تطرح مسألة إنسانيَّة الوظيفة العامَّة اليوم أمام المشرعين مسؤوليَّة إضفاء الصبغة الإنسانيَّة على الوظيفة بحيثُ تمثل روحًا متجددة، وحياة تواصليَّة تؤسس لمرحلة جديدة في حياة الموظف، فهي ليست مجرد قواعد مجردة، بل مشاعر وأحاسيس وضمير حي وعقل يفكر وفرص تستوعب الواقع وتصنع التغيير وتفكير خلاق واستنطاق للقِيَم واستنهاض للهمم، استثمار في الإنسان والموارد وإبداع وابتكاريَّة في الأدوات، وتطوير ونمو وتنمية، هذه الروح الإنسانيَّة بكُلِّ تفاصيلها تنقل الوظيفة من مرحلة الفردانيَّة والاستعلاء والأنانيَّة والسلطويَّة وفرض الواقع إلى أن تكون مرحلة بناء لشخصيَّة الموظف الإنسان وتعظيمًا وتجسيدًا عمليًّا للمواطنة والحقوق والواجبات والمسؤوليَّات وترقية مفاهيمها في حياة الموظف، وصناعة النماذج والقدوات التي ترى في الوظيفة الطريق لخدمة المُجتمع وصون موارده وتعظيم الإلهام والعلم والتعلم والثقة والصبر والمسؤوليَّة والأخلاق، وعندها تصبح الوظيفة العامَّة محطة اختبار تجريبي للمواطن وتدريبًا للذَّات، وصقل التجربة وبناء الخبرة، وإعداد المواطن لتحمُّل مسؤوليَّته نَحْوَ الوطن والمواطنين، بما يعزز من هرمون الالتزام بتحقيق تبعات المسؤوليَّة الوظيفيَّة لديه، والقِيمة المضافة التي تحملها من أجل عُمان في إطار مسؤوليَّته نَحْوَ الحفاظ على المورد الوطني وحُسن استخدامه وتثمير الاستفادة منه بشكلٍ يحفظ له استدامته وقوَّته وكفاءته للأجيال القادمة، وتجريد النفس من شوائب المصالح الذاتيَّة والأنانيَّة واستغلال الوظيفة للنفوذ الاجتماعي، وتعويدها على العطاء والإنجاز وتحمُّل المسؤوليَّة والقدرة على الثبات في المواقف، والتعاطي الواعي مع المتغيرات والظروف بوعي ومسؤوليَّة، خيوط متصلة مع الآخر ومن خلاله، وسلوك يحرك في وجدان الموظف وفكره وخيالاته، روح التغيير نَحْوَ بلوغ الأهداف والغايات الوطنيَّة العليا، لتقرأ في تفاصيل الوظيفة وأحكامها وقواعدها وواجباتها ومحظوراتها ومهامها واختصاصاتها وأخلاقيَّاتها جسورًا ممتدة من الولاء والانتماء والإخلاص والتفاني واحترام المسؤوليَّات واحتواء الفرص وإعادة إنتاجها.
وتصبح الوظيفة العامَّة في ظل هذا المعنى اندماجًا للذَّات المخلصة المؤتمنة على حقوق المواطنين ورعاية مصالحهم في روح الوطن، فتؤطر فيه أبجديَّاته وقِيَمه وأخلاقيَّاته، بما تغرسه في الموظف من مسؤوليَّة، وتؤسِّسه فيه من قِيَم الإخلاص والأمانة والمصداقيَّة والمهنيَّة والالتزام والحِس المهني. وعندما يؤمن الموظف بأنَّ الوظيفة تكليف لا تشريف، ومسؤوليَّة لا نزهة استجمام، وأمانة لا مفخرة ومساحة يجسِّد فيها الموظف حُب وطنه وأبناء وطنه فيخدمهم بمصداقيَّة وأمانة، ويقضي حوائجهم بدون تأفف أو تلكؤ، ويُلبِّي مطالبهم بكُلِّ أريحيَّة وشعور بالفخر والسعادة، عندها تندمج بفطرتها مع حِس الإنسانيَّة، وتغرس في الفرد حُب الوطن الإنسان لما تقدِّمه الوظيفة له من أمن وأمان واستقرار، واستشعار بما وفره له الوطن من فرص، وأوجده له من مساحات لإثبات بصمة حضوره في أبجديَّات الوطن الكبير، فتؤسِّس في ذات الموظف وعقيدته وفكره ومنهج عمله وممارسة، أخلاق الإنسان وبصيرته ووعيه وترفع من دافعيَّته وشغفه وروحه المعنويَّة باستشعار التَّحوُّل الذي تصنعه الوظيفة فيه، ليس فيما تقدِّمه له من مال وجاه ورفاهيَّة اجتماعيَّة؛ بل بما تُكسبه له من حضور الناس ودعائهم له وتقديرهم لعمله؛ وقدرته على إضفاء التغيير في حياتهم وتلبية احتياجاتهم والسهر على حقوقهم والارتقاء بمطالبهم، وفق منهجيَّات واضحة وأُسُس صحيحة وضوابط معلومة، وتثمير الحقوق والواجبات والمسؤوليَّات، محطَّات إنجاز واقعيَّة، ومسارات عمل مقننة، واستراتيجيَّات أداء تمشي على الأرض في سلوك الموظف؛ فيتقن أدواتها، ويضبط خياراتها، وينتقي البدائل الداعمة لها؛ فيطورها ويخلص فيها، ويصقل مهاراته وقدراته واستعداداته، ويلتزم واجباتها.
