يُعتبر مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة من الركائز الأساسية في القانون الدولي العام ومن الأعمدة التي قام عليها النظام الدولي المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية. فقد نص ميثاق الأمم المتحدة في المادة (2/4) بشكل صريح على حظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد وحدة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي، وهو ما شكّل قطيعة مع مرحلة تاريخية سابقة كانت فيها الحروب أداة مشروعة لإعادة رسم الخرائط وتوسيع الحدود. وبهذا التحول القانوني تم تثبيت قاعدة دولية آمرة مفادها أن الأرض لا تُكتسب بالقوة العسكرية، وأن الاحتلال أو الاستيطان الناتج عن عدوان أو حرب لا يغيّر من الوضع القانوني للأرض المغتصبة ولا يُكسب أي مشروعية لمَن استولى عليها.
لقد جاء هذا المبدأ ثمرة لتجارب إنسانية مريرة عاشها العالم خلال النصف الأول من القرن العشرين، حيث كانت الحروب التوسعية والاحتلالات سبباً مباشراً لإشعال صراعات عالمية مدمرة. ولهذا السبب أولى واضعو الميثاق في سان فرانسيسكو عام 1945 أهمية قصوى لتضمين نص قاطع يمنع استخدام القوة إلا في حالتي الدفاع الشرعي عن النفس أو بتفويض من مجلس الأمن، وبهذا تم إغلاق الباب أمام محاولات شرعنة الاستيلاء على أراضي الغير تحت أي ذريعة سياسية أو عسكرية. ومن أبرز الشواهد القانونية التي دعمت هذا المبدأ القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن في أعقاب النزاعات الإقليمية، ومن بينها القرار 242 لعام 1967 الذي أكد على “عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب” وضرورة انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها في حرب يونيو، والقرار 338 لعام 1973 الذي كرر التأكيد على المبدأ ذاته ودعا إلى مفاوضات سلام على أساسه. وهذه النصوص ليست مجرد توصيات عابرة، بل هي جزء من التفسير الرسمي الجامع لميثاق الأمم المتحدة، بما يجعلها ملزمة كقواعد عرفية مترسخة في القانون الدولي.
والأمثلة التاريخية التي تجسد هذا المبدأ كثيرة، ولعل أبرزها قضية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية منذ عام 1967. فالمجتمع الدولي بأسره تقريباً لم يعترف بضم القدس الشرقية ولا بإنشاء المستوطنات في الضفة الغربية، وأكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2004 بشأن الجدار الفاصل على أن هذه الممارسات تمثل انتهاكاً صارخاً لمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. كما أن محكمة نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية اعتبرت ضم الأراضي بالقوة عملاً غير مشروع يُحمّل الدولة المعتدية المسؤولية الدولية، وهو ما عزّز الطبيعة الآمرة لهذا المبدأ في القانون الدولي.
ولم يقتصر تطبيق هذا المبدأ على القضية الفلسطينية وحدها، بل امتد إلى نزاعات أخرى مثل غزو العراق للكويت عام 1990، حيث أصدر مجلس الأمن القرار 662 الذي اعتبر ضم الكويت لاغياً وباطلاً، والقرار 678 الذي أجاز استخدام القوة لتحرير الأراضي الكويتية وإعادة الشرعية. وهذا المثال يكشف بوضوح أن المجتمع الدولي لا يعترف بأي سيادة تُنتزع بالقوة، بل يضع كل ثقله لإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل العدوان. كذلك، في النزاع القبرصي، لم يعترف المجتمع الدولي بإعلان “جمهورية شمال قبرص التركية” عام 1983 باعتباره نتاج احتلال عسكري، وظلت الأمم المتحدة تؤكد على وحدة الأراضي القبرصية وفقاً لمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
من الناحية القانونية، هذا المبدأ أصبح قاعدة آمرة في القانون الدولي العام (Jus Cogens)، أي قاعدة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها حتى بالتراضي بين الدول، وذلك لأن أساسها حماية السلم والأمن الدوليين وحظر العدوان. وكل معاهدة أو اتفاق أو إجراء يترتب عليه الإقرار بالاستيلاء غير المشروع على أرض يُعد لاغياً وباطلاً وفقاً لاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969. ولهذا السبب لا تجد أي دولة اليوم تعترف رسمياً بالمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، ولا تقيم علاقات دبلوماسية طبيعية على أساس الإقرار بالضم أو التوسع الإقليمي القسري، لأن ذلك سيشكل خرقاً للقواعد الآمرة التي تحكم العلاقات الدولية.
