بقلم: خليفة البلوشي
في عالم الثرثرة أفكر، وفي حديث الألغاز أبحر وأتعمق في الإبحار، وأتساءل لماذا لا يقلل ذلك الشخص المريض من كثرة الكلام؟، ألا يعلم أن الثرثرة هي خروج عن الحد المسموح به من الكلام، عجبي من إدمان بعض الناس في هذا الداء لدرجة أنهم لا يستطيعون العيش من دونه، أتوقع حفظ اللسان أمر ضروري، لأن الكثير من المشاكل تنجم عن عدم ضبط اللسان، والأصل في الحديث أن يكون بمقدار الحاجة، وبما لا يضر بالآخرين أو بسمعتهم، وأن لا يكون فيه إساءة أو تجريح، وأن لا يتكلم الإنسان إلا بما يصلح وينفع، وأن يقلل من المزاح، لأن كثرة المزاح قد يؤدي إلى مشكلات بين الناس.
أن المتكلم بالألغاز والثرثار يصبح محل سخرية ويتحاشاه الجميع، لأنه يبالغ في الحديث، ويقوم بإضاعة وقت ثمين هو في أمس الحاجة إليه، فخيرًا له أن ينجز عملًا مفيدًا من أن يضيع وقته في كلام طويل عريض لا طائل من ورائه إلا خلق الكراهية والبغضاء، ومهما كانت أسباب الثرثرة فهي داء لا يشعر به الثرثار وإنما يشعر به الآخرون، وتقع عواقبه وبلواه على رؤوسهم.
في حياتي اليومية أتابع بعض الناس وخصوصًا في “الجروبات” على أنهم تعودوا على الثرثرة وكثرة الكلام بالألغاز، لأنهم يجدون فيها متعة ولذة، وتحديدًا عند الطعن في آراء وميول الآخرين، أو النيل من سمعتهم وكرامتهم. وهناك من يثرثر فقط ليثبت أنه موجود عملاً بمبدأ بين قوسين ( أنا أثرثر إذًا أنا موجود ) وقد يريد به صاحبه أن يثبت للآخرين شيئًا، فهنالك من يفعل ذلك لإثبات وجوده أو للفت الانتباه، وذكرت ” الجروبات” لأن التعليق والدردشة عبر هذه المواقع والمنصات صار هو الشغل الشاغل الذي لا ينتهي لكثير من شبابنا ومن الجنسين. أنا لست ضد التواصل ومعرفة الآخرين والاهتمام بهم، لكن ليس لدرجة قتل الوقت الثمين في اقتحام خصوصياتهم، يرى البعض أن الثرثرة من صفات المرأة دون الرجل، إلا أن ما نراه ونعيشه يوميًا من نماذج لرجال ثرثارين ينفي إلصاق هذه التهمة بالنساء فقط، فالشخص الذي يتكلم بالألغاز والثرثار لا يولد ثرثارًا، لكنه يكتسب صفة الثرثرة من طبيعة المجتمع الذي يتربى ويترعرع ويعيش فيه.
أيها الثرثارون.. أيها المتحدثون بالألغاز أعلموا أن الكلام كالدواء والداء، إن أقللت منه نفعك وإن أكثرت منه ضرك، فخير الكلام ما قل ودل، والصمت هيبة وقوة في زمن الثرثرة والثرثارين من وجهة نظري.