إنّ إنسانيَّة الوظيفة العامَّة بذلك مشهد مصغر لمنظومة الوطن الواسع، وتعبير أصيل عن حُبه وإخلاصه له وشعوره بمسؤوليَّاته نَحْوَه، وسعيه المتواصل لأن يجده في نفسه، ويستحضر مبادئه في ذاته، ويرتقي بممارساته الإنسانيَّة فيها ليكسب ثقة الناس والمُجتمع لعملٍ أكثر استدامة وابتكاريَّة وإخلاصًا ومهنيَّة؛ فالوظيفة في قاموسه تكليف ومسؤوليَّة يقوم بها خدمة للناس، وارتباط بهم، واستشعار بأهميَّتها في زيادة أرصدة الوعي لديهم، وتوفير سبل السعادة والعيش الكريم لهم، وعندها تتجلى القوة الخفيَّة لإنسانيَّة الوظيفة في قدرتها على تحوُّل الوظيفة من كونها غاية في ذاتها إلى وسيلة لإثبات الجدارة وصدق الأمانة في التعامل مع المستهدفين منها، فهي كُلُّ مسؤوليَّة تصنع من الموظف إنسانًا صاحب رسالة ومبدأ، والتزام، وبصيرة، وخُلُق، وإرادة، بما يجسِّده في وظيفته من قِيَم النزاهة وأخلاقيَّات العمل، وميثاق عمل تحتكم إليه المؤسَّسة ورسالتها ومنهج عملها، فتتحول إنسانيَّة الوظيفة من سلوك شخصي إلى ثقافة مؤسَّسيَّة، والأداء من مجرد تنفيذ للمهام إلى تفاعل مع القِيَم العليا، والتزامات راسخة تجاه الوطن والمواطنين، فالموظف الذي يضبط سلوكه بضابط المسؤوليَّة، ويحرص على تطبيق القوانين بوعي، ويحترم الأطر التنظيميَّة، ويسعى لتجويد أدواته ومهاراته، هو موظف يُسهم في صناعة الفارق، ويعكس الوجه المشرق للمؤسَّسة.
إنّ إنسانيَّة الوظيفة جواهر تنبض بالحياة وتذكي روح المنافسة، وتجسِّد القِيَم والأخلاقيَّات والالتزامات والسَّمت لتسري في حياة المسؤول وسلوكه اليومي، في قراراته وممارساته الوظيفيَّة والدخول في أعماق التفاعلات الداخليَّة في ثقافة وفِقه الموظف وسلوكه المؤسَّسي وعبر إيجاد بيئة عمل تؤمن بإدارة المشاعر وامتلاك أدوات قراءة نفسيَّات الموظف وظروفه وتتلمس في اهتماماته وإنجازه فرصًا أعمق للتطوير والرقي، في ظل مدخلات تراعي الذوق في الخطاب وحُسن التعامل الثقة في أداء الموظف، وتبني برامج التصحيح والإثراء والعلاج حسب ما يستجد في طبيعة العمل المؤسَّسي أو مستجدات الوظيفة التي يؤديها، وتتسع إنسانيَّة الوظيفة لتتعدى جانب التواصل والاتصال المؤسَّسي بَيْنَ الكوادر المؤسَّسيَّة لتشمل قدرة أنظمة العمل والقرارات والإجراءات التي تتخذها المؤسَّسة على تحقيق تضامن معها وتبني لمبادئها والدفاع عن قِيَمها، وفرض حالة من الاستقرار النفسي والأريحيَّة في العمل والشعور بقِيمة ما أنجز، وشعور الموظف بأنَّ هذه القرارات إنَّما تعزز من قدرته على الابتكاريَّة في الممارسة وفق قواعد المؤسَّسة.
