إن الحق في الكرامة قبل الحق في العدالة ليس مجرد ترتيب لفظي أو لغوي، بل هو ترتيب وجودي وقيمي يحدد جوهر الإنسان ومعنى العدالة نفسها، فإذا كانت العدالة غاية سامية تنشدها المجتمعات لإقامة التوازن بين الحقوق والواجبات، فإن الكرامة هي الأساس الذي يمنح العدالة معناها الإنساني، لأن العدالة التي تُمارس في غياب الكرامة تتحول إلى أداة قمع، والحق الذي يُنتزع دون حفظ كرامة الإنسان يفقد روحه.
ولعل من أبرز ما يميز الفكر الإسلامي أنه لم يجعل الكرامة تالية للعدالