التكامل بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي ليس مجرد شعار يرفعه بعض الباحثين أو السياسيين، بل هو في حقيقته معركة فكرية وتشريعية ممتدة منذ أكثر من قرن من الزمن، معركة تتقاطع فيها النصوص الدينية بالوقائع الاجتماعية، وتتواجه فيها إرادة الحفاظ على الهوية مع ضرورات الانفتاح على القوانين الدولية، وتتجاذبها إرادة التأصيل من جهة وضغوط التحديث من جهة أخرى.
هذه الجدلية بين النص والواقع تكشف عن عمق إشكالية القانون في العالم الإسلامي، حيث يظل السؤال مطروحاً: هل يمكن أن تتكامل الشريعة الإسلامية مع القانون الوضعي، لا بوصفها مجرد مصدر إلهام أو مكون تراثي، بل باعتبارها منظومة متكاملة قادرة على الاستجابة لمقتضيات العصر من خلال آلياتها الداخلية وأدواتها الاجتهادية؟
حين نتحدث عن التكامل، فإننا لا نقف عند حدود الجمع الشكلي بين نصوص الشريعة وقوانين الدولة الحديثة، بل نعني عملية أعمق بكثير، تقوم على المزاوجة بين مقاصد الشريعة التي تهدف إلى حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وبين القوانين الوضعية التي تسعى بدورها إلى حماية النظام العام، وضبط العلاقات بين الأفراد، وصيانة الحقوق والحريات. إن المقارنة البسيطة بين أحكام الشريعة في باب المعاملات، وأحكام القانون المدني في كثير من الدول العربية، تكشف أن مساحة التشابه واسعة جداً، فمبدأ “العقد شريعة المتعاقدين” الذي تنص عليه القوانين الوضعية يجد جذوره في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وأن فكرة التعويض عن الضرر لها سندها في الحديث الشريف: “لا ضرر ولا ضرار”، كما أن نظام الضمانات في الفقه الإسلامي يقدم صورة متقدمة عن حماية حقوق الدائنين والغير، وهي مسائل تبناها القانون الوضعي لاحقاً بصياغات مختلفة.
لكن هذا التقارب لا يلغي وجود مساحات من التوتر، فمثلاً حين يتعلق الأمر بالقانون الجنائي نجد أن الشريعة الإسلامية تقوم على الحدود والقصاص والتعازير، وهي أحكام قطعية في بعض جوانبها وظنية في جوانب أخرى، بينما القوانين الوضعية ترتكز على فلسفة إصلاح الجاني وحماية المجتمع عبر عقوبات تتراوح بين الحبس والغرامة والمراقبة. غير أن هذا التوتر ليس قدراً محتوماً، لأن الشريعة نفسها تتيح عبر باب التعازير والاجتهاد مجالاً واسعاً للتقنين بما يتناسب مع مصالح الناس المتجددة. فإيقاف العمل بالحد في ظروف معينة ليس خروجاً على الشريعة بل هو عين الشريعة إذا تعلق الأمر بدرء المفاسد وتحقيق المصالح، مثلما أوقف الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حد السرقة عام الرمادة، وهذا المثال الفقهي يقدم نموذجاً عملياً لكيفية المواءمة بين النص الثابت والواقع المتغير، وهو بالضبط ما يحتاجه التشريع الحديث.
أما في ميدان الأسرة والأحوال الشخصية، يظهر التكامل أكثر وضوحاً. فالقوانين الوضعية في معظم الدول الإسلامية تأخذ من الفقه الإسلامي مادتها الأساسية، سواء في الزواج أو الطلاق أو الميراث، لكن صياغتها القانونية الحديثة تضيف عليها عناصر تنظيمية، مثل توثيق الزواج أمام موظف رسمي، أو تحديد سن للزواج، أو وضع قيود إجرائية على الطلاق حماية للمرأة والأطفال. هذه الإضافات لا تُعتبر خروجاً على الشريعة، بل تدخل ضمن باب السياسة الشرعية، لأن النص القرآني وإن نص على الميراث مثلاً بوضوح، إلا أنه ترك للدولة حرية تنظيم الإجراءات الكفيلة بتنفيذه وضمان حقوق الورثة. ولعل أكثر الأمثلة دلالة هنا هو مسألة تعدد الزوجات، إذ أجازته الشريعة بشروط العدل، لكن بعض القوانين أضافت ضرورة إخطار الزوجة الأولى أو الحصول على إذن قضائي، وهو ما يعكس محاولة لتحقيق مقاصد النص عبر آليات القانون.
وفي المقابل، هناك مجالات تحتاج إلى اجتهاد أوسع لردم الفجوة بين القانون والشريعة، مثل القوانين التجارية والمالية. فالنظام المصرفي الحديث قائم في معظمه على الفائدة (الربا)، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً للتوفيق بين النصوص القطعية التي حرمت الربا، وواقع اقتصادي عالمي يدار على أساسه. وقد حاولت التجارب الإسلامية المعاصرة تقديم بدائل مثل الصكوك الإسلامية، والمشاركة والمضاربة والإجارة، وهذه كلها عقود فقهية أصيلة استطاعت أن تدخل في النظام القانوني المعاصر. فمثلاً في ماليزيا والبحرين والإمارات، هناك قوانين خاصة تنظم البنوك الإسلامية وفق الفقه الإسلامي ولكن ضمن إطار رقابي دولي، ما يجعلها نموذجاً لتكامل النص الشرعي مع الواقع المالي العالمي.