غير أن الإشكالية الكبرى تكمن في التباين بين النصوص القانونية والممارسات السياسية، فبينما تترسخ القاعدة القانونية على نحو لا لبس فيه، نجد أن بعض الدول الكبرى تستخدم حق النقض في مجلس الأمن لتعطيل أي قرارات تلزم المعتدي بالانسحاب، مما يؤدي إلى استمرار الاحتلالات لفترات طويلة. ومع ذلك، فإن القيمة القانونية لهذا المبدأ تبقى راسخة لأنها تشكل أساساً لأي مطالبة مستقبلية بالحقوق، كما أنها تسقط أي محاولة لإضفاء الشرعية على واقع نتج عن عدوان. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار بناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية أو محاولات تغيير هوية القدس الشرقية، مهما طال الزمن، يظل فعلاً غير مشروع لا يمكن أن يكسب أي مشروعية في نظر القانون الدولي، حتى لو فرضته القوة العسكرية.
ومن المعروف أن الاحتلال بطبيعته لا يُنشئ حقوقاً سيادية للدولة القائمة به، بل يفرض عليها التزامات بموجب القانون الدولي الإنساني، أهمها اتفاقيات جنيف التي تلزم القوة المحتلة بعدم تغيير البنية الديمغرافية أو القانونية للأراضي المحتلة، وعدم نقل سكانها المدنيين إلى تلك الأراضي. هذه الالتزامات كثيراً ما تُخرق في حالات الاحتلال الطويل، كما في الحالة الإسرائيلية، لكن ذلك لا يعني أن المبدأ قد سقط أو فَقَد قوته الإلزامية، بل على العكس، يظل مرجعاً دائماً لمحاسبة المعتدين ومساءلتهم أمام الهيئات الدولية، كما يُستند إليه في أي عملية تفاوضية أو سياسية لتسوية النزاعات.
ومن الناحية الأخلاقية والسياسية، فإن التمسك بمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة يمثل حماية للشعوب الضعيفة من منطق الغلبة العسكرية، ويعيد الاعتبار لسيادة القانون الدولي على منطق القوة الغاشمة. إذ لو فُتح الباب أمام الاعتراف بالاحتلالات وعمليات الضم الناتجة عن الحروب، لعاد العالم إلى حقبة مظلمة تسودها الفوضى والحروب التوسعية، وهو ما يتناقض مع الغاية الأساسية للأمم المتحدة وهي “إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب”.
بالتالي إن صلابة هذا المبدأ تتجلى أيضاً في كونه أحد الأسس التي تقوم عليها قرارات الجمعية العامة بشأن إنهاء الاستعمار، حيث تم التأكيد مراراً على أن استقلال الشعوب وحقها في تقرير مصيرها لا يجوز مصادرته بالقوة. ومن هذا المنطلق، فإن كل محاولات فرض الأمر الواقع عبر الاحتلال أو الاستيطان أو تغيير الحدود قسراً تبقى أفعالاً غير مشروعة، ومصيرها الفشل على المدى الطويل، لأن الشرعية الدولية تقف على النقيض منها.
وعليه، فإن مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة ليس مجرد قاعدة نظرية في القانون الدولي، بل هو أساس عملي يحكم معظم النزاعات الإقليمية القائمة اليوم، وهو السند القانوني الأكبر للشعوب الواقعة تحت الاحتلال في نضالها لاستعادة حقوقها. هذا المبدأ يذكّر العالم دوماً بأن الأرض لا تُكتسب بالحروب، وأن الاحتلال لا يمنح سيادة، وأن الحق لا يسقط مهما طال أمد الباطل. وهو قاعدة لنظام دولي أكثر عدلاً وأمناً، وركيزة لبقاء القانون فوق القوة، والشرعية فوق الاحتلال.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان

