منذ نشأة الدولة الحديثة في العالم الإسلامي، ظل السؤال حول مدى توافق القوانين الوضعية مع القواعد القطعية في الفقه الإسلامي سؤالاً جوهرياً يثير جدلاً واسعاً بين الفقهاء ورجال القانون والمفكرين، ذلك أن القانون الوضعي يمثل جملة من القواعد التي تضعها السلطة التشريعية لتنظيم حياة الناس في مجالاتهم المختلفة، بينما القواعد القطعية في الفقه الإسلامي تمثل الأساس الراسخ المستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع، والتي لا تقبل الاجتهاد أو التغيير لأنها تنطوي على نصوص محكمة لا لبس فيها.
وبين هذين المصدرين يثور الإشكال: كيف يمكن التوفيق بين قوانين تستجيب لتطور المجتمع البشري وضروراته، وبين قواعد قطعية ثابتة تحكمها النصوص الإلهية التي لا تتغير بتغير الزمان والمكان؟
كما أن من الثابت في الشريعة الإسلامية أن هناك نوعين من الأحكام: القطعية التي لا مجال للاجتهاد فيها، مثل تحريم الربا والقتل بغير حق والسرقة، والظنية التي تُستنبط بالاجتهاد من النصوص العامة أو من المقاصد الشرعية، أما القواعد القطعية هي بمثابة الأساس الذي لا يمكن تجاوزه لأنها تمثل أوامر ونواهي إلهية صريحة، ومن هنا فإن أي قانون وضعي يخالف قاعدة قطعية يكون في حقيقته مصادماً لمصدر إلزامي أعلى، ويقع في دائرة البطلان الشرعي، حتى وإن حاز مشروعية دستورية أو برلمانية.
فالقانون الوضعي مهما بلغ من إحكام صياغته، لا يمكن أن يتفوق على النص القطعي الذي يمثل السيادة العليا للشرع، قال تبارك وتعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]، وهذه الآية تدل على أن الإيمان ذاته مرتبط بالاحتكام إلى الشرع، مما يقطع بعدم مشروعية أي قانون يخالف القطعيات.
لكن هذا لا يعني أن كل القوانين الوضعية في العالم الإسلامي تعارض القواعد القطعية. فالكثير من التشريعات المدنية والتجارية والإدارية إنما نظمت مسائل لم يرد بشأنها نص قطعي، فاستعانت بالفقه الإسلامي من جهة وبالتجارب القانونية الحديثة من جهة أخرى. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قوانين المعاملات المدنية المستوحاة من الفقه الإسلامي، كما في القانون المدني المصري الذي اعتمد على جهود السنهوري، حيث راعى كثيراً من القواعد الفقهية وخاصة في العقود والالتزامات، دون أن يصطدم بالأحكام القطعية. وهذا يبين أن هناك مساحة واسعة للتوفيق بين القانون الوضعي وأحكام الفقه الإسلامي متى ما التزم المشرّع بالثوابت القطعية وترك مجال الاجتهاد فيما دونها.
ومع ذلك فإن بعض القوانين الوضعية أثارت إشكالات حقيقية عندما اصطدمت مباشرة بالنصوص القطعية. من ذلك على سبيل المثال إقرار بعض الدول قوانين تسمح بالفوائد البنكية تحت مسمى الفائدة التجارية أو العائد الاستثماري، وهو ما يعتبر في الفقه الإسلامي ربا صريحاً تحريمه قطعي بالقرآن الكريم في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. وكذلك قوانين تبيح الزنا إذا وقع بالتراضي بين بالغين، بحجة الحرية الشخصية، وهو ما يناقض الحكم القطعي بتحريم الزنا في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]. هذه الأمثلة تؤكد أن بعض التشريعات الوضعية تتجاوز الحدود القطعية وتدخل في صدام مباشر مع الشريعة، مما يجعلها فاقدة للشرعية في ميزان الفقه الإسلامي حتى وإن اكتسبت صفة النفاذ القانوني.
بالتالي إن التحدي الأكبر الذي يواجه المشرّع المسلم اليوم هو إيجاد صيغة تحقق التوازن بين متطلبات الحياة العصرية وبين الالتزام بالقواعد القطعية. وهذا يتطلب فهماً عميقاً لمقاصد الشريعة، لأن النصوص القطعية نفسها ليست بمعزل عن الواقع، بل جاءت لتحقيق مصالح العباد. فعلى سبيل المثال، مبدأ القصاص الذي نص عليه القرآن ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179] يمثل قاعدة قطعية تهدف لحماية النفس وردع الاعتداء، ومع ذلك فإن الشريعة فتحت باب العفو والدية، مما يتيح مساحات مرنة للمشرّع في تنظيم العقوبات ضمن إطار المقصد العام. وهذا يفتح المجال أمام القوانين الوضعية لتنظيم مسائل العقوبة والإجراءات الجنائية بشكل يتناسب مع العصر، شريطة ألا تنقض الأصل القطعي.