عليه، يبقى تجسيد هذه الصورة المشرقة وتعظيم حضورها في مؤسَّسات الجهاز الإداري للدولة بحاجة إلى سياسات وظيفيَّة راقية معززة لمسار الحوكمة والحوافز والتمكين وبناء القدرات وصناعة النماذج وتعظيم مفاهيم الابتكاريَّة والإنتاجيَّة وصناعة الفرص على حساب الشكليَّات والمظاهر والتقييمات القائمة على المحسوبيَّة والاختيارات الارتجاليَّة، وأن يستحضر قانون الوظيفة العامَّة هذه الموجهات الإنسانيَّة وحوكمتها في إطار مسار وظيفي واضح وبيئة عمل إنسانيَّة داعمة للإنتاجيَّة وصانعة للفرص، بحيثُ تؤسِّس في الموظف روح التغيير، وحافز العطاء، وحِس الإلهام، وحدس التوقعات، وتبرز في الوظيفة مساحات التحوُّل والتجدُّد والمرونة في الاختصاصات، وطريقة إنجاز المهام، وتوظيف التقنيَّة في الخدمة المؤسَّسيَّة، وتوفِّر نظامًا عادلًا ومنافسًا في المحاسبيَّة والمساءلة المضبوطة، وتعزيز منظومة الحوافز والصلاحيَّات، وقدرتها على تحريك دافع الشغف لدى الموظف في البحث والتطوير والتجديد وفْقَ أنظمة قياس واضحة، ووصف وظيفي مقنن، ومؤشرات أداء دقيقة، وممارسة مهنيَّة مؤطّرة.
أخيرًا، كم من كلمة طيبة وأسلوب راقٍ وابتسامة صادقة وحُسن خُلق وتواضع، غيَّرت من سلوك مؤسَّسات ورسَّخت للإنجاز المبهر، وكم عكس ذلك من تأثير سلبي دفعت المؤسَّسات خلاله ضريبة تصرفات فرديَّة غير مسؤولة من قبل موظف أو مسؤول وأفقدت خلاله الكثير من الكفاءات المُجيدة، بسبب سلطويَّة مسؤول وفلسفة أداء متخبطة وعشوائيَّة؛ فإنَّ من شأن هذه اللغة الإنسانيَّة الراقية في المؤسَّسات أن ترسم ملامح إنجاز راقية مثلها، وتبرز تحوُّلًا في نوعيَّة الممارسة المرتبطة بحِس الشعور وبقِيمة المشاعر ورونق التقدير في سلوك الوظيفي، لتبرز في المشهد الوظيفي قِيمة الإنسانيَّة في أجمل تفاصيلها وأصدق شمائلها شموليَّتها، لتتجلى إنسانيَّة الوظيفة في أبهى صورها، حين تستوعب المؤسَّسة الحالة النفسيَّة للموظف، وتُقدّر جهوده، وتحتفي بإنجازه، وتراعي ظروفه، وتحترم شخصه، ذلك أنَّ بيئة العمل التي تحترم الإنسان وتستثمر في مشاعره هي بيئة محفزة على الإبداع، ودافعة نَحْوَ التميز، وقادرة على تعزيز الانتماء والولاء المؤسَّسي، وفي المقابل كم من تصرفات غير منضبطة لمسؤول حكومي أو في القطاع الخاص سلطوي أناني لا يمتلك روح الإنسان وقِيَم الإنسانيَّة وفلسفة إداريَّة مؤطّرة؛ أضرت تصرفاته الهوجاء بالمؤسَّسة، وأقصت الكفاءة، وأهدرت الموارد، وبدَّدت الطاقات.
د.رجب بن علي العويسي
