يعد فقه المقاصد أحد أهم المباحث الأصولية التي أعاد الفقه الإسلامي من خلالها تقديم نفسه كمنهجٍ حي ومرن قادر على التعامل مع متغيرات الزمان والمكان، فهو ليس مجرد بحث في العلل أو الحكمة من وراء الأحكام، بل هو إدراكٌ عميق للغايات العليا للشريعة وتوظيفها في ضبط حركة النصوص والتشريعات بما يحقق العدل والرحمة والمصلحة ودرء المفاسد.
وإن هذا الفقه الذي تبلور على يد كبار العلماء مثل الإمام الشاطبي في “الموافقات” والإمام الطاهر بن عاشور في “مقاصد الشريعة الإسلامية” لم يكن تنظيراً مجرداً، بل كان منهجاً عملياً يسعى إلى تفعيل النصوص الشرعية بما يحقق مقاصدها الكبرى في إقامة العدل وحماية الحقوق وصيانة الكرامة الإنسانية. وفي ظل النقاشات الدائرة اليوم حول تطوير التشريعات الوطنية والدولية، يبرز فقه المقاصد كإطار معرفي وفلسفي وقانوني يفتح الباب واسعاً أمام المواءمة بين الثوابت الدينية ومتطلبات العصر.
بالتالي، إن الفقهاء عند حديثهم عن المقاصد يؤكدون أن الشريعة جاءت لحفظ الضروريات الخمس: الدين، النفس، العقل، النسل، والمال. وهذه الضروريات تمثل حجر الأساس في أي منظومة تشريعية حديثة تسعى إلى تنظيم العلاقات الاجتماعية وحماية الفرد والجماعة. فإذا ما نظرنا إلى التشريعات الوضعية في العالم نجد أنها تسعى بشكل أو بآخر إلى حماية هذه المصالح نفسها، غير أن ميزة الشريعة أنها تنطلق من بعد إيماني وأخلاقي يجعل القانون مرتبطاً بغاية أسمى لا تقتصر على الردع أو العقوبة، بل تمتد لتأسيس وازع داخلي يعزز من فاعلية النص القانوني. ومن هنا فإن تفعيل فقه المقاصد في تطوير التشريعات يعني تجاوز النظرة الجامدة للنصوص الجزئية نحو استحضار كليات الشريعة وروحها، بحيث تصبح النصوص في خدمة الإنسان لا عبئاً عليه.
ولقد أدرك الإمام الشاطبي أن المقاصد هي الميزان الحقيقي لفهم النصوص وتنزيلها على الواقع، فالأحكام في نظره ما شُرعت إلا لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة. وهذا الفهم يفتح الباب أمام إعادة قراءة النصوص وفق حاجات المجتمع، مع الالتزام بالثوابت وعدم تجاوزها، لكنه في الوقت ذاته يمنح القانون مرونة تمكنه من مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. فعلى سبيل المثال، عندما نناقش اليوم قضايا مثل حماية البيئة أو تنظيم المعاملات الإلكترونية أو ضبط أنشطة الشركات العابرة للحدود، فإن النصوص القديمة لا تكفي بذاتها لمعالجة هذه المسائل، بل لا بد من استحضار المقاصد الكبرى مثل حفظ النفس، المال، والعقل، ومن ثم صياغة تشريعات حديثة تراعي هذه الغايات.
وإذا ما نظرنا إلى القوانين الوضعية في العديد من الدول نجد أنها تعاني من أزمة الأساس الأخلاقي، فهي قوانين قد تحقق الردع لكنها تفتقر إلى الروح التي تمنحها شرعية شعبية عميقة. أما فقه المقاصد فإنه يقدم الأساس الأخلاقي والقيمي للتشريع، وهو ما يجعل القوانين المستندة إليه أكثر قبولاً لدى المجتمع. فحين يرى المواطن أن القانون ليس مجرد أداة قمعية بل تجسيد لمبدأ العدل الذي أمرت به الشريعة، فإنه يلتزم به طواعية، ويغدو للقانون سلطة مزدوجة: سلطة الدولة وسلطة الضمير.
بالتالي، إن تطوير التشريعات الحديثة من خلال فقه المقاصد لا يعني فقط استحضار النصوص الشرعية، بل أيضاً الانفتاح على التجارب الإنسانية في التشريع، طالما أنها لا تتعارض مع الأصول القطعية للشريعة. وقد أرسى القرآن الكريم هذا المبدأ في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وهو ما يفتح المجال أمام تبادل الخبرات والاستفادة من القوانين المقارنة، مع إعادة صياغتها في ضوء مقاصد الشريعة. ومن الناحية القانونية، فإن هذا النهج يتيح للدول الإسلامية تطوير قوانين مدنية وتجارية وجنائية متوافقة مع القانون الدولي، وفي الوقت نفسه منسجمة مع هويتها الثقافية والدينية.