ومن ناحية أخرى، يؤكد الفقهاء أن المصلحة المرسلة والاستصلاح باب واسع لا يتعارض مع القطعيات بل يكملها. فإذا وضعت الدولة قوانين لتنظيم المرور، أو قوانين لحماية البيئة، أو أنظمة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، فهي وإن لم ترد بنص شرعي مباشر، إلا أنها مندرجة تحت قاعدة شرعية كبرى هي “المصالح المرسلة” و”سد الذرائع”، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “لا ضرر ولا ضرار” (رواه ابن ماجه)، ومن هنا فإن القانون الوضعي يصبح امتداداً عملياً للفقه الإسلامي، وليس منافساً له، إذا التزم بتحقيق المقاصد الكلية للشريعة وهي حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض.
إلا أن المعضلة الكبرى تكمن في القوانين التي تنظم مسائل الأسرة والأحوال الشخصية، حيث تتدخل التشريعات الوضعية أحياناً بما يخالف نصوصاً قطعية مثل الميراث. فقد أقدمت بعض الدول على سن قوانين تساوي بين الذكر والأنثى في الميراث، تحت شعار المساواة والعدالة، بينما النص القرآني صريح في قوله تبارك وتعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، هذا النص من أوضح الأمثلة على القواعد القطعية التي لا يجوز مخالفتها بأي قانون وضعي، وإلا وقع القانون في التعارض المباشر مع الشرع. وفي المقابل، نجد أن أغلب التشريعات الإسلامية التزمت بهذه الأحكام في قوانينها، وهو ما يدل على إدراكها لخطورة الاصطدام بالقطعيات.
أما على مستوى النظرية القانونية، فإن المدرسة الوضعية في القانون ترى أن مصدر الإلزام هو السلطة التشريعية وحدها، بينما الفقه الإسلامي يرى أن الإلزام الأعلى هو النص الإلهي. ومن هنا تنشأ الازدواجية بين مرجعية بشرية ومرجعية إلهية. ولعل التجربة القانونية في الدول الإسلامية الحديثة تظهر أن محاولات الجمع بين المرجعيتين تتفاوت، فمنها ما يميل إلى تبني الفقه الإسلامي أساساً للتشريع، ومنها ما يتبنى القانون الوضعي المستورد مع محاولة إضفاء بعض الصبغة الإسلامية. غير أن النتيجة الحتمية التي يقرها الفقه الإسلامي أن أي قانون يخالف القطعيات الشرعية لا يكتسب صفة المشروعية مهما كان مصدره، لأن سيادة الشريعة أعلى من سيادة البرلمان.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن التوافق بين القانون الوضعي والفقه الإسلامي ممكن بل وضروري، لكنه مرهون بشرط جوهري هو احترام النصوص القطعية. فإذا احترم المشرّع هذه النصوص، وجد في الفقه الإسلامي ثروة هائلة من القواعد والمبادئ التي تسعف في تنظيم شؤون الحياة، مع المرونة في غير القطعيات عبر باب الاجتهاد. أما إذا تجاهلها، فإنه يفتح الباب لصدام بين القانون والشرع، وهو صدام لا يمكن أن يحسم لصالح القانون الوضعي في ضمير الأمة، حتى لو فرضته السلطة.
من هنا، إن بناء نظام قانوني رشيد في العالم الإسلامي لا يتحقق بمجرد استيراد القوانين أو تعديلها لتواكب الحداثة، بل يتحقق حين يُستمد التشريع من روح الشريعة ومقاصدها، مع الالتزام الصارم بالقطعيات، وإفساح المجال للاجتهاد فيما دونها. وهذا هو الطريق الأمثل لصناعة قانون وضعي لا يعارض بل ينسجم مع الفقه الإسلامي، ويحظى بقبول شعبي وشرعي في آن واحد. فالشريعة ليست حجر عثرة أمام التطور، بل هي ضمانة ألا يتحول التطور إلى فوضى أو انحراف عن القيم الثابتة.
وبذلك نستطيع أن نجزم بأن مدى توافق القوانين الوضعية مع القواعد القطعية في الفقه الإسلامي ليس مسألة نظرية فحسب، بل هو قضية وجودية تمس مشروعية القانون ذاته، إذ إن القانون في الدول الإسلامية لا يكتسب قبوله وفاعليته إلا حين يتسق مع تلك القواعد القطعية التي تمثل الأساس العقدي والشرعي للمجتمع، وبدون هذا الاتساق، يبقى القانون نصاً مجرداً يفقد روحه، ويتحول إلى أداة صدام بين السلطة والمجتمع، بينما جوهر القانون في الإسلام هو أن يكون أداة لتحقيق العدل الذي هو مقصد الشرع الأسمى.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان
مستشار قانوني – الكويت.

