يُعد مفهوم المصلحة من أبرز المفاهيم التي أسهمت في بناء المنظومة التشريعية الإسلامية، ومن أكثرها حيوية في ضبط حركة الاجتهاد والتقنين في القضايا المستجدة. فالمصلحة في جوهرها هي تحقيق النفع ودرء الضرر عن الإنسان والمجتمع، وهي قاعدة كبرى أودعها الشرع في صميم مقاصده، حتى غدت ركيزة في فهم النصوص وتنزيل الأحكام على الوقائع. وقد كانت المصلحة، وما زالت، محور التقاء بين الفقه الإسلامي والقانون المدني الحديث، إذ يتقاطع كلا النظامين في سعيهما لتحقيق العدالة وتنظيم العلاقات على نحو يحفظ النظام العام ويضمن استقرار الحقوق.
ويرى فقهاء الإسلام أن المصلحة ليست مبدأ طارئاً أو فكرة فلسفية مستحدثة، بل هي أصل راسخ في الشريعة، دلّ عليه النص والقياس والاستقراء. فقد قال الإمام الشاطبي إن الشريعة كلها وضعت لمصالح العباد في المعاش والمعاد، وهو تأكيد على أن حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل إنما هو تحقيق لمصالح ضرورية تقوم عليها حياة الإنسان. ومن هذا المنطلق، فإن كل حكم شرعي، سواء ورد بالنص أو استنبطه الفقهاء، لا بد أن يدور مع المصلحة وجوداً وعدماً. أما الإمام الماوردي فقد رأى أن المصلحة ليست مجرد منفعة حسية، بل تشمل كل ما يحقق الصلاح العام للأمة في إطار مقاصد الشرع، بينما أكد الغزالي أن المصلحة لا تكون معتبرة إلا إذا كانت متفقة مع مقاصد الشرع، ولا تصادم نصاً ولا أصلاً قطعياً، مبيناً أن الشرع جاء لجلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.
أما من الناحية القانونية، فإن الفقه المدني الحديث استلهم هذا المفهوم في إطار أوسع، فاعتبر المصلحة شرطاً لقبول الدعوى وركيزة في استحقاق الحقوق. فالمصلحة في نظر القانون هي الفائدة القانونية أو المادية التي يسعى الشخص إلى تحقيقها من وراء استعمال حقه أو حمايته أمام القضاء، وهي كذلك معيار يحدد مشروعية التصرفات والعقود. فالمادة (3) من القانون المدني المصري مثلاً تنص على أنه “لا يُقبل أي طلب أو دفع لا تكون لصاحبه فيه مصلحة قائمة يقرها القانون”، وهي ذات القاعدة التي اعتمدها القضاء المدني في الكويت ومعظم التشريعات العربية، إذ لا دعوى بلا مصلحة، ولا حماية قانونية لحق لا يُمس بضرر حقيقي أو محتمل.
وإذا تأملنا هذا المبدأ في جذوره الفقهية، نجد أن الفقهاء قد أسسوا له منذ قرون طويلة تحت مسمى المصلحة المرسلة، وهي المصلحة التي لم يرد نص بإلغائها أو اعتبارها ولكن يقتضيها تحقيق العدل وصيانة النظام العام. وقد عمل بها الصحابة والتابعون، ومن أبرز أمثلتها جمع المصحف في عهد أبي بكر رضي الله عنه، وتدوين الدواوين في عهد عمر بن الخطاب، وتوحيد المقادير والمكاييل. فكل هذه الإجراءات لم تكن منصوصاً عليها في القرآن أو السنة نصاً مباشراً، لكنها كانت استجابة لمصلحة الأمة العامة. ومن هنا قال العلماء: “حيثما كانت المصلحة فثمّ شرع الله”.
إن هذا المبدأ الإسلامي يجد صداه واضحاً في الفقه القانوني المعاصر، الذي يربط مشروعية التصرفات بالمنفعة الاجتماعية العامة، لا بمجرد الإرادة الفردية. فالقاضي في القانون المدني لا يكتفي بسلامة الشكل أو التراضي، بل ينظر في مدى مشروعية الغاية والمآل، وفقاً لمبدأ “عدم مشروعية السبب أو المحل” إذا خالف النظام العام أو الآداب. وهذه الفكرة في جوهرها هي ترجمة قانونية لمبدأ “سدّ الذرائع” في الفقه الإسلامي، الذي يقوم على منع الوسائل المفضية إلى الضرر وإن كانت في ظاهرها مباحة. فكما يمنع الفقهاء بيع السلاح في زمن الفتنة، يمنع القانون المعاصر التصرفات التي ظاهرها مشروع ولكن غايتها الإضرار بالمصلحة العامة.
وفي مجال التشريع المدني، تتجلى تطبيقات المصلحة في مسائل متعددة، منها تنظيم الملكية الخاصة والقيود الواردة عليها. فالملكية في الفقه الإسلامي ليست حقاً مطلقاً، بل مقيداً بالمصلحة العامة، إذ يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “لا ضرر ولا ضرار” فالمصلحة هنا هي الضابط الذي يحول دون استعمال الحق على وجه يضر بالغير أو بالمجتمع. وقد ترجم المشرّع المدني هذا المبدأ في نظرية “التعسف في استعمال الحق”، المنصوص عليها في المادة (5) من القانون المدني الكويتي، والتي تقضي بأن “استعمال الحق يكون غير مشروع إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير”. وهذه القاعدة مستمدة من القاعدة الفقهية الكبرى “الضرر يزال”، التي تُعد من أعمدة الفقه الإسلامي.
ومن جهة أخرى، نجد أن المصلحة لعبت دوراً محورياً في تطوير التشريعات المتعلقة بالأسرة والعقود والمعاملات المالية. ففي مجال الأسرة، استندت المحاكم الشرعية إلى المصلحة في مسائل الحضانة والنفقة والطلاق، مراعاة لحقوق الطفل والمرأة. فالمصلحة هنا هي معيار الترجيح بين الأقوال والمذاهب، حيث قال ابن القيم إن “الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والحال، تحقيقاً لمصلحة الخلق ودفعاً للضرر عنهم”. وفي المقابل، يقرّ التشريع المدني بأن النظام الأسري جزء من النظام العام الذي لا يجوز الاتفاق على مخالفته، لأن المصلحة الاجتماعية تقتضي حماية الأسرة باعتبارها نواة المجتمع.
وفي العقود، سواء في البيع أو الإيجار أو الوكالة أو المقاولة، يُراعى مبدأ المصلحة في تحديد مدى مشروعية العقد وآثاره. فالقانون المدني، شأنه شأن الفقه الإسلامي، لا يقرّ عقود الغرر أو الربا أو الإكراه لأنها تخلّ بمصلحة أحد الأطراف وتزعزع العدالة التعاقدية. وقد قرر الفقهاء أن العقود في الإسلام مبنية على الرضا والعدل والمصلحة المشتركة، لا على استغلال الضعف أو الجهل. لذلك، فإن نظرية “العيب في الإرادة” في القوانين المدنية هي انعكاس لمقاصد الفقه في تحقيق المصلحة العادلة بين المتعاقدين.
أما في نطاق المسؤولية التقصيرية، فقد نصّ القانون المدني على أن “كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم فاعله بالتعويض”، وهي قاعدة متطابقة مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “من أضرّ أضرّ الله به، ومن شاقّ شقّ الله عليه”، فالتعويض هنا ليس مجرد جزاء قانوني، بل تجسيد للمصلحة في إعادة التوازن الاجتماعي وردّ الحقوق إلى أصحابها. كذلك فإن قاعدة “لا يُغني الحق الشخصي عن المصلحة العامة” المكرسة في الاجتهاد القضائي المدني، توازي القاعدة الفقهية “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”، فكلاهما يضع المصلحة العامة فوق المصلحة الفردية إذا تعارضتا.
وإذا ما دققنا النظر في فلسفة التشريع الإسلامي، نجد أن المصلحة فيه ليست منفصلة عن القيم، فهي محكومة بمقاصد الشرع التي تراعي التوازن بين المادي والمعنوي، الفردي والجماعي، العاجل والآجل. أما في القانون الوضعي، فإن المصلحة غالباً ما تُقاس بمعيار النفعة المادية أو الاجتماعية، دون النظر إلى البعد الأخلاقي، ومع ذلك، فإن التشريعات المدنية الحديثة بدأت تعود إلى إدماج البعد القيمي ضمن معايير المصلحة، خصوصاً في القوانين البيئية والاقتصادية، حيث أصبحت المصلحة العامة مفهوماً أخلاقياً قبل أن تكون مصلحة اقتصادية.
وفي هذا السياق، فإن تطبيقات المصلحة في التشريع المدني الحديث تمثل استمرارية للتفكير المقاصدي الإسلامي في ثوب قانوني معاصر. فكل من النظامين يسعى لضبط السلوك الإنساني وتحقيق العدالة والإنصاف، وإن اختلفت المرجعية. فالفقه الإسلامي ينطلق من مقاصد الشريعة التي تهدف إلى حفظ الكليات الخمس، بينما القانون المدني يستند إلى فكرة النظام العام والمصلحة الاجتماعية، وكلاهما يلتقيان عند قاعدة مركزية مفادها أن التشريع لا يكون صحيحاً ولا عادلاً إلا إذا حقق المصلحة ومنع الضرر.
إن التحدي الحقيقي اليوم أمام الفقهاء والقانونيين هو إيجاد صيغة عملية لتكامل المفهومين، بحيث يُستثمر الفقه المقاصدي في تطوير القوانين المدنية بما يحقق اتساقها مع قيم المجتمع ومصالحه العليا. فالمصلحة الشرعية يمكن أن تكون أداة عقلانية مرنة تساعد المشرع على تجاوز الجمود التشريعي، كما يمكن أن تسهم في تقوية الرقابة القضائية على القوانين التي تمس حقوق الأفراد أو النظام العام. فكما قال الإمام الطوفي: “حيث تعارض النص والمصلحة، وجب تقديم المصلحة ما لم يخالف نصاً قطعياً”، وهو مبدأ يصلح أن يكون أساساً لتحديث التشريعات الوضعية ضمن إطار قانوني منضبط.
وخلاصة القول، إن المصلحة في الفقه الإسلامي والتشريع المدني ليست مجرد فكرة تنظيرية، بل هي روح التشريع ولبّ العدالة. فهي التي تجعل الأحكام قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان، وتمنح القانون مرونته واستمراريته. وإذا استطاعت المنظومة القانونية العربية أن تستلهم هذا المفهوم بروحه الأصيلة لا بشكله المجرد، فإنها ستنجح في بناء تشريع إنساني متوازن يجمع بين الشرعية والمصلحة، بين الثبات والتطور، ويجعل من العدالة قيمةً حية تتنفس في الواقع لا نصاً جامداً على الورق.
عبد العزيز بدر عبدالله القطان
مستشار قانوني – الكويت

