من بَيْنِ المسائل الَّتي باتَ يثيرها بعض المسؤولين في الحكومة عِندَ الحديث عن منظومة التشغيل والتوظيف وارتفاع أعداد الباحثين عن عمل أو حتَّى فيما يتعلق بالمسرَّحين من أعمالهم هو أنَّه لا توجد وظائف ـ ورغم أنَّ واقع هذه المنظومة يناقض هذه المفردات المتداولة؛ فلدَيْنا ما يقارب من (100) ألف باحث عن عمل، و(17) ألف مسرَّح من عمله، لكنَّنا في المقابل نمتلك الفرص الَّتي تستوعبهم، فمثلًا يوجد لدَيْنا في القِطاع الحكومي ما يصل إلى (42) ألف وافد في وظائف مختلفة إداريَّة وهندسيَّة وفنيَّة، ولدَيْنا حسب تقرير المركز الوطني للإحصاء والمعلومات ما يصل إلى (96) ألف وافد يعمل في وظائف الإدارة العليا والوظائف الهندسيَّة والفنيَّة في القِطاع الخاص حتَّى نهاية 2023، ولدَيْنا أكثر من مليونَي وافد في القِطاع الخاص مقابل أقل من (300) ألف عُماني، وبعد ذلك نتحجج بعدم وجود وظائف أو بأنَّ العرض أعلى من الطلب. الحقيقة وراء هذا الأمر أنَّ لدَيْنا مُشْكلة إدارة وغياب التنظيم الحقيقي في مشهد سوق العمل في سلطنة عُمان؛ ذلك أنَّ ارتفاع عدد الوافدين على المواطنين في الأعمال التجاريَّة والاقتصاديَّة وحضورهم الواسع في بيئات العمل بالقِطاع الخاص ليس حالة صحيَّة أبدًا، للقناعة بأنَّ بناء الاقتصاد يبدأ من بناء المورد البشري المواطن وتعظيم حضوره في اقتصاد بلده ورفع درجة مساهمته فيه، وتمكينه من قيادة قاطرة التطوير الاقتصادي والانتقال بها إلى مرحلة القوَّة والمنافسة، بل ويتجه الأمر إلى إثبات بصمة حضور نوعيَّة في تحقيق المنافسة وتصوير المنتج، فلا يُمكِن الحديث عن اقتصاد مستدام ونوعي ومتطور وقابل للتطوير تحت إدارة وقيادة وبإشراف وممارسة وافد فقط. لا شك بأن (300) ألف لا تعني شيئًا في ظل الحشود الضخمة من الوافدين في قِطاعات اقتصاديَّة واعدة واستراتيجيَّة تشكِّل مفصل الاقتصاد الوطني! ومَن يتتبع موقع العُمانيين في القِطاع الخاص من غير قِطاعات النفط والغاز فإنَّ السواد الأعظم مِنْهم يتجه إلى الممارسات الإداريَّة الروتينيَّة والمتكررة أو إلى وظائف الحراسة وسياقة المَركبات، فالوظائف متوافرة وهي كافية إن أُحسن توجيهها وتنظيمها وضبطها، ووجدت المرتكزات الاقتصاديَّة الَّتي تعمل على توليدها، سواء من خلال الاستثمار الأجنبي أو توطين الصناعة أو تنويع المسارات التعليميَّة وبناء المهارات، والدعم الحقيقي والمنتج لمشاريع الشَّباب الصغيرة والمتوسطة.