ومن أبرز الأمثلة على دور فقه المقاصد في التشريعات الحديثة، ما نشهده من اجتهادات في قوانين الأسرة. ففي بعض الدول الإسلامية أُدخلت تعديلات على قوانين الأحوال الشخصية لضمان حقوق المرأة والطفل، لا بالانطلاق من ضغوط خارجية فحسب، وإنما استناداً إلى مقاصد الشريعة في حفظ النفس والعرض والنسل. فقد تم توسيع مفهوم “الضرر” في الطلاق ليشمل الأذى النفسي والمعنوي، وهو اجتهاد مقاصدي يحقق غاية الشريعة في رفع الحرج ودفع الظلم. كذلك في المجال الاقتصادي، جرى تنظيم المعاملات المصرفية بما يحقق مبدأ العدالة ومنع الربا والاحتكار، وذلك حفاظاً على المال والمصلحة العامة.
أما على الصعيد الجنائي، فإن فقه المقاصد يتيح صياغة قوانين تراعي مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة، مع التركيز على الإصلاح والردع العام أكثر من الانتقام، وهو ما يتفق مع مقاصد الشريعة في حفظ النفس والعقل والمال. وقد أشار الفقهاء إلى قاعدة عظيمة في هذا السياق: “الحدود تُدرأ بالشبهات”، ما يعني أن الأصل في القانون هو حماية الإنسان وصيانة حقوقه لا التعسف في عقوبته، وهو مبدأ يمكن أن يلهم المشرّعين في وضع قوانين جنائية عادلة ومتوازنة.
ومن الزاوية الشرعية، فإن مقاصد الشريعة تعكس الانسجام التام مع قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، وهي قاعدة فقهية كلية يمكن من خلالها ضبط الكثير من التشريعات الحديثة، بدءاً من قوانين الصحة العامة مروراً بتنظيم المرور، وصولاً إلى التشريعات البيئية. فكل ما يحقق مصلحة عامة ويدرأ مفسدة مؤكدة ينسجم مع هذه القاعدة، حتى لو لم يرد به نص تفصيلي في الفقه التقليدي. وهذا يعزز من مشروعية القوانين في نظر المجتمع لأنها تنسجم مع مراد الشارع.
وهذا يعني أن غياب فقه المقاصد عن عملية التشريع يقود إلى الجمود، ويحول النصوص إلى عائق أمام التطوير، بينما تفعيل هذا الفقه يتيح استعادة روح الشريعة التي جعلت العدل غايتها الكبرى. وقد أكد ابن القيم في “إعلام الموقعين” أن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، فهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها. فإذا خرجت عن العدل إلى الظلم، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، فليست من الشريعة وإن أُدخلت إليها بالتأويل. وهذا القول يعكس مدى انسجام التشريع الإسلامي المقاصدي مع المبادئ القانونية الحديثة التي تجعل العدالة جوهر القانون.
وعلى ضوء ذلك، يمكن القول إن إدماج فقه المقاصد في تطوير التشريعات الحديثة يحقق توازناً دقيقاً بين النصوص الشرعية ومتطلبات العصر، فهو من جهة يحفظ الهوية الدينية ويمنع ذوبانها في القوانين الوضعية البحتة، ومن جهة أخرى يوفر أساساً مرناً يتيح استيعاب المستجدات وإيجاد حلول قانونية عملية لمشكلات الواقع. وهذا النهج لا يقوي فقط الدولة ومؤسساتها، بل يعزز أيضاً ثقة المواطنين في القانون باعتباره انعكاساً لإرادتهم وقيمهم.
من هنا، إن العالم اليوم يعيش في ظل تحولات متسارعة وتحديات متشابكة تتطلب من التشريعات أن تكون قادرة على التكيف دون أن تفقد مرجعيتها. ومن هنا، فإن فقه المقاصد يمثل جسر العبور بين الماضي والحاضر، بين النص والواقع، بين الثابت والمتغير. فهو يعيد التأكيد على أن الشريعة ليست نصوصاً جامدة بل منظومة حية قادرة على استيعاب كل جديد ضمن إطار من العدل والمصلحة والرحمة. وإذا ما تم تبني هذا الفقه كإطار تشريعي فإن القوانين في الدول الإسلامية ستكتسب طابعاً أكثر أصالة وعدالة، وستكون قادرة على المنافسة في الساحة الدولية دون أن تفقد هويتها الخاصة.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان
مستشار قانوني – الكويت.
