لم تكن القضيَّة الفلسطينيَّة يومًا قضيَّة محليَّة تخصُّ الفلسطينيين وحدهم، بل ظلت تُقدَّم في الخطاب السياسي والثقافي العربي كقضيَّة مركزيَّة للأُمَّة بأكملها، وقد أدَّت المناهج الدراسيَّة دَوْرًا بارزًا في ترسيخ هذا الوعي عبر الأجيال، إلَّا أنَّ حضورها في المناهج لم يكُنْ ثابتًا وفقًا للتحولات والرهانات السياسيَّة والإقليميَّة عربيًّا وخليجيًّا، وبتوجيه عدستنا نَحْوَ مناهج دول مجلس التعاون الخليجي لِفَهْم لماذا لم يكُنْ هناك رد خليجي فعلي على انتهاك سيادته (ممثلًا في قطر) كأحد أعضائه ومكوِّناته السياسيَّة والتاريخيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، نجد أنَّ الصراع العربي الصهيوني في مناهجنا مرَّ بحركة مد وجزر أوصلتنا لهذا الواقع وهزالة ردة الفعل وجُرأة الصهيونيَّة على نثر هذا العقد الثمين الَّذي طالما اعتقد أعضاؤه حكّامًا وشعوبًا بأنَّه الحصن الحصين؛ فذلك لم يكُنْ وليد الصدفة، بل جاء نتيجة طبيعيَّة وحتميَّة لتغير العقيدة التربويَّة والفلسفة النضاليَّة التاريخيَّة في محتوى تلك المناهج. وحتَّى نستوعبَ هذا الفعل الَّذي من المتوقع تكراره في مراحل قادمة علينا أن نحلل السرديَّة التاريخيَّة للفِقه التربوي فيما يتصل بالنضال العربي الصهيوني وأزليَّة عدم التخلي عن الأرض مهما كانت الظروف إلى التسارع نَحْوَ الاتفاقيَّات وحفظ ماء الوجه.
بعد النكبة وهزيمة (1967م) باحتلال «إسرائيل» لسيناء والجولان والقدس الشرقيَّة والضفَّة وغزَّة، كانت المناهج العربيَّة إجمالًا والخليجيَّة على وجه الخصوص تعجُّ بموضوعات الهُويَّة والنضال ضدَّ الصهيونيَّة، فكان الجيل الأول (1948- 1973) باكورة الحروب التقليديَّة بَيْنَ الجيوش العربيَّة و»إسرائيل» والَّذي يُمكِننا أن نعدَّه مرحلة الجيل الأول لهذا الصراع، حيثُ مُلئت المناهج الخليجيَّة ـ كباقي المناهج العربيَّة ـ بمحتوى يعزِّز من القيمة التاريخيَّة والدينيَّة والأمن القومي بأنَّ فلسطين هي جزء من الوطن العربي المحتل الَّذي لا يُمكِن التنازل عنه بأيِّ ظرف كان؛ وتشرّب الطلبة في مناهج التاريخ والجغرافيا بالخريطة الكاملة لفلسطين الممتدة من صفد شمالًا إلى أُم الرشاش جنوبًا ومن أريحا شرقًا إلى غزَّة غربًا، وحُشدت وجيّشت نصوص الشعر والمقالات الأدبيَّة في تمجيد الشهداء والمناضلين للدفاع عن الأرض والعِرض، واستُلهم الخطاب الوحدوي للأُمَّة العربيَّة في كُلِّ زاوية، وهو ما يتشابه مع الروح القوميَّة الناصريَّة.
