في عالم مضطرب يعيش التناقضات والتباينات والتراكمات، يقف البناء الفكري المعزز بالقِيَم والهُوِيَّة والخصوصيَّة والمهارات شاهد إثبات في تصحيح المسار وتوجيه بوصلة العمل، وإخراج الناشئة والشباب من ازدواجيَّة المعايير وتضارب المصالح واضطراب الشخصيَّة الَّتي باتت تسيطر على حياتهم، وترفع من مستوى القلق والاضطراب والخوف لديهم من المستقبل المجهول، وحالة التشاؤم الَّتي باتت ترافقهم في أغلب محطَّات حياتهم العمريَّة والدراسيَّة وحتَّى بعد الحصول على الوظيفة أو الارتباط بالحياة الزوجيَّة ومرحلة بناء الأسرة وتربيَّة الأبناء؛ ومع ارتفاع سقف المشتتات الفكريَّة والمهيجات العاطفيَّة والنفسيَّة والمرهقات الاقتصاديَّة والمعيشيَّة الَّتي باتت تنشطها عوامل خارجيَّة وداخليَّة وأخرى ترتبط بالمكوِّن الإنساني نفسه مزاجيَّاته وانطباعاته وتصرفاته ومواقفه؛ والَّتي أسدلت الستار على كُلِّ فرص الخيريَّة والعدالة والأمان والحقوق، يأتي البناء الفكري في ظلِّ مرحلة فارقة تستدعي امتلاك التعليم ومؤسَّسات التنشئة الاجتماعيَّة والأسريَّة والإعلام وغيرها، لأدوات الإقناع وفلسفة التغيير ومستلزمات البناء وصناعة القدوات وإنتاج النماذج وتصحيح ثورة الواقع الاجتماعي وإعادة إنتاجه بطريقة تحفظ قِيَم الكبار وأخلاق الإنسان وتحافظ على درجة التوازنات في بناء شخصيَّة الناشئة والشباب معرفيًّا وفكريًّا واجتماعيًّا وعاطفيًّا واقتصاديًّا وصقلها بهرمون الأخلاق ومقوِّيات المهارات.
لقد أحدثت موجات الانصهار الفكري الَّتي ينادي بها دعاة الإلحاد والنسويَّة والشذوذ ـ والعياذ بالله ـ خللًا في التركيبة الفكريَّة لناشئة اليوم والقناعات الَّتي باتت تسيطر عليهم والأفكار والهواجس الَّتي تختلج ذواتهم، وسيطرتها على المسلمات والثوابت الَّتي يؤمن بها الإنسان حَوْلَ الكون والحياة، وما أنتجه الفضاء الرقمي المفتوح في غياب الضوابط والاستخدام السلبي لمنصَّات التواصل الاجتماعي في تشويه صورة الذَّات قبل الآخر، وفرض سياسة الأمر الواقع والإملاءات، عَبْرَ التدخل في خصوصيَّات الناشئة الثقافيَّة والتعليميَّة والفكريَّة؛ كما أحدثت ارتباكًا في الكثير من المواقف والتوجُّهات الَّتي وضعت الناشئة في حالة من عدم الاستقرار الفكري والتأطير المعرفي؛ الأمر الَّذي استدعى تدخلًا سريعًا مؤطرًا وموجّهًا للتعليم، يقوم على مرونة أدواته، وتنوع أساليبه، وعُمق برامجه، ووضوح آليَّاته، وتعدد مساراته التعليميَّة، الَّتي تصنع في حياة الناشئة قِيمة مضافة، وتوفر بدائل وفرص تجديديَّة فاعلة، عَبْرَ إعادة إنتاج الثقافة الوطنيَّة لدى الناشئة، وإدارتها وحُسن توجيهها وهيكلة واقعها وتصحيح بنيتها وضبط المحتوى الفكري الَّذي يستقي منه الناشئة منطوق الممارسة اليوميَّة في ظل تعدديَّة المنصَّات واتساع الوسائل والوسائط والأدوات، فيرفع من مستوى دافعيَّتهم نَحْوَ الحياة والعمل والاندماج وبناء المشروع وترقية السُّلوك وضبط الانفعالات والاحترافيَّة والمهنيَّة، والمنافسة لبلوغ الأهداف، بما يضمن استقرار فكريًّا في حياته