في ظلِّ ما يشهده العالم اليوم من متغيرات متسارعة، وتحدِّيات فكريَّة ونفسيَّة واجتماعيَّة واقتصاديَّة ضاغطة، باتتِ القِيَم مهدّدة بالتآكل والانكماش، لا سِيَّما لدى فئة الناشئة الَّتي تعيش في قلب هذه المتغيرات المتشابكة. وقد أصبحت هذه التحدِّيات تشكِّل فجوات كبيرة في البنية النفسيَّة والسلوكيَّة، وتؤدي إلى تآكل الانتماء، واضطراب الهُوِيَّة، وتراجع الثوابت، ممَّا يجعل من الضروري البحث عن أدوات منهجيَّة ومؤسَّسيَّة تُعيد للقِيَم مكانتها في إدارة السلوك الاجتماعي. وفي هذا السياق، تبرز حوكمة القِيَم كأحد أبرز الحلول وأكثرها فاعليَّة في التسويق للمضمون القِيَمي، الَّذي يشكِّل في الوقت ذاته ضمانة للاستقرار المُجتمعي، وركيزة لتعظيم الانتماء الوطني والإنساني.
إنَّ حوكمة القِيَم لا تعني فقط وضع القِيَم في إطار تنظيمي، بل تتجاوز ذلك إلى تبنِّي القِيَم كنهج إداري وتشريعي يدمجها في صلب السياسات والأنظمة، لتصبح ملزمة، وذات قوَّة تنظيميَّة تحكم السلوك وتوجِّهه نَحْوَ المسار القويم. وبهذا تتحول القِيَم من كونها منظومة أخلاقيَّة فرديَّة إلى أداة ضبط مؤسَّسيَّة، تمارس دَوْرها في التوجيه، والتصحيح، والتحفيز، والردع عند الحاجة، وهو ما يمثِّل في جوهره تسويقًا مستدامًا للمضمون القِيَمي من خلال القوانين والأنظمة الَّتي تصونه وتحميه وتعزز انتشاره.
ويكتسب هذا التوجُّه أهميَّته في ظلِّ واقع تتعرض فيه القِيَم المُجتمعيَّة لضغوط من الداخل والخارج، سواء عَبْرَ الجرائم الإلكترونيَّة، أو حملات التشويه، أو الانفتاح الثقافي غير المنضبط، مما يفرض تعزيز أدوات المواجهة، ليس فقط عَبْرَ الرقابة الأمنيَّة التقليديَّة، بل أيضًا عَبْرَ تعزيز الحِس الأمني القِيَمي، الَّذي يجعل من كُلِّ فرد مراقبًا لنفسه، حارسًا على سلوكه، مستشعرًا لمسؤوليَّته، منضبطًا في تصرُّفاته. وهذا الحِس لا يُولد من الفراغ، بل يُبنى عَبْرَ ترسيخ القِيَم في السلوك الفردي والجمعي، وتغذيتها بالتربية والتعليم، والمناهج، والخِطاب الدِّيني، والتشريع، والإعلام، وكُلِّ الوسائط الَّتي تَمسُّ حياة المواطن.
إنَّ تسويق المضمون القِيَمي عَبْرَ الحوكمة لا يعني مجرَّد الدعوة إلى القِيَم، بل يعني تحويل القِيَم إلى مسارات عمليَّة تترجم في السلوك والمواقف والعلاقات. وتتحقق هذه الغاية حين تتحول القِيَم إلى موجِّهات للسلوك اليومي، وتصبح مرجعًا في اتِّخاذ القرار، ومنهجًا في إدارة الأزمات والتعامل مع الآخرين. حينها فقط تصبح القِيَم أداة فعَّالة في مواجهة التحدِّيات الفكريَّة والنفسيَّة والسلوكيَّة، وتشكِّل حماية ذاتيَّة للفرد والمُجتمع.
عليه، فإنَّ تأسيس اندماج أصيل للقِيَم في حياة الفرد الفكريَّة والنفسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسلوكيَّة والذوقيَّة والروحيَّة والمشاعر والرغبات وتهذيب السلوك يستدعي إيجاد أدوات ربط بَيْنَ الحِسِّ الأمني للمواطن والضبطيَّة القِيَميَّة للسلوك، ذلك أنَّ القِيَم ليست فقط سياجًا أخلاقيًّا، بل هي ركيزة أمنيَّة تحفظ الإنسان من الانزلاق، وتقي المُجتمع من التفكُّك. فاستشعار المواطن للمخاطر، وتقديره للمواقف، وضبط انفعالاته، والتزامه بالمسؤوليَّة، كُلّها مخرجات مباشرة لترسيخ القِيَم وتعظيم دَوْرها في بناء شخصيَّة متوازنة، قادرة على التكيّف مع المتغيرات دون التفريط بالثوابت.