وفي هذه الظرفيَّة كان الخطاب الخليجي الرسمي يؤكد على دعم القضيَّة سياسيًّا وماليًّا، وكانت بوصلة مناهجنا الدراسيَّة تصدحُ بأنَّ فلسطين «قضيَّة العرب الأولى»، ويظهر ذلك بوضوح في خطاب الملك فيصل بن عبد العزيز: «لا خير فينا إذا تخلينا عن فلسطين أو فرّطنا في القدس»، وهو قول يعكس قوَّة الارتباط بَيْنَ الخطاب السياسي والمناهج التعليميَّة حينها والمتضلِّعة بالنضال والمقاومة والوقوف ضدَّ الاحتلال.
مع انتقال النضال من الجيش الرسمي إلى الحركات الفلسطينيَّة والمقاومة في السبعينيَّات والثمانينيَّات من القرن المنصرم حيثُ الجيل الثاني من هذا الصراع، بدأت بعض المناهج الخليجيَّة تتبنى خطابًا إنسانيًّا أكثر من خطاب المقاومة المسلَّحة ودحر الاحتلال؛ ولو تمعّنا محتوى تلك المناهج الدراسيَّة نجد أنَّ الكويت أبقت القضيَّة الفلسطينيَّة حاضرة بقوَّة حتَّى نهاية التسعينيَّات، خصوصًا في الأدب والمطالعة، وفي السعوديَّة استمرت فلسطين كقضيَّة دينيَّة بالدرجة الأولى حيثُ ارتبطت بالقدس والمسجد الأقصى، وفي عُمان وقطر والبحرين كان الطرح أكثر هدوءًا لكنَّه لم يخلُ من تأكيد على مركزيَّة فلسطين، وإجمالًا كانت المناهج الخليجيَّة في هذه المرحلة لا تزال تُسهم في بناء وعي نضالي لدى الطلبة وإن كان أقل حدَّة من دول المواجهة.
مع اندلاع الانتفاضة الأولى (1987- 1993) والثَّانية (2000-2005) واللتين انتهتا بتوقيع اتفاقيَّة أوسلو وموت ياسر عرفات تباينت المناهج الخليجيَّة؛ حيثُ ركّز البعض منها على البُعد الإنساني للقضيَّة من خلال نافذة تعزيز الوعي بحق اللاجئين وحقوق الإنسان، والبعض الآخر مثل السعوديَّة حتَّى نهاية التسعينيَّات كانت لا تزال تربط فلسطين بالهُوِيَّة الإسلاميَّة والجهاد ضدَّ الاحتلال، وأما قطر والبحرين والإمارات فبدت مظاهر وملامح خطاب «السَّلام» يبرز بشكلٍ تدريجي، وخصوصًا بعد اتفاق أوسلو (1993) مع إظهار إشارات عامَّة إلى عدالة القضيَّة الفلسطينيَّة، وهنا نستحضر تحذير المفكر الدكتور فتحي الشقاقي أحد أبرز روَّاد المقامة الفلسطينيَّة الَّذين اغتالهم الموساد في مالطا عام (1995) من هذا التحوُّل بقوله: «حين تغيب فلسطين عن عقل الطفل العربي، يغيب المستقبل كُلُّه» في إشارة إلى المكانة القيميَّة الَّتي تتبوأها المناهج في البيئة المدرسيَّة، وهذا ما سنلاحظه من غياب تدريجي للقضيَّة في المناهج مع بداية الألفيَّة. مع تجدُّد الصراعات غير الرسميَّة بَيْنَ الجيش النظامي الصهيوني وحركات المقاومة في فلسطين ولبنان وبالأخص أثناء وبعد حرب لبنان في العام (2006) والاستباحات المتكررة على غزَّة لخمس مرات منذُ العام (2008) أصبح الوعي الشَّعبي عربيًّا عمومًا وخليجيًّا على وجه الخصوص شِبه غائب ولم تكُنْ هي القضيَّة المركزيَّة في مرحلة يُمكِننا أن نصنفَها بالجيل الرابع، وبالتعمق في دَوْر