ومن الأمثلة القانونية المهمة على التكامل، قضية حقوق الإنسان، كثير من القوانين الوضعية في العالم العربي تبنت نصوصاً من المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، لكن فقهاء الشريعة أشاروا إلى أن هذه الحقوق لها جذور أصيلة في الإسلام، مثل الحق في الحياة والكرامة والحرية. غير أن الإشكال يظهر حين تتعارض بعض النصوص الدولية مع أحكام شرعية، مثل حرية تغيير الدين أو المساواة المطلقة في الميراث بين الرجل والمرأة. هنا تبرز الحاجة إلى اجتهاد فقهي قانوني جديد، لا يرفض المواثيق الدولية جملة وتفصيلاً، ولا يتنازل عن ثوابت الشريعة، بل يبحث عن صيغ توافقية، كتفسير المساواة في ضوء العدالة المقاصدية لا في ضوء التطابق الحسابي.
أما القانون الدستوري بدوره يقدم ساحة خصبة لهذه الجدلية. فدساتير كثير من الدول العربية تنص على أن “الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع”، لكن التطبيق العملي يكشف عن تفاوت كبير في تفسير هذه العبارة. ففي بعض الدول تُفهم على أنها مجرد إشارة رمزية، بينما في دول أخرى مثل مصر والكويت تأخذ المحاكم الدستورية بها كمعيار لتقييم القوانين. القضية الشهيرة في مصر عام 1996 بشأن قانون الفوائد المصرفية تكشف هذا الجدل بوضوح، حيث طُعن في القانون استناداً إلى مخالفته لمبادئ الشريعة الإسلامية، واضطرت المحكمة الدستورية إلى تقديم تفسير مرن لعبارة “المبادئ الكلية للشريعة”، بما يسمح باستمرار القانون وفي الوقت ذاته الحفاظ على المرجعية الإسلامية. هذا التوازن الهش بين الدستوري والشرعي هو تجسيد لجدلية النص والواقع.
ولا يمكن أن نتحدث عن التكامل بين الشريعة والقانون من دون الإشارة إلى مفهوم “المصلحة” في الفقه الإسلامي. فهذا المفهوم كان ولا يزال الأداة الأهم لفقهاء المقاصد في التوفيق بين النصوص الثابتة والوقائع المتغيرة. فقد أجاز الإمام مالك العمل بالمصالح المرسلة إذا لم تعارض نصاً قطعياً، وهو ما سمح لاحقاً بتطوير تشريعات مدنية وتجارية حديثة تحت مظلة الشريعة. فمثلاً قوانين المرور، أو قوانين تنظيم الشركات المساهمة، أو قوانين حماية المستهلك، كلها لم ترد نصوصها في القرآن أو السنة، لكنها مشروعة لأنها تحقق مصالح الناس وتدفع المفاسد عنهم. وهذا يعكس حيوية الشريعة وقدرتها على التكيف مع القانون الوضعي لا من موقع التبعية، بل من موقع التأسيس والمرجعية.
بالتالي، إن الواقع إذن يكشف أن العلاقة بين الشريعة والقانون ليست علاقة تناقض مطلق ولا تطابق كامل، بل علاقة شد وجذب، صراع وتكامل، اجتهاد دائم لإيجاد الصيغ التي توازن بين قدسية النص ومتطلبات الحياة العملية. الشريعة تقدم المبادئ الكبرى والغايات العليا، والقانون يقدم الآليات التفصيلية والإجراءات التنظيمية. وإذا كان النص يمثل الثبات، فإن الواقع يمثل الحركة، وإذا كان النص يعبر عن المثال، فإن الواقع يعبر عن الإمكان. ومن هنا تأتي عظمة التكامل حين يُفهم بوصفه عملية مستمرة، تتجدد مع كل جيل ومع كل تطور اجتماعي واقتصادي وسياسي.
وإن التحدي الأكبر اليوم ليس في إثبات أن الشريعة تصلح مصدراً للقانون، فهذا أمر لا خلاف فيه من حيث المبدأ، بل التحدي هو كيف نجعل من هذا المصدر قوة دافعة لتشريعات حديثة، متوازنة، عادلة، تحافظ على الهوية وتحقق مصالح الناس في عالم متغير. ذلك أن النصوص القطعية قليلة، بينما النصوص الظنية كثيرة، والاجتهاد باب واسع، والمقاصد الشرعية فضاء رحب، وهذا ما يمنح الفقه الإسلامي قدرة فريدة على التفاعل مع القوانين الوضعية. وإذا كانت التجارب التاريخية قد شهدت لحظات صدام بين النص والواقع، فإن المستقبل يمكن أن يشهد نماذج أرقى من التكامل، شريطة أن يكون الاجتهاد عميقاً، والقانون صادقاً في سعيه لتحقيق العدالة، وأن يظل الهدف الأسمى هو خدمة الإنسان، الذي كرّمه الله وجعل حريته وكرامته غاية كل تشريع.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان
مستشار قانوني – الكويت.