وفي ظلِّ التحدِّيات الإقليميَّة والدوليَّة، والحملات الإعلاميَّة الممنهجة لتشويه صورة سلطنة عُمان ومواقفها السياسيَّة المبدئيَّة، لا سِيَّما تجاه القضيَّة الفلسطينيَّة، تزداد الحاجة إلى تعزيز الجبهة الداخليَّة عَبْرَ ترسيخ القِيَم الوطنيَّة والإنسانيَّة، وتسويقها كصورة حضاريَّة تنبع من التاريخ العُماني العريق، وثقافته المتجذرة في الاعتدال والتوازن والإنصاف. فهذا الرصيد القِيَمي يُمكِن أن يكُونَ جدار الصَّد الأول ضد محاولات التشويه، ومصدر إلهام لبناء سلوك مُجتمعي راقٍ، منفتح، لكنَّه لا يتنازل عن ثوابته.
هذا الأمر يتطلب تأصيل دَوْر الأُسرة والتعليم والمسجد والإعلام والمنصَّات الاجتماعيَّة والفضاءات المفتوحة وغيرها من مواقع التأثير والاحتواء في تغيير الصورة النمطيَّة القاتمة المشوهة للقِيَم كحالة مقاومة للتطوير، ونعتها بالرجعيَّة والهروب من الواقع، وعَبْرَ مراجعة جادَّة لأساليب تدريس القِيَم في ثقافة المدرسة وبيئة الصف الدراسي وقاعات التدريس بمؤسَّسات التعليم العالي والجامعات، أو من خلال نمط التعامل معها في سلوك الفرد والمُجتمع، والخطاب اليومي للآباء والأُمَّهات والأُسرة، والخِطاب المؤسَّسي، والنواهي والزواجر المرتبطة بالخِطاب الدِّيني، بالإضافة إلى تعزيز مسار الضبطيَّة الأخلاقيَّة والتشريعات النافذة في معالجة فراغ الضوابط في المنصَّات الاجتماعيَّة وسلوك المروِّجين للدعاية والإعلانات، وتعظيم حضورها في القرارات الإداريَّة والوظيفة العامَّة وأساليب العمل والعلاقات والحوافز والترقيات والمكافآت، وتضمينها في فلسفة التطوير بالمؤسَّسات، وموقعها في الخِطاب الإعلامي والاتصال الرسمي، بما تحمله من سلاسة ووضوح وابتكاريَّة وتوافقيَّة، وما تحققه من تأثير في حياة الفرد، وارتباطها بمفاهيم الإيجابيَّة والفأل الحسن، قادرة على الدخول في العمق الإنساني، والتأثير على قناعاته واتجاهاته، وبناء حِس الضمير المسؤول لدَيْه، في ظلِّ توافقها مع طبيعة المتغيرات الَّتي يمرُّ بها السلوك البشري، واستيعابها للتباينات الفكريَّة ومستويات التفكير، بحيثُ تتفاعل مع الفرد بطريقة منهجيَّة وممارسة معقولة يترجمها في سلوكه بطريقة ذاتيَّة وقناعة عفويَّة وفْقَ منهجيَّة واضحة ومبادئ راقية ورقابة والتزام واستدامة لا تتأثر بالظروف والأحوال ولا تغيِّرها المواقف والعوارض.
من هنا وتأكيدًا لتعظيم مسار الحوكمة القِيَميَّة، تأتي أهميَّة تبنِّي استراتيجيَّات مبتكرة تقوم على التسويق للمضمون الأخلاقي للقِيَم في الأُسرة والمدارس والمساجد والسلوك المؤسَّسي والوظيفة العامَّة والمهنة، وفْقَ منهجيَّات واضحة، وأُطر سليمة، ونماذج تطبيقيَّة لإدارة السلوك القِيَمي، وإزالة غربة القِيَم عن أذهان المتعلمين، وتسهيلها عليهم وربطها بنماذج محاكاة في حياتهم في إطار صناعة القدوات وإعادة إنتاج النماذج؛ فإنَّ ردود الأفعال السلبيَّة الَّتي تظهر نَحْوَ تطبيق القِيَم لدى بعض القائمين على تربية الأجيال وأولياء الأمور وما يتبعها من غلق أبواب حوار القِيَم معهم؛ سوف يكُونُ لها أثرها السلبي على إنتاجيَّة القِيَم، وقدرتهم على التعاطي مع معطيات الحياة المتجدِّدة بما تحمله من مفردات إنسانيَّة قِيَميَّة، وتبصيرهم بأنَّ التناقضات الحاصلة في الممارسة، والتباينات بَيْنَ البشر في ممارسة القِيَم، لا تمثِّل طبيعة القِيَم ذاتها ولا تعكس موقعها، والَّتي من غير المقبول حصرها في ممارسة فرديَّة واختزالها في سلوك شخصي مهما تباينت ممارسات الناس بشأنها، إذ تظلُّ قِيمتها حاضرة، ويصبح التعميم فيها ضربًا من التجنِّي على القِيَم.