المناهج الدراسيَّة الخليجيَّة نَحْوَ بناء جيل متضلّع بالانتماء وعقيدة الحق المطلق والذَّود عن حياض هذا البيت الخليجي وأنَّ ما يصيب أيَّ جزء منه هو يصيب الجميع، وأنَّ الاستحقاق التاريخي والأخلاقي والإنساني لدول المجلس كبير جدًّا تجاه القضيَّة الفلسطينيَّة، إلَّا أنَّنا نجدها تتخذ مسارًا آخر تمثّل في التخفيف بشكلٍ كبير من أيِّ مضامين نضاليَّة مباشرة، بل إنَّ بعض صنَّاع المناهج عملوا على هندستها وإعادة صياغتها لتتحدث عن «السَّلام والتعايش» وبرزت بصورة كبيرة فيما عُرف باتفاق «أبراهام» في العام (2020) ويعني التطبيع مع الكيان الصهيوني مع تغييب شِبه كامل للقضيَّة الفلسطينيَّة، مع الإشارة إلى أنَّ عُمان على الرغم من كونها في نفس الفلك وتعيش نفس الضغوطات والمؤثرات الداخليَّة والخارجيَّة، إلَّا أنَّها كانت ولا تزال نسبيًّا محافظة على الطرح المتوازن الَّذي يُبرز القضيَّة الفلسطينيَّة باعتبارها قضيَّة عادلة دون استخدام خطاب عدائي مباشر.
وهنا نستطيع أن نستوعبَ غياب الردع الخليجي عن الانتهاك المُهين وغير المبرر لأحد مكوِّناته وبعيدًا عن التحليلات السياسيَّة والعسكريَّة؛ حيثُ لم نشهدْ موجات احتجاجات شَعبيَّة تخرج في عواصمنا الخليجيَّة ممَّا يؤكد غياب الوعي الوحدوي، وضعف الانتماء الَّذي أنشئ على أساسه هذا التكتل، وهشاشة الاقتصاد الريعي الَّذي يخشى حتَّى فرض العقوبات الاقتصاديَّة على المعتدي، بل يُصرُّ على استمرارها، وكُلُّ ذلك يُعيدُنا للمربع الأول بخطورة تجفيف منابع النضال والدفاع عن الحياة والأرض وتسمية المحتل في مناهجنا حتَّى أُعتدي علينا، وهذا يُذكِّرنا بمقولة المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد: «بَيْنَما يخوض الفلسطينيون اليوم صراعًا على الأرض في غزَّة والضفَّة، يخوض التعليم في الخليج صراعًا على الذاكرة، قد يفضي إلى نشوء أجيال لا ترى في فلسطين إلَّا قضيَّة عابرة في كتُب التاريخ».
ختامًا، نحن بحاجة إلى إعادة هندسة مناهجنا الدراسيَّة مع تغلغل خطابات السَّلام والاستسلام واستحضار معادلة المقاومة والحقوق والإنسانيَّة، حتَّى لا نُفجع ذات يوم بجيل لا يعرف فلسطين، ولا يستشعر الانتماء والوحدة الوطنيَّة بَيْنَ أشقائه؛ فغياب فلسطين عن مناهجنا الخليجيَّة ليس مجرد تغيير تربوي، بل هو انعكاس استراتيجي لخيارات سياسيَّة لن ترحم الأجيال القادمة؛ مما يحتِّم على صُنَّاع القرار والمعنيين في الحقل التربوي وبالأخص مَن يعملون على تأليف وانتقاء الموضوعات والمحتوى الدراسي بضرورة إعادة الاعتبار لفلسطين باعتبارها حتميَّة لحماية الوعي الجمعي من التلاشي، وليس ترفًا أو تطرُّفا كما يروّج له البعض، وكذلك لضمان أن تبقى القضيَّة الفلسطينيَّة حاضرة في ذاكرة الأجيال، جنبًا إلى جنب مع معاركها المستمرة على الأرض.
د. سلطان بن خميس الخروصي
كاتب عماني

