تُعد حرية التعبير من الحقوق الأساسية التي كفلتها الدساتير والمواثيق الدولية، فهي تعبير عن كرامة الإنسان وحقه في إبداء الرأي والمشاركة في الحياة العامة، غير أن هذا الحق ليس مطلقاً، بل تحكمه اعتبارات تتعلق بحماية النظام العام وصيانة الأمن الوطني. في الكويت، كما في غيرها من الدول، شكّل المشرع الدستوري والقانوني معادلة دقيقة تسعى للموازنة بين هذا الحق الجوهري وبين متطلبات الأمن والاستقرار، خاصة في ظل التحديات السياسية والأمنية والإعلامية التي يشهدها العالم.
وينص الدستور الكويتي في مادته السادسة والثلاثين على أن حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما، وذلك وفقاً للشروط التي يبينها القانون. هذا النص يؤكد أن المبدأ هو إطلاق الحرية في التعبير، بينما القيد هو ما يرد بنص قانوني محدد يراعي المصلحة العامة. ويأتي هذا التوجه منسجماً مع ما ورد في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966، والذي صادقت عليه الكويت عام 1996، حيث نصت المادة 19 منه على حق كل فرد في اعتناق آراء دون مضايقة، وفي حرية التعبير، مع إمكانية إخضاع هذه الحرية لقيود محددة تكون ضرورية لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم أو لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.
لكن الواقع العملي يكشف عن صعوبة هذا التوازن، إذ تبرز إشكالية تحديد متى يكون التعبير ممارسة مشروعة لحرية الرأي، ومتى يتحول إلى تهديد للأمن الوطني. في الكويت، تنظم قوانين متعددة هذه المسألة، من بينها قانون المطبوعات والنشر رقم 3 لسنة 2006، وقانون الإعلام الإلكتروني رقم 8 لسنة 2016، فضلاً عن قانون الجزاء. هذه القوانين أوردت قيوداً تتعلق بعدم المساس بالذات الإلهية أو الأنبياء أو أمير البلاد أو النظام العام أو الآداب أو إثارة الفتن الطائفية أو التحريض على قلب نظام الحكم. فالمشرع هنا اعتمد صياغة واسعة نسبياً قد تثير جدلاً حول مدى انسجامها مع المعايير الدولية التي تشترط أن تكون القيود محددة بدقة وضرورية وملائمة لتحقيق غايات مشروعة.
أما من منظور الفقه المقارن، يمكن القول إن التجارب الغربية تذهب غالباً إلى توسيع نطاق حرية التعبير حتى في مواجهة الدولة، ما دامت لا تتجاوز إلى التحريض المباشر على العنف أو الكراهية أو الإخلال الجسيم بالنظام العام. فالمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أكدت في أحكامها أن حرية التعبير تشمل حتى لكن ما قد يصدم أو يزعج أو يقلق الدولة أو أي قطاع من المجتمع. أما في التجربة العربية والإسلامية، فإن التشريعات عادة ما تمنح مساحة أوسع لتقييد التعبير باسم حماية القيم الدينية والاجتماعية وحماية الدولة من أي تهديد، وهو ما نلمسه بوضوح في التشريع الكويتي.
والفقه القانوني الكويتي بدوره انقسم بين من يرى أن النصوص الحالية تحقق التوازن المنشود لأنها تحمي الوحدة الوطنية وتمنع الانزلاق نحو خطاب الكراهية والتحريض، وبين من يرى أن هذه النصوص تنطوي على صياغات فضفاضة قد تُستخدم أحياناً لتقييد حرية النقد والمساءلة السياسية. وقد استشهد الفريق الأول بأن حماية الأمن الوطني تمثل مصلحة عليا للدولة، ولا يمكن السماح بأن تكون الحرية مطية لزعزعة الاستقرار، بينما استند الفريق الثاني إلى نصوص الدستور والمواثيق الدولية التي تعتبر أن الأصل هو الحرية والقيد استثناء يجب تفسيره تفسيراً ضيقاً.
في هذا السياق، تبدو الحاجة ماسة إلى وضع معايير قضائية واضحة توازن بين الحق في التعبير ومتطلبات الأمن، بحيث يتم التمييز بين الرأي النقدي المشروع ولو كان قاسياً، وبين التحريض المباشر على العنف أو الفتنة. القضاء الدستوري في الكويت لعب دوراً مهماً في هذا المجال، حيث أصدر أحكاماً أكدت أن حرية الرأي والتعبير هي حجر الزاوية لأي نظام ديمقراطي، وأنه لا يجوز التضييق عليها إلا بحدود ما تقتضيه الضرورة وبما لا يمس جوهرها. كما أن محكمة التمييز بدورها أصدرت أحكاماً فرّقت فيها بين النقد السياسي الذي يجب أن يُتحمَّل في ظل النظام الديمقراطي، وبين الأفعال التي تشكل مساساً بأمن الدولة أو وحدتها الوطنية.
ومن زاوية القانون الدولي، يتعين على الكويت، بصفتها طرفاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، أن تلتزم بقاعدة التناسب، أي أن تكون أي قيود على حرية التعبير ضرورية وملائمة للغرض المنشود. وبالمقارنة مع تجارب أخرى، مثل الولايات المتحدة التي تحمي حرية التعبير بشكل شبه مطلق وفق التعديل الأول للدستور، نجد أن التوازن يميل أكثر في الكويت نحو حماية الأمن الوطني على حساب الحرية الفردية. وهذا الأمر وإن كان مبرراً في سياق جغرافي وسياسي حساس، إلا أنه يستدعي تطوير النصوص لتكون أكثر تحديداً ولتمنع التوسع في تفسير القيود على نحو قد يخل بجوهر الحرية.
بالتالي، إن التحدي الأساسي يكمن في إيجاد صياغة قانونية لا تسمح بالمساس بالثوابت الوطنية، ولا تترك في الوقت ذاته مجالاً واسعاً للتأويل الذي قد يؤدي إلى الحد من حرية التعبير المشروع. ولعل الحل يكمن في الاسترشاد بالفقه المقاصدي الإسلامي الذي يوازن بين حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، بحيث تكون القيود على التعبير مرتبطة بمقاصد الشريعة في حفظ المجتمع من الفوضى والفتنة، لا في كبت حرية الإنسان في إبداء رأيه. فالمقاصد الشرعية تقدم إطاراً مرناً يمكن أن يُسهم في صياغة قانونية أكثر عدلاً واتزاناً.
وبناءً على ما تقدم، يتضح أن التشريع الكويتي يقف أمام معادلة دقيقة بين التزاماته الدولية في مجال حقوق الإنسان وبين مقتضيات الأمن الوطني. فالتوازن ليس ثابتاً، بل يخضع لاعتبارات متغيرة تفرضها البيئة السياسية والاجتماعية والإقليمية. غير أن المبدأ الذي يجب أن يبقى ثابتاً هو أن الحرية هي الأصل والتقييد هو الاستثناء، وأن أي قيد يجب أن يكون ضرورياً ومتناسباً مع الغاية، وأن يكون خاضعاً للرقابة القضائية الفعالة. وفي نهاية المطاف، لا يمكن لدولة تسعى إلى ترسيخ الديمقراطية وسيادة القانون أن تضمن استقرارها إلا عبر احترام حرية التعبير باعتبارها صمام الأمان للتعبير السلمي عن الآراء والاتجاهات، بما يحول دون انفجارها في صور غير مشروعة.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان
مستشار قانوني – الكويت