ويبقى التحدِّي الأهم: كيف نوظف هذا الرصيد القِيَمي عمليًّا؟ كيف نحوِّله إلى سلوك يومي؟ كيف نغرسه في المدارس، ونرسِّخه في البيوت، ونعظِّمه في أدوات التواصل والإعلام، ونجعل منه قاعدة لصناعة القرارات والسياسات؟ إنَّ الإجابة عن هذه الأسئلة هي الَّتي تفتح الباب أمام عمل وطني مؤسَّسي في حوكمة القِيَم، الَّذي يرى في القِيَم مسارًا للتَّنمية، وأداة لصناعة التحول، ومنصَّة لتعزيز الحِس الأمني وتحقيق الاستقرار، ودعوة للتأمل والبحث المعمق في العلاقة العضويَّة بَيْنَ القِيَم والحياة، والانطلاقة من المشترك القِيَمي والمؤتلف الإنساني كمدخل للتغيير، فإنَّ قياس تأثير القِيَم في فكر الناشئة ووجدانه ومبادئه يستدعي التزام مبدأ تصحيح مسار الممارسة المُجتمعيَّة الموجّهة نَحْوَ القِيَم، ومعالجة القصور الناتج عن فَهْم القِيَمة ذاتها، تحوُّلاتها ومفرداتها وأنماط عملها وتحدِّياتها، وقراءة طبيعة السلوك البشري الَّذي تحتاجه القِيَم كحدٍّ أدنى للتطبيق السليم لها وفْقَ أصول الممارسة، وبالتالي تجاوز سياق التعامل معها في ظلِّ ممارسات الأفراد إلى البحث في ماهيَّة القِيَم الثابت منها والمتغير وهُوِيَّتها، وما تؤدِّيه من أجْلِ إنسانيَّة الإنسان في وعيها وصدقها ومبادئها وأخلاقيَّاتها، وتبنِّي آليَّات مبتكرة تتفاعل مع طبيعة الزمان والمكان والمتغيرات الَّتي يعيشها إنسان العصر كعامل مهمٍّ في استثمار الفرص المتاحة ماليًّا وتقنيًّا وتشريعيًّا وتنظيميًّا لتجديد الاهتمام بالقِيَم وإعادتها في حاضرة الممارسة، وصياغة آليَّات عملها في معالجة فجوة التطبيق، وعليه فإنَّ تجسيد دَوْر الحوكمة القِيَميَّة في التسويق للمحتوى والمضمون القِيَمي، يتأكد من خلال:
تأصيل القِيَم تشريعيًّا وقانونيًّا، لتصبح جزءًا من البناء المؤسَّسي للمُجتمع.
إعادة هندسة السلوك الاجتماعي عَبْرَ إدماج القِيَم في المناهج والتربية والخِطاب العام.
بناء القدوة المُجتمعيَّة الَّتي تُمثِّل القِيَم واقعًا حيًّا في السلوك والتعاملات.
تعظيم دَوْر القِيَم كأداة رقابيَّة وقائيَّة تسبق القانون وتكمل دَوْره عَبْرَ الضبطيَّة القِيَميَّة.
أخيرًا، فإنَّ الحوكمة القِيَميَّة ليست ترفًا فكريًّا، بل هي ضرورة وطنيَّة ومُجتمعيَّة لضمان أمن الإنسان واستقرار المُجتمع، وامتلاك القوَّة الفكريَّة في مواجهة التشويه القِيَمي وكومة الانحرافات والظواهر السلبيَّة، وتؤسِّس لمسؤوليَّة فرديَّة وجماعيَّة تُعلي من قِيمة الانضباط، والالتزام، والتوازن المعزز بالإرادة، والمصان بالتشريع والمؤطّر بالحوكمة؛ استثمار في المستقبل، وتحصين للجبهة الداخليَّة، وجسر عبور نَحْوَ مُجتمع تتناغم فيه القوانين مع الأخلاق، وتُصان فيه المبادئ بالقوَّة التنظيميَّة والاقتناع الذَّاتي في وقت واحد.
د. رجب بن علي العويسي