يتجاوز حالة التأثر السلبي والتقليد الأعمى، الأمر الَّذي ينعكس على واقعيَّة سلوكه والتزامه قواعده، ووضوح أولويَّاته وقدرته على بناء استراتيجيَّات حياته القادمة، الأُسريَّة والاجتماعيَّة والمهنيَّة والاقتصاديَّة والمعيشيَّة؛ بالشكل الَّذي يقلل من حالة الرتابة لديه في السلوك، ويبني فرص الإيجابيَّة في التعامل مع الأحداث، وينقل اهتمامه وأولويَّاته إلى مرحلة الجديَّة والالتزام، فيضبط حالة الاستهلاك المالي، أو الاستنزاف الفكري لديه، وتغيير مساحة الاهتمام بالشكليَّات، إلى البحث في عمق الأشياء وقراءتها بوعي وفق موجّهات عمل تضبط مساره وتقنّن أداءه، ويصنع خلالها استثمارات قادمة في قدراته واستعداداته وما يمتلكه من مواهب وخبرات، إذ تضمن هذه المحددات مشتركات أكبر للتناغم بَيْنَ التعليم والحياة، تنقل أهدافه وغاياته إلى واقع الممارسة اليوميَّة، فيشعر فيها بالاحتواء ولمشروعاته ومبادراته بالجديَّة والثِّقة.
إنَّ البناء الفكري الجمعي الَّذي يَجِبُ أن تتشارك في صناعته وصياغة مفاهيمه وتراكيبه ومفرداته وتقييم مؤشرات نجاحه كُلُّ منظومات المُجتمع التعليميَّة والثقافيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة والأمنيَّة والاقتصاديَّة، يَجِبُ أن ينطلق في إطار مستهدفات رؤية «عُمان 2040» وتحقيق هدف «مُجتمع إنسانه مبدع» من الحاجة إلى امتلاك أدوات الإقناع وتغيير قناعات الشَّباب نَحْوَ العديد من القضايا الَّتي تحيط بهم وتؤثر فيهم وتغيير المعتاد لديهم بشأن انطباعاتهم عن الواقع ونظرتهم التشاؤميَّة حَوْلَ بعض الجوانب الَّتي تهمهم وما يرتبط بذلك من حالة الإحباطات والهواجس الَّتي باتت تسيطر على حياة أكثر من (117) ألف مواطن ما بَيْنَ باحث عن عمل ومسرّح من عمله، والصورة المشوّهة الَّتي باتت تقدّم لهم بسبب غياب المصداقيَّة والشفافيَّة ودقَّة الإحصائيَّات في تعاطيه مع قضايا العمل والباحثين عن عمل والمسرَّحين من أعمالهم وقلَّة إنتاج الوظائف وغيرها من المشوّهات الَّتي باتت تؤثر سلبًا على حياة المواطن منذُ نعومة أظافره وهو يرى في مقاعد الدراسة أنَّ ما سبقه ما زال يعيش حالة اصطدام بالواقع في ظلِّ غياب فرص التوظيف والعمل وتزايد حضور الآخر (العمالة الوافدة) رغم أولويَّة المواطن في حصوله عليها، والتغيير في القناعات لا يتمُّ عَبْرَ تبرير الإجراء والموقف المتخذ كما هو حاصل في قطع تمديد منافع الحماية الاجتماعيَّة وما يشار إليه من قبل تصريحات البعض بأنَّ دخول فئات أخرى في قادم الوقت يستدعي إخراج سابقة، وقراءة الأمر بهذا المنطق لا يقدّم أي مسار للتغيير والإقناع أو الثِّقة الَّتي يفترض أن تغرس في حياة المواطن عِندَما يشعر بأنَّ ما يتمُّ من إجراءات إنَّما راعت الأولويَّات وأوضحت تفاصيل الصورة وأبجديَّات المشهد، بل عَبْرَ تبنِّي سياسات نوعيَّة تأتي في إطار العرض والطلب، فالمنع والإغلاق والإزالة والقطع ليست حلولًا استراتيجيَّة في تطور المُجتمعات، وليس الصورة الصحيَّة الَّتي يَجِبُ أن تمارس في ثقافة مواطنيها، بل لأنَّ هذا الأمر يَجِبُ أن يكُونَ الخطوة النهائيَّة الَّتي تسبقها خطوات توفير البدائل وإطلاق حزم من الحوافز والمبادرات، وتعظيم الحلول الاستباقيَّة وفتح آفاق أوسع تتيح للمواطن الباحث عن عمل والمسرّح من اختيار الحلول الأقرب إليه والأنسب إلى مهاراته وقدراته؛ فإنَّ من استحقاقات البناء الفكري مشاركته في توليد الحلول والبدائل ومنحه الفرص في البحث عنها، وتمكينه من إعادة إنتاجها، وتشجيعه على التفكير الوظيفي خارج الصندوق في العمل الحر والشركات الناشئة والعمل الخاص في إطار من الضبطيَّة ومنع الاحتكار وتقنين دخول العمالة الوافدة في الأنشطة الاقتصاديَّة الَّتي يشغلها المواطن؛ وعِندَها يصبح الإقناع وتغيير القناعات مرحلة قوَّة في بناء مسار وطني يشعر الجميع بعدالته وموقعه، فيتبناه المُجتمع ويحتكم إليه، ويشعر فيه الجميع بأنَّه يمثِّل التزامًا وطنيًّا يصنع الفرص ويحفظ الحقوق.
وهنا تأتي أهميَّة البناء الفكري المعزز بالنماذج والاستراتيجيَّات والمواقف وأنماط المحاكاة والوقائع والشواهد ليس فقط في كونها تمثِّل حصانة فكريَّة للمواطن في مواجهة التراكمات النفسيَّة والمعرفيَّة والمزاجيَّة، بل أيضًا في بُعدها الآخر المرتبط بالإنتاجيَّة والعمل وإثبات بصمة حضور في واقع الحياة وتغيير الصورة السلبيَّة للممارسة اليومي عَبْرَ تنشيط هرمون الإيجابيَّة والمبادرة وصناعة الفرص والبحث والابتكاريَّة وصناعة الفارق، وفرص التأمل وتزويدهم بالمهارات الناعمة المعزز بالنقد البنَّاء والاستقراء والتمحيص، وهو أمر يتطلب تبنِّي أساليب مبتكرة في التوجيه والتثقيف واعتماد إستراتيجيات عمل مستدامة تمنح الناشئة والشباب فرصًا أكبر لفهم واقعهم وإدراك متطلبات مستقبلهم والنظر إلى ما وفَّرته التقنيَّة والفضاءات الإلكترونيَّة وما أوجدته وسائط التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت والهواتف الذكيَّة باعتبارها فرصًا لنُمو الممارسات الأفضل والقناعات السليمة في إطار من البحث عن المعرفة الصحيحة من مصادرها، وبالتَّالي فما قد يُتداول من أفكار وعبارات وسلوكيَّات ومواقف تستهدف نشر الإشاعة أو إبعاد الشباب عن المساهمة في واقع الحياة اليوميَّة فإنَّها وفي ظلِّ وضوح منهجيَّات العمل المؤسَّسي في التعاطي مع هذه القضايا بما يراعي الخِطاب الشبابي وتوفير نماذج راقية في التعليم والتعلم والتثقيف معتمدة على المحاكاة والاستشعار والتثقيف بالأقران واستخدام الفضاءات المفتوحة بصورة إيجابيَّة سوف تثمر هذه الجهود عن تحَوُّلَات نوعيَّة ترقى بذاتهم وتعزز فيهم جوانب قياديَّة، وترسخ لديهم مهارات وقدرات واستعدادات أكثر تفاعليَّة وابتكاريَّة واعتماد منهجيَّات في التخطيط والتنفيذ وحلّ المشكلات واتخاذ القرارات، فإنَّ التعامل مع هذه الأدوات والآليَّات وتحقيق الرقابة والضبطيَّة فيها إنَّما يأتي من رحم الواقع والظروف الَّتي تواجهها الناشئة، وعَبْرَ مبادرات رياديَّة قادرة على استنهاض الدوافع واستنطاق القِيَم وتحويل الاستجابة لهذه الأدوات لصالح الشباب وتنميته وتطوير قدراته.
د. رجب بن علي العويسي

