في ضوء ما يشهده العصر الرقمي من تطورات متسارعة، سبق لمكتب القسطاس أن تقدم بعدد من الدعاوى المتعلقة بجرائم إلكترونية طالت بعض الموكلين، وهي قضايا كشفت بوضوح أن هذا النوع من الجرائم لا يقل خطورة عن الجرائم الجنائية التقليدية، بل قد يتجاوزها في بعض الأحيان لما يتركه من آثار مباشرة على الحقوق الفردية والمصالح الاقتصادية والاجتماعية.
فالفضاء الإلكتروني أصبح ساحة خصبة لانتهاكات متعددة تبدأ بالابتزاز والاحتيال وتنتهي بالمساس بأمن المجتمع وخصوصية الأفراد، وهو ما جعل القانون مضطراً إلى مواكبة هذا الواقع بتشريعات متطورة تعكس حجم التهديد الذي تمثله هذه الجرائم.
كما أن الجرائم الإلكترونية لم تعد مجرد أفعال عابرة، بل هي سلوكيات مجرمة تمس بشكل مباشر أمن المعلومات وسلامة المعاملات، بدءاً من اختراق الأنظمة وصولاً إلى التشهير والتهديد ونشر الشائعات. وتتعامل النصوص القانونية مع هذه الأفعال باعتبارها اعتداءً على المصالح المحمية قانوناً، سواء تمثل ذلك في الملكية الفكرية أو الحق في الخصوصية أو حماية الأموال من التلاعب غير المشروع. ومن هنا كان لا بد من إطار قانوني صارم يحدد بدقة أركان الجريمة الإلكترونية ويضع لها عقوبات رادعة لا تقل عن العقوبات المقررة للجرائم التقليدية.
وما يميز هذه الجرائم أنها غالباً ما ترتكب عبر وسائل يصعب تتبعها، حيث يستغل مرتكبوها الطبيعة التقنية للإنترنت من أجل إخفاء هويتهم أو التلاعب بأدلة الإدانة. وهذا يفرض على الأجهزة القضائية والأمنية أن تعتمد أدوات تقنية متطورة وأن تلجأ للتعاون القضائي العابر للحدود من أجل إثبات الوقائع وتقديم المجرمين إلى العدالة. كما يفرض على المحاكم أن تتعامل مع القضايا الإلكترونية بدقة متناهية، مراعية أن هذه الأفعال قد تنطوي على عناصر معقدة مثل التشفير أو اختراق الخوادم أو إساءة استخدام البيانات الشخصية.
القانون هنا لا يحمي فقط الأفراد من التعدي على حساباتهم أو بياناتهم، بل يسعى أيضاً إلى حماية الثقة العامة في المعاملات الرقمية التي أصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ من النشاط الاقتصادي. فإذا كان الاقتصاد الحديث يعتمد على التجارة الإلكترونية والتحويلات الرقمية والعقود المبرمة عبر الشبكة، فإن أي خلل في هذا الإطار قد يؤدي إلى انهيارات اقتصادية تمس المجتمع بأسره. لذلك كان المشرع حريصاً على أن يُدخل الجرائم الإلكترونية ضمن منظومة التجريم والعقاب، محدداً صورها وأركانها ومشدداً على أن المسؤولية القانونية فيها تشمل كل من يرتكب الفعل أو يشارك فيه أو يحرض عليه.
وفي كثير من الحالات، تكون الضحية عاجزة عن مواجهة هذا الخطر بمفردها، خاصة حين يكون الفاعل خارج نطاق الإقليم أو مجهول الهوية. وهنا يبرز دور مكاتب المحاماة المتخصصة التي تضطلع بمهمة الدفاع عن المتضررين، من خلال رفع الدعاوى وملاحقة المعتدين عبر الإجراءات القانونية، وضمان استرداد الحقوق أو الحصول على التعويض المناسب. وهو ما يجعل القضايا الإلكترونية مجالاً لا يقل أهمية عن غيره من القضايا الكبرى، بل ربما أكثر تعقيداً وحساسية، لكونه يرتبط بفضاء افتراضي يتطلب خبرة قانونية وتقنية في آن واحد.
إن جوهر الحماية القانونية في ميدان الجرائم الإلكترونية يقوم على مبدأ أساسي وهو صون الحقوق الفردية والجماعية في بيئة افتراضية باتت تتحكم بمفاصل الحياة. فالمشرع لم يعد ينظر إلى الإنترنت على أنه مجرد وسيلة ترفيه أو تواصل اجتماعي، بل كأداة رئيسية في الاقتصاد والسياسة والتعليم وحتى في ممارسة الحقوق الأساسية. وبذلك، يصبح التجريم والعقاب في هذا المجال ضرورة لحماية النظام العام وضمان الأمن القانوني للأفراد والمؤسسات.
ومن المهم إدراك أن مكافحة الجرائم الإلكترونية لا تقوم فقط على التجريم والعقاب، بل أيضاً على نشر الوعي القانوني لدى الأفراد والمؤسسات حول كيفية حماية بياناتهم وتحصين أنظمتهم ضد الاختراق والاعتداء. فالقانون، مهما بلغت قوته، يظل بحاجة إلى بيئة مجتمعية واعية تتعاون معه وتسانده في مواجهة هذا الخطر الذي لا يعترف بالحدود ولا يفرق بين الأفراد في استهدافهم.
وبناءً على ما سبق، فإن الجرائم الإلكترونية لم تعد شأناً ثانوياً، بل هي معركة قانونية متكاملة لحماية المجتمع من صور جديدة من الجريمة، تتطلب تشريعات دقيقة، قضاء يقظ، أجهزة فنية متطورة، ومحامين متمرسين قادرين على حمل هذا العبء دفاعاً عن الحقوق وصوناً للعدالة في فضاء مفتوح.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان
مستشار قانوني – الكويت