وحتَّى وإن سلمنا بأنَّه لا يُمكِن للقِطاع الخاص استيعاب جميع الباحثين عن عمل في قِطاعات الإنتاج، وأنَّ الحاجة ـ كما يروِّج لها المتنفذون الاقتصاديون ورجال الأعمال في ظل بقاء عقدة الخواجة لدَيْهم بأنَّ حاجتهم إلى الوافد لا تقبل المساومة ـ يبقى تبنِّي سياسات تشغيل جادَّة ومؤطّرة ومستدامة تتجاوز الحلول الترقيعيَّة والقرارات المرتجلة الطريق الآمن لحلحلة هذه الملفات، بحيثُ يتم وضع إطار زمني واضح المعالم لــ»الإحلال الوظيفي اللائق» يلتزم بها القِطاع الخاص في استيعاب القوى العاملة الوطنيَّة وبقاء بعض الوافدين ليمارسوا دَوْر التعليم والتدريب ونقل التجربة الخبرة للشباب العُماني ليصل إلى مرحلة متقدمة من الاعتماد على النَّفْس.. أما أن تكُونَ مسألة بقاء الوافد في موقعه خطًّا أحمر، وكأنَّ هذه الوظائف مكتوبة لهم فهو أمر غير مقبول، ذلك أنَّ أولويَّة التوظيف والعمل للمواطن العُماني في الوظائف الَّتي يتوافر بها العُمانيون أو يستطيع أن يمارسها الشَّباب العُماني بِدُونِ إحداث أيِّ خلل في كفاءة الممارسة وسلاسل الإنتاج، ونحن على يقين تام بأنَّ الشَّباب العُماني طموح ويمتلك من الشغف والمهارة والرغبة عِندَما تتوافر له التشريعات الداعمة الَّتي تحافظ على استقراره الوظيفي، وبيئة العمل الَّتي تحفظ ولاءه وتحافظ على خصوصيته وترعي مشاعرة وتعزز من مهاراته، بل سيقدم نموذجًا وطنيًّا في العطاء النوعي والأداء الملهم مع التأكيد على مبدأ المحاسبيَّة والضبطيَّة والتقييم العادل.
في تقديرنا الشخصي فإنَّ أوَّل خطوة في مسار توليد الوظائف وبناء القدرة الوطنيَّة الَّتي تحافظ على حضور المواطن في عرصات المنافسة بعد إعادة هندسة تعليم المهارات والتنويع في المسارات تكمن في توجيه ونقل الاستثمار من الأبراج وبناء المُدن السكنيَّة إلى المصانع باعتباره الطريق السليم لاقتصاد قوي وتعزيز وجود الصناعات التحويليَّة، للقناعة بأنَّه ليست الأبراج هي من تبني المُجتمعات وتنهض بها وتطور مواردها، بل إنَّ الالتفات إلى المورد البشري الموجّه للصناعة هو ما يصنع للاقتصاد قوَّة ويضمن قدرته على التعاطي مع كُلِّ التحدِّيات الَّتي يشهدها سوق العقار. إنَّ الصناعة بذلك مورد مالي وثروات أكثر استدامة وتنوعًا في احتواء المورد البشري المواطن وتأصيل المهارات والاستثمار في المواد الخام، غير أنَّ ما تشهده سلطنة عُمان من زيادة كبيرة في مستوى التركيز على الاستثمار العقاري في إنشاء الأبراج والعمارات والمُجتمعات السكنيَّة والمولات والمراكز التجاريَّة، يَجِبُ أن لا يقلل من اهتمامها بالمصانع الَّتي تغذِّي هذه المولات والمراكز بالبضائع وإلَّا ستظل فارغة من المنتج الوطني وتعتمد على المستورد فقط، الأمر الَّذي لن يضيف أيَّ جديد للاقتصاد الوطني، فمع أنَّه الطريق الأسهل والأقصر وقتًا في الاستثمار إلَّا أنَّه مكلف بدرجة كبيرة نظرًا لما يرتبط بهذا المنجز العقاري من حاجته المستمرة للصيانة، وبقاء العائد المنافس منه قليل جدًّا.
