الطلاق يُعد من أكثر المسائل حساسية في البناء القانوني والاجتماعي، لأنه يتجاوز حدود العلاقة الزوجية ليؤثر في الأسرة والمجتمع برمته، ولهذا وضعت التشريعات والأنظمة ضوابط صارمة تنظمه وتحد من إطلاقه بلا قيود. فالزواج في الأصل عقد رضائي، لكن إنهاءه ليس قراراً فردياً مطلقاً، بل تحكمه قواعد قانونية وأحكام قضائية تهدف إلى صون الحقوق وتحقيق العدالة.
يُميز القانون بين الطلاق الرجعي والطلاق البائن، فالأول يسمح للزوج بالعودة إلى زوجته خلال فترة العدة دون عقد جديد، إلا إذا استكمل الطلاق عدد الثلاث، فيتحول إلى بائن لا رجعة فيه إلا بعقد ومهر جديدين. هذه التفرقة تعكس فلسفة تشريعية تهدف إلى إتاحة فرصة للمراجعة وتلافي الاندفاع، في مقابل حماية الزوجة من التلاعب بحقوقها أو إبقائها معلقة.
وفيما يتعلق بمن له سلطة الطلاق، فقد جرى العرف القانوني على أن الطلاق بيد الزوج، لكن هذه السلطة ليست مطلقة، فهي مقيدة بجدية الإرادة وانتفاء الإكراه، كما أن الزوجة أُعطيت الحق في طلب التفريق أمام المحكمة إذا لحق بها ضرر مادي أو معنوي، مثل العنف أو الهجر أو الإخلال بالحقوق المتبادلة. بل إن التشريع أوجد آلية “الخلع” التي تمنح المرأة إمكانية إنهاء الزواج بإرادتها مقابل رد مهرها أو التنازل عن بعض حقوقها المالية، على أن يتم ذلك تحت إشراف قضائي يوازن بين المصلحة العامة والعدالة الفردية.
أما من ناحية الإجراءات، فالطلاق لا يُعتد به إلا إذا وثق في السجلات الرسمية وتم إخطار الطرف الآخر به، وذلك لضمان الحقوق المترتبة كالنفقة أثناء العدة، والسكن، ومؤخر الصداق، إضافة إلى حقوق الأبناء في النفقة والرعاية. فالعدة ليست مجرد التزام شرعي، بل ضمانة قانونية أيضاً، توفر للمرأة حماية مالية واجتماعية، وتمنح الطرفين فرصة للتفكير قبل الانتقال إلى مرحلة الانفصال التام.
في الفكر الفقهي، ذهب بعض العلماء إلى أن الطلاق ضرورة عند استحالة استمرار العشرة، معتبرين أن المصلحة الأسرية مقدمة على بقاء عقد يسبب ضرراً. بينما رأى آخرون أن الأصل هو التضييق في إيقاع الطلاق، وأن اللجوء إليه يجب أن يكون في أضيق الحدود. هذا التباين انعكس في التشريع الوضعي الذي حاول أن يوازن بين احترام الحرية الفردية للزوج في إنهاء العلاقة، وبين توفير آليات قانونية تحمي الزوجة والأبناء من تعسف استعمال الحق.
الفقهاء القانونيون المدنيون اعتبروا الطلاق نوعاً من “الفسخ القضائي المقيد”، مؤكدين أن العقد إذا لم يعد محققاً لمقصوده وجب إنهاؤه بضمانات تردع الانحراف، في حين أن الفقهاء الشرعيين أعطوه بعداً أخلاقياً وروحياً، حيث عُدّ أبغض الحلال لما يترتب عليه من تفكك الأسرة، لكنهم لم يمنعوه بل قيدوه. هذا التفاعل بين الفقهين أنتج رؤية قانونية وسطية تجمع بين الصبغة الإجرائية الحديثة والمرجعية الشرعية التقليدية.
كما أن القانون أتاح اللجوء إلى التوكيلات القانونية، حيث يمكن لأحد الطرفين أن يفوض محامياً موثقاً لمباشرة الدعوى نيابة عنه، وهو إجراء ضروري في حالات الغياب أو العجز عن الحضور، شريطة أن يتم التوثيق بالصيغة المعتمدة قانوناً وأن يخضع للتصديق. هذه الأداة تضمن استمرارية التقاضي وعدم تعطيله، وتحفظ في الوقت ذاته حقوق الطرف الغائب.
القضاء في النهاية هو الجهة الفاصلة التي لا تكتفي بإثبات الطلاق، بل تعالج آثاره المالية والاجتماعية، من نفقة ومتعة وسكن وحضانة، وتقدّر المصلحة الفضلى للأطفال على أي اعتبار آخر. وقد كرّست الأحكام القضائية قاعدة أن مسؤوليات الوالدين تجاه أبنائهما لا تزول بالطلاق، بل تبقى قائمة كواجب مستمر.
وبذلك يتضح أن الطلاق ليس مجرد إجراء لإنهاء رابطة، بل منظومة قانونية متكاملة تتداخل فيها الأحكام الشرعية مع القواعد الوضعية، وتقوم على فلسفة التوازن بين الحرية الفردية والعدالة الأسرية. فهو آلية شرعية وقانونية في آن واحد، تتيح إنهاء العلاقة حين تستحيل استمراريتها، لكنها في الوقت ذاته تفرض ضمانات تحول دون التعسف وتحقق حماية حقيقية للأسرة والمجتمع.
عبد العزيز بدر عبدالله القطان
مستشار قانوني – الكويت

