🛑 لم يكن حوار أمين عام الجامعة العربية الأسبق “ عمرو موسى” ، بكل حمولاته المثيرة للغضب على نطاق واسع ، جديداً .
بدواعي التدقيق في تاريخ بث الحوار لأول مرة على شاشة محطة “ أم بي سي” ضمن برنامج “ السطر الأوسط ” ، ثبت بيقين أنه جرى قبل خمس سنوات كاملة بعد نشر الجزء الثاني من مذكراته ، التي تطرقت إلى تجربته في الجامعة العربية .
لماذا استدعاء نص تلفزيوني قديم الآن ؟!
هذا سؤال أول .
هل كان ذلك مقصوداً بدواعي الحملة المتصلة على “ جمال عبد الناصر ” وإرثه ، وما يمثله في الضمير العربي العام ؟
هذا سؤال ثان .
استغرقت المساجلات مراجعات من مواقع
فكرية وسياسية متناقضة لسؤال :
هل كان “ عبد الناصر ” ديكتاتوراً ؟
غابت الرؤى النقدية الجادة ، وتصدرت المشهد أحكام مرسلة أقرب إلى تصفية الحسابات مع فكرة الثورة نفسها ، ومع إرث “ عبد الناصر ” كله .
لم تكن هناك أية نظرة تساعد على أية إجابة جادة ، تنظر في عصره وتحدياته ، والأوزان الاستثنائية ، التي اكتسبتها مصر في عالمها العربي وقارتها الإفريقية ، وداخل حركة العالم الثالث ، ولا إلى طبيعة نظامه ومدى تناقضه مع مشروعه .
قوة “ عبد الناصر ” في مشروعه لا في نظامه .
هناك فارق جوهري بين النقد المشروع وتصفية الحسابات .
الأول ، يؤسس لرؤية تساعد على بناء المستقبل..
والثانية ، تمثل اعتداءاً حقيقياً على الذاكرة الوطنية .
في جميع السيناريوهات والاحتمالات المستقبلية ، لا يمكن تجاوز المشروع الناصري بغير البناء على أهدافه ومراميه .
بتعريف الدكتور “ جمال حمدان “ ، فإن الناصرية هي المصرية الخالصة ، أن تكون مصرياً يعني بالضبط أن تكون ناصرياً ، سواء اختلفت مع “ عبد الناصر ” نفسه ،
أو بعض سياساته .
كان قصده المباشر نظرية الأمن القومي في مصر ، التي اكتسبت كامل ملامحها وصياغتها في عصره .
وبتعريف الأستاذ “ محمد حسنين هيكل ” ، فإنها المشروع الوطني المتجدد .
إنه مشروع واحد ، يضاف إليه ، ويطور حسب احتياجات العصور المتغيرة .
إذا ما لخصت ثورة يوليو في هزيمة (1967) ، فإنه عدوان على الحقيقة يعجز عن تفسير لماذا عاش “ عبد الناصر ” في وجدان شعبه ، كأنه لم يحكم أحد غيره مصر رغم رحيله قبل خمسة وخمسين عاما ؟
بقوة الحقائق يفترض أن تكون مصر قد عبرت الهزيمة في نصر أكتوبر (١٩٧٣) .
كان يفترض أن تعبر بالوقت نفسه أي مشاعر سلبية لحقت الهزيمة ، لكنها تكرست .
لماذا حاربنا وضحينا ؟
في السؤال شيء من هزيمة الروح .
النتائج ناقضت التضحيات والسياسة خذلت السلاح .
كان الوجه الآخر لتبديد ثمار النصر في أكتوبر هو تكريس الهزيمة في يونيو .
بدا الأمر مقصوداً ، حتى لا تثق مصر في نفسها مرة أخرى ، حتى وصلنا إلى حافة الخروج من التاريخ .
ما هو متوافر – حتى الآن – شهادات لقادة عسكريين ، يدافعون فيها عن أنفسهم ، أو يتهمون آخرين بالمسئولية .
حسب المثل الشائع ، فإن “ الهزيمة يتيمة والنصر له
ألف أب ”.
تلك الشهادات – رغم أهمية بعضها – لا تؤسس لرواية مصرية موثقة ومتماسكة ومصدقة .
وثائق يونيو مودعة في خزائنها ، والخزائن عليها
أقفال ومتاريس .
