إنّ البحث في مسألة التقنين الإسلامي ومبدأ المقاصد الشرعية في صياغة القوانين الحديثة يفتح الباب على مصراعيه أمام نقاش طويل ومعقد بين الفقهاء ورجال القانون والمشرعين حول مدى إمكانية دمج الفقه الإسلامي، بما يحمله من عمق تاريخي وأصالة شرعية، في القوانين الوضعية التي تشكل اليوم المرجعية الأساسية للدول الحديثة. فالتحدي الأكبر الذي يواجه التشريعات في العالم الإسلامي هو كيفية التوفيق بين متطلبات الحداثة القانونية التي تستند إلى تجارب غربية في غالبها، وبين التراث الفقهي الإسلامي الغني الذي يعد من أوسع التجارب التشريعية التي عرفتها الإنسانية من حيث التنوع والقدرة على استيعاب المستجدات. ومما يعزز هذا التوجه أن الفقه الإسلامي لم يكن يوماً مجرد أحكام جامدة بل منظومة حية تتغذى من الواقع وتتحرك معه، فكان باب الاجتهاد والمقاصد الشرعية وسيلة لاستيعاب حاجات الناس وصيانة مصالحهم عبر العصور.
وإن مبدأ المقاصد الشرعية الذي بسطه كبار العلماء مثل الإمام الشاطبي، يقوم على أن الشريعة وُضعت لتحقيق مصالح العباد في دنياهم وأخراهم، وأنها في جوهرها تسعى إلى حفظ الضروريات الخمس: الدين، النفس، العقل، النسل، والمال، وهي أصول تتقاطع بشكل واضح مع كثير من المبادئ التي تقوم عليها القوانين الوضعية الحديثة في صيانة الحقوق والحريات. فالقانون المدني مثلاً يسعى لحماية الملكية والعقود والمعاملات، وهو ما يلتقي مع مقصد حفظ المال، والقوانين الجنائية تهدف إلى حماية الأرواح والعقول والأعراض، وهو ما يتطابق مع مقاصد حفظ النفس والعقل والنسل. وهذا التشابه البنيوي يؤكد أن ثمة أرضية مشتركة واسعة يمكن الانطلاق منها لصياغة قوانين وضعية مستمدة من الفقه الإسلامي دون إخلال بمبادئ الحداثة التشريعية.
ومن أبرز الشواهد القانونية التي يمكن الاستدلال بها أن دساتير العديد من الدول الإسلامية نصت على أن الشريعة الإسلامية مصدر أساسي للتشريع، مثل الدستور المصري في مادته الثانية، والدستور الكويتي في مادته الثانية، والدستور الباكستاني في ديباجته التي تلزم المشرع بعدم سن قوانين مخالفة لمبادئ الإسلام. هذا الإقرار الدستوري يعكس شرعية قانونية قوية لدمج الفقه الإسلامي ضمن المنظومة الوضعية ويعطي غطاءً تشريعياً لأي عملية تقنين تستند إلى الشريعة. كما أنّ المحاكم الدستورية في بعض الدول العربية أصدرت أحكاماً تؤكد على ضرورة مراعاة المقاصد الشرعية عند صياغة القوانين، كما في حكم المحكمة الدستورية العليا في مصر عام 1996 الذي اعتبر أن “النصوص القانونية يجب أن تفسر بما يحقق مقاصد الشريعة الإسلامية في العدالة والرحمة وتحقيق المصلحة ودرء المفسدة”.
بالتالي، إن صياغة القوانين الوضعية على أساس المقاصد الشرعية لا تعني بالضرورة استنساخ كتب الفقه القديمة أو الاقتصار على النصوص الجامدة، وإنما المقصود هو تفعيل روح الشريعة واستحضار فلسفتها الكبرى في التشريع. فعلى سبيل المثال، حينما يشرع المشرع المعاصر قوانين الأسرة، يمكنه الاستفادة من مقاصد حفظ النسل وصيانة الكيان الأسري مع مراعاة المتغيرات الاجتماعية، بحيث يوازن بين النصوص القطعية وبين اجتهادات مرنة تستوعب تغير ظروف المرأة والرجل ودور كل منهما. وكذلك في قوانين العقوبات، يمكن للمقاصد أن تكون مرجعاً في وضع عقوبات تحقق الردع وتحفظ الأمن العام مع مراعاة حقوق الإنسان والالتزامات الدولية للدولة. وهنا يبرز دور القاعدة الفقهية الكبرى “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”، التي تشكل إطاراً قانونياً عاماً يمكن البناء عليه عند صياغة نصوص تشريعية حديثة.
