستفساراته وامتصاص حماسه، وبالمقابل عندما يكون التعليم بمؤسَّساته وعناصره، والمُجتمع بأفراده ومؤسَّساته غير قادرين على مساعدته ومعاونته بأسلوب يتقبله الشَّاب فإنَّه يصاب بخيبة أمل، ثم يصبح غير مبالٍ بأيِّ شيء، ويرضى بالحالة الَّتي هو عليها، ويعد تصرفاته وأفكاره هي الصواب مع ما قد يترتب على ذلك من عدم قَبول توجُّهات المُجتمع، ويسلك أمورًا قد ترجع بالضرر عليه وعلى مُجتمعه، وبالتالي فإنَّ مرحلة الشَّباب تتخذ طابعًا مميزًا ومهمًّا في حياة الإنسان وتتَّسم بتغيرات واتجاهات وأفكار قد تختلف في كثير من الأحيان عن توجُّهات وأفكار المُجتمع، مما يعني ضرورة إيجاد آليَّات عمل واضحة تقوم من خلالها المؤسَّسات المعنيَّة كمؤسَّسات التعليم والإعلام والحماية الاجتماعيَّة والتوظيف والتشغيل وإدارة المواهب والترويح والترفيه والمؤسَّسات الأمنيَّة والدينيَّة ومؤسَّسات المُجتمع الأهلي والأندية والمُجتمعات الشَّبابيَّة ومراكز الشَّباب بِدَوْر فاعل ومسار مؤطّر يحدِّد موقع الشَّباب في هذه المنظومات والأدوات الَّتي تستخدمها في سبيل خلق روح الشراكة والمسؤوليَّة في حياة الشَّباب ومساعدته على تجاوز ذلك بثبات وقيم راسخة، وهو ما يتطلب مأسسة ثقافة الحوار الاجتماعي للشَّباب، وإيجاد الأُطر التشريعيَّة والبنى المؤسسيَّة والمرافق التنظيميَّة والهياكل الإداريَّة والبرامج المنتجة الَّتي تعزز في الشَّباب الطموح وتبني فيه الانطلاقة وترسِّخ فيه المبادرة وشغف العطاء والمبادأة والتجريب والمخاطرة بما يعزِّز من قدرتها على فهم واقع الشَّباب وطريقة تفكيره والخروج من نمطيَّة الحوار إلى تلبية حاجاته، وتحقيق متطلباته ومسايرة اهتماماته مع إتاحة الحُريَّة له للتعبير عن رأيه ومشاعره وأحاسيسه، والتفاعل الجيِّد مع مطالبه بما يسهم في تقريب وجهات النظر مع الشَّباب والوصول إلى نقاط التقاء مشتركة والانطلاقة منها لبناء مستقبل الوطن، وتحقيق مكتسبات التنمية. من هنا كان الحوار الطريق المناسب لحل مشكلات الشَّباب، ومن أنجع الأساليب الَّتي تتوافق مع نفسيَّة الشَّباب؛ لأنهم بحاجة إلى مَن يفهمهم ويستمع إلى قضاياهم ولن يكون ذلك إلا بالحوار.
من هنا، فإنَّ بناء إطار وطني لحوار الشَّباب أولويَّة مؤسسيَّة تقوم بها جميع الجهات بدءًا من الأُسرة ثم المدرسة مؤسَّسات التنشئة الأخرى والمؤسَّسات القانونيَّة والتشريعيَّة، ومؤسَّسات الاقتصاد والمال والاستثمار؛ وعندما تفهم المؤسَّسات ما يريده الأبناء الشَّباب وتنصت لهم وتضعهم في صورة الواقع بكُلِّ تفاصيله، وتمنحهم الثقة والأمن والأمان، ويعاد إنتاج أسلوب الخطاب والتوجيه الوالدي ومنهج التربية وتدريس القيم بالمدارس، وتتفاعل جهود التوعية والتثقيف الَّتي تقوم بها المؤسَّسات الأمنيَّة والإعلاميَّة ومؤسَّسات المُجتمع الأهلي مع الواقع والتحولات الحاصلة في فِقه الشَّباب وحياته وتفكيره، ويتم تعريض الشَّباب لمواقف حياتيَّة مجربة وقياس دوري لمدى نجاحهم وقدرتهم على التعامل مع كُلِّ الصدمات والمتغيرات والمواقف الحاصلة، سوف يعزِّز من مبدأ الثقة في الشَّباب، والقدرة على التعامل الناجح مع الاختلاف والتباين، والوصول إلى أفضل البدائل المتاحة عبر شراكات نوعيَّة واستراتيجيَّة تضع الشَّباب في غرفة القيادة وتوجيه البوصلة، ويضمن شراكة الشَّباب في مواجهة الجريمة والفكر السلبي ومهددات الأمن الاجتماعي، ويرفع من سقف مشاركته في برامج التنميَّة والتطوير المُجتمعي. بالإضافة إلى تعويد الشَّباب على المسؤوليَّة الجماعيَّة المشتركة في طرق الحصول إلى الحقوق والوصول إلى المسؤول الحكومي، وتوجيه الفرص التنافسيَّة للشَّباب في صناعة الفارق وإنتاج الفرص وتعظيم الأثر، وصناعة الشَّباب المؤثر في عالمه والَّذي بِدَوْره يحمل لواء التغيير ويمتلك نضج الوعي الجمعي، ويقدم نموذجًا وطنيًّا في الشراكة في الإنجاز والمسؤوليَّة والمشاركة في صنع القرار، واضعًا أولويَّات وطنه فوق كُلِّ اعتبار، جاهزًا بكُلِّ ما يحمله من فلسفة حياتيَّة راقيَّة في إدارة الأزمات والتعامل مع أسوا الاحتمالات، منطلقًا من مبادئ العمل بروح الفريق، وتعظيم السلوك الاجتماعي المتوازن، وإعادة تصحيح ثورة الواقع الافتراضي وفق قيم المُجتمع وهُويَّته وخصوصيَّته مع استحضار المشتركات القيميَّة والمؤتلفات الإنسانيَّة، بما يولد في الشَّباب حافز التغيير الذَّاتي، أداة إصلاح ومنهج عمل يرسم للأجيال القادمة طريق القوَّة.
د. رجب بن علي العويسي