ليس من مصلحة مصر حجب ما تقصته لجنة برئاسة اللواء “ حسن البدري ” المؤرخ المعتمد للجيش المصري بعد يونيو مباشرة عن أسباب الهزيمة بالأسرار والخرائط .
لم يعد هناك سر واحد خافٍ على أحد في العالم .
تتوافر آلاف الوثائق عن يونيو وأسرارها غربية وإسرائيلية ، دون أن تكون هناك رواية مصرية واحدة لها
صفة الرسمية .
الدول تنشر وثائقها السياسية والعسكرية بعد عدد معين من السنين ؛ لتضع الحقيقة أمام مواطنيها – أيا كانت مرارتها – حتى لا تتكرر أي أخطاء ، جرت في الماضي .
الأمر نفسه نفتقده في حربي “ الاستنزاف ” و” أكتوبر ”.
هناك شهادات ودراسات نُشرت ، لكن الوثائق قضية أخرى .
للوثائق كلمة أخيرة ، تجيب عن كل الأسئلة : كيف هزمنا ؟ ولماذا ؟
وكيف قاومنا وصمدنا حتى عبرنا الهزيمة في أكتوبر ؟
ثم كيف أجهضت النتائج السياسية ؟
هناك فارق بين مراجعة التاريخ بالوثائق المثبتة لإدراك حقائقه وتصحيح الذاكرة العامة وبين تعميق الشعور بالهزيمة كقدر إغريقي ، لا يمكن الفكاك منه ، أو نفي أسبابه .
بلغة الوثائق يتأسس الاتفاق والاختلاف على قاعدة معلومات صلبة .
كانت هزيمة يونيو كارثية بأي معنى عسكري ، وتسببت الثغرات السياسية في بنية نظام الحكم ، أن تأخذ حجمها الخطير .
ذلك جانب أول في الواقعة التاريخية لا سبيل إلى إنكاره ، أو التحلل من مسئوليته .
وقد جرت مراجعتان على قدر كبير من الأهمية .
الأولى، إعادة تصحيح دور القوات المسلحة ،
أو دخولها إلى غير أدوارها .
أعيد بناؤها من تحت الصفر تقريباً وفق مواصفات الجيوش الحديثة ، التي تعلي من شأن الكفاءة والاحتراف ، وتمنع الانشغال بالسياسة .
وأُسندت مسئوليتها إلى نخبة من العسكريين الأكفاء في القيادة العامة ، كما في جميع الأسلحة .
تصدر المشهد العسكري المصري أفضل ما في البلد من كفاءات متاحة .
يعزى ذلك لـ” عبد الناصر ” التي ساعدت شعبيته والثقة العامة فيه ، رغم الهزيمة العسكرية ، في تعبئة البلد كله لخوض حرب استعادة سيناء المحتلة بقوة السلاح .
كانت الوطنية المصرية مستعدة ، أن تقدم كل ما لديها من طاقات عطاء ودم بإيمان حقيقي أن البلد تحارب معركة وجودها ومستقبلها .
لم تكن مصادفة بعد أيام من الهزيمة ، أن تفرض قوات محدودة في “ رأس العش ” كلمتها على الإسرائيليين ، وتوقع بهم خسائر فادحة في لحظة انتشاء عسكري .
بهذه الروح تمكنت القوات المصرية من خوض حربي “ الاستنزاف ” و” أكتوبر ” ، وكان الجندي المصري العادي بطلهما بلا منازع .
كان ضرورياً لإعادة بناء القوات المسلحة على أسس احترافية تصفية أوضاع قديمة ، تسببت في الهزيمة منها التدخل في الحياة السياسية ، ومنها ما هو منسوب للمخابرات العامة على عهد “ صلاح نصر ” من انحرافات ، جرى التحقيق فيها .
بعض التحقيقات سُربت ، وأغلبها ما زال مودعاً في خزائن الدولة ، ولا يصح أن تظل في مكامنها إلى الأبد بعيداً عن علم الرأي العام ، وحقه أن يعرف ما حدث بالضبط .
والثانية ، إعادة النظر في طبيعة النظام نفسه .
وقد ترددت في المراجعات ، التي احتوتها محاضر رسمية للجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي ، شارك فيها الرئيس “جمال عبد الناصر” ، عبارات “ المجتمع المفتوح ” و” دولة المؤسسات ” ، كما بدأ التفكير في التحول إلى التعددية الحزبية .
بنفس الوقت ، بدأت بالجامعات المصرية أقوى وأطول حركة طلابية على خلفية الهزيمة العسكرية ، تدعو إلى تعبئة الجبهة الداخلية لمتطلبات القتال على الجبهة الأمامية وتوسيع المشاركة السياسية في اتخاذ القرار .
هكذا استأنفت مصر المواجهات العسكرية .
شاع وقتها شعار “ يد تبني ويد تحمل السلاح ”.
البناء والحرب معاً ، القتال والتصحيح في نفس الوقت .
مثلت الهزيمة تراجعاً فادحاً في المشروع القومي ، لكنها لم تكن نهاية المطاف .
كانت السنوات التي أعقبت الهزيمة أفضل سنوات العسكرية المصرية ، وأفضل سنوات “ جمال عبد الناصر ” ، بالنظر إلى حجم العطاء الذى بُذل .
أرجو ألا ننسى ، أن المصريين قرروا وسط ظلام الهزيمة عدم الاستسلام ، وأعلنوا المقاومة في تظاهرات (٩) و(١٠) يونيو المليونية التي كلفت “عبد الناصر” استئناف القتال .
كانت المقاومة بالسلاح والدماء الجانب الآخر في قصة يونيو وما بعدها .
هكذا يبدو تعبير “ النكسة ” ، الذي صكه الأستاذ “محمد حسنين هيكل” في خطاب “ التنحي” ، الأكثر دقة بوصف الإرادة المصرية الكامنة عند لحظة هزيمة عسكرية .
معنى التعبير ، أن الهزيمة مؤقتة ، وأنه يمكن تحديها وتجاوزها بتصحيح وتصويب أسبابها .
بالنتائج العسكرية ثبت صحة وصف “ النكسة ”.
غير أن المفارقة الكبرى ، أن ما هو مؤقت من انكسار عسكري تحول بالإدارة السياسية لحرب أكتوبر إلى إقرار متأخر بالهزيمة .
بين تحولات السياسة والانقلابات الاستراتيجية ، نشأت صناعة الهزيمة في الوجدان العام ، فـ” أكتوبر آخر الحروب” ، و” لن نحارب بالنيابة عن الفلسطينيين والعرب لآخر جندي مصري” ، كما تردد على نطاق واسع في الخطابين الإعلامي والسياسي .
جرى تسطيح قضية الصراع العربي الإسرائيلي ، وقضية الأمن القومي المصري الذي دافعت عنه قبل أي شيء آخر .
أهدرت التضحيات الهائلة التي بذلت في ميادين القتال ، ونشأت طبقة جديدة ، وصفت في البداية بـ” القطط السمان ” لتساند السلام مع إسرائيل .
شعر جيل كامل ، وهب حياته لقضية تحرير بلاده بقوة السلاح بالخديعة الكاملة ، فقد حارب من أجل حلم ؛ ليستيقظ على كابوس .
كانت تلك هي الهزيمة الحقيقية ، التي أرادوا إخفاءها وراء تكريس “عقدة يونيو” في الوجدان العام جيلاً بعد آخر .
أي قراءة مبتسرة للتاريخ تفضي إلى التجهيل به ، وتكريس ثقافة الهزيمة في أجيالها الجديدة .
المفارقة الكبرى في القصة كلها ، “عمرو موسى” والصراع العربي الإسرائيلي ، أن أراءه عن هزيمة يونيو ، وما بعدها تكاد تناقض ما يتبناه اليوم من دعم مفتوح لقضية المقاومة الفلسطينية تحت أسوأ الظروف .
بأي نظر منصف ، يحسب له دفاعه المتصل عن شرعية السابع من أكتوبر (2023) نافياً مسئوليتها عن حربي الإبادة والتجويع في غزة المحاصرة .
المقاومة حق مشروع ، لا يجب الانتقاص منها ، ما دام هناك احتلال فهناك مقاومة .
مشكلته أنه لم يراجع نظرته القديمة لا لحرب (1967)، ولا لأوهام السلام ، التي أوصلتنا إلى حافة تهديد الوجود العربي كله ، والتغول عليه بذريعة “ إسرائيل الكبرى ”.
أريد أن أقول بكل وضوح إنه لا يوجد مشروع واحد قادر على منازعة المشروع الصهيوني في أخطر تجلياته غير المشروع العروبي ، الذي يعد “عبد الناصر” رمزه الأكبر .
مصر 360 .
عبد الله السناوي