وفي التجارب المعاصرة ثمة شواهد عملية تؤكد نجاح عملية الدمج بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية. فالقانون المدني المصري الذي صاغه عبد الرزاق السنهوري يعد نموذجاً بارزاً لهذا الدمج، إذ استلهم الكثير من أحكام الفقه الإسلامي في باب العقود والالتزامات بجانب استفادته من القانون المدني الفرنسي. وقد أثبت هذا الدمج مرونة كبيرة حيث اعتمدت عليه العديد من الدول العربية كأساس لتقنيناتها الوطنية. وكذلك فإن مدونات الأحوال الشخصية في المغرب وتونس والأردن والكويت قامت على تفعيل اجتهادات فقهية مقاصدية تراعي العدالة والإنصاف وتواكب التحولات الاجتماعية، مما يدل على أن المزج بين الفقه الإسلامي والمناهج القانونية الحديثة ليس أمراً نظرياً بل ممارسة عملية جارية منذ عقود.
ومما يعزز وجاهة هذا الطرح أن الفقه الإسلامي يحتوي على آليات قانونية متطورة تصلح لتكون مرجعاً في التشريعات الحديثة. فمبدأ الاستحسان، مثلاً، الذي عرفه الحنفية بأنه “العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص”، يشكل أساساً لإعمال المرونة التشريعية في مواجهة الحالات الخاصة، وهو ما يشبه مبدأ الإنصاف في القوانين الوضعية. وكذلك مبدأ المصالح المرسلة الذي اعتمده المالكية يتيح للمشرع الحديث مساحة واسعة لاستحداث قوانين جديدة تعالج قضايا لم تكن مطروحة في الماضي، مثل قوانين البيئة والجرائم الإلكترونية والملكية الفكرية، ما دامت تحقق مصالح معتبرة ولا تصادم نصوصاً قطعية.
أما من الناحية الإجرائية، فإن إدماج الفقه الإسلامي في القوانين الوضعية يقتضي إنشاء لجان تشريعية متخصصة تضم فقهاء في الشريعة وخبراء في القانون، على غرار ما هو معمول به في بعض الدول التي تضع هيئات لمراجعة مشروعات القوانين للتأكد من اتساقها مع الشريعة. كما أن المحاكم العليا ينبغي أن تتبنى منهجية تأويلية تجعل من مقاصد الشريعة مرجعية في تفسير النصوص القانونية، وهو ما يعزز من وحدة المنظومة التشريعية ويجنبها التناقض. ولنا أن نشير هنا إلى أن المحكمة العليا في باكستان أبطلت عدة قوانين رأت أنها منافية للشريعة، وألزمت البرلمان بتعديلها بما يتفق مع مقاصد العدالة الإسلامية.
من جهة أخرى، فإن دمج الفقه الإسلامي في القوانين الوضعية يواجه تحديات حقيقية، أبرزها الخشية من التسييس واستغلال الدين لتبرير قوانين قمعية، إضافة إلى التنوع الفقهي الكبير الذي قد يفتح الباب أمام خلافات حول أي مذهب يعتمد. إلا أن هذه التحديات ليست مانعة، إذ يمكن تجاوزها بالاعتماد على المشتركات الكبرى للمذاهب الإسلامية التي تنطلق من المقاصد العامة للشريعة، مع إقرار مبدأ التدرج في الإصلاح القانوني حتى لا يحدث صدام مع المنظومة القانونية السائدة أو الالتزامات الدولية للدول.
وإن استحضار المقاصد الشرعية في صياغة القوانين الحديثة لا يقتصر على المجتمعات الإسلامية فقط، بل يمكن أن يكون نموذجاً يحتذى به في العالم، لأن فلسفة المقاصد تقوم على مبادئ إنسانية عامة مثل العدل، الحرية، الكرامة، وحماية الحقوق، وهي قيم كونية تتلاقى مع روح القانون الدولي. ومن ثم فإن إبراز هذا الجانب من الفقه الإسلامي يمكن أن يسهم في إثراء التجربة القانونية العالمية ويعيد للشريعة الإسلامية مكانتها كمصدر من مصادر القانون المقارن.
وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن التقنين الإسلامي من خلال مبدأ المقاصد الشرعية ليس مجرد خيار فكري أو اجتهاد فقهي، بل هو مشروع حضاري متكامل يرمي إلى إعادة وصل ما انقطع بين الفقه الإسلامي والواقع التشريعي الحديث. فالمقاصد توفر للمشرع إطاراً مرناً يوازن بين النصوص القطعية ومتطلبات العصر، والقوانين الوضعية بدورها تقدم أدوات إجرائية دقيقة يمكن أن تحتضن القيم الشرعية دون أن تصطدم معها. وبهذا التلاقي تتحقق المعادلة الصعبة بين الأصالة والمعاصرة، حيث يكون القانون الحديث ابن بيئته الإسلامية وفي الوقت ذاته متسقاً مع المعايير الدولية للعدالة والحقوق.
عبد العزيز بدر عبدالله القطان
مستشار قانوني – الكويت.