وعلى الرغم من أنَّ القِطاع العقاري في سلطنة عُمان شهد نموًّا متسارعًا؛ إذ تجاوزت قيمة التداول العقاري خلال عام 2024 نَحْوَ (3.3) مليار ريال عُماني بزيادة قدرها (29.5%) مقارنة بعام 2023م. إلَّا أنَّ قضيَّة الباحثين عن عمل والمسرَّحين من أعمالهم من أبناء هذا الوطن ظلت كما هي في مستوياتها المرتفعة، وكأنَّ المعادلة تقول: أن لا علاقة للتطوير العقاري باستيعاب الباحثين عن عمل أو المسرَّحين، وهو ما يطرح الحاجة إلى نقل الاستثمار من الأبراج والمباني والعقارات والمُدن الإسكانيَّة أو مُدن المستقبل، إلى الاستثمار في الصناعة، والصناعات الواعدة وبناء مُجتمع صناعي يتقن ممارسة الصناعة كأسلوب حياة ومنهج عمل وطريق لبناء مشروع المستقبل، والَّذي بِدَوْره يضمن احتواء متوازنًا للكفاءة العُمانيَّة وحسما لتحدِّيات التوظيف والتشغيل والتسريح الَّتي باتت تلقي بظلالها على المشهد الوطني، أو على الأقل أن تتوازى مسألة إنشاء المُدن العقاريَّة مع التوسع في إنشاء المصانع وبيئات الإنتاج؛ نظرًا للأثر المترتب على وجود هذه المصانع والفرص الَّتي تحققها في بناء منظومة اقتصاديَّة منتجة وتوليد وظائف مستدامة قادرة على احتواء الواقع الوطني وخلق فرص إنتاج متعددة؛ وعبر توفير آلاف الوظائف للباحثين عن عمل، وتوطين الكفاءات والقدرات الوطنيَّة الماهرة نظرًا لحاجة عمليَّات الإنتاج إليها، الأمر الَّذي قد لا تحتاجه الأبراج والمُدن العقاريَّة خصوصًا مع التقنيَّات المتقدمة والذَّكاء الاصطناعي.
من هنا فإنَّ استمرار التركيز على الاستثمار العقاري، مؤشِّر لاستمرار التحدِّيات الَّتي يواجهها سوق العمل العُماني في ظل شح الوظائف وزيادة العرض على الطلب، وزيادة تكدس المخرجات الجامعيَّة نظرًا لحاجة المصانع إلى المهارات أكثر من حاجتها إلى الشهادات والمؤهلات العلميَّة، وبالتالي إعادة قراءة مسار الاستثمار الأجنبي والوطني وعبر توجيهه نَحْوَ المصانع بدلًا من العقار أو إحداث حالة من التوازن بَيْنَها بالشكل الَّذي يضمن اتجاه الكفة فيه لصالح بناء القدرات وتعزيز حضور الصناعات التحويليَّة وبناء القدرة الوطنيَّة بشكلٍ يحقق أولويَّات رؤية عُمان، ويقدم فرصًا أكبر في توطين الكفاءات والخبرات وإعادة هندسة العمليَّات الداخليَّة الَّتي تضْمن استقطاب أكبر للشباب العُماني.
وعَلَيْه، فإنَّ توليد وظائف مستدامة في مواجهة شحّ الوظائف يعتمد على بناء سوق عمل منتج، يمتلك القوَّة والكفاءة والفاعليَّة، ويستثمر في المورد البشري العُماني عبر التعليم المهني وتعظيم المهارات الناعمة والتنويع في المسارات التعليميَّة والَّذي يُمكِن من خلاله إعداد الشَّباب العُماني للانخراط في سوق العمل، ورفع كفاءة سوق العمل عبر توطين الصناعات، وتعظيم دَوْر الصناعات التحويليَّة في تحريك وتنشيط حركة الاقتصاد ورأس المال بما توفره من أنشطة وبدائل وخيارات اقتصاديَّة أوسع، بحيثُ يقوم الشَّباب العُماني على إدارتها وتشغيلها وتنظيم سلاسل الإنتاج فيها من الألف إلى الياء، وبالشكل الَّذي يؤدي إلى استيعاب أعداد كبيرة من الباحثين عن عمل، وتوظيف الخبرات وأصحاب التجارب من المسرّحين من أعمالهم، ذلك أن قدرة هذه المشاريع على صناعة التحول، نابعة من قدرتها على توفير فرص وظيفيَّة أوسع وخيارات وبدائل أكثر نضجًا، وأن تتجه الجهود نَحْوَ البحث عن قِطاعات إنتاج أكثر استدامة وابتكاريَّة في استيعاب القوى العاملة الوطنيَّة، ودعم إنشاء الشركات الأهليَّة وانخراطها في المجال السياحي والصناعي والتجاري والصحي بما من شأنه أن يوفر آلاف الفرص الوظيفيَّة للشباب العُماني المهدرة طاقته العمريَّة والنفسيَّة والفكريَّة في انتظار الوظيفة.
د. رجب بن علي العويسي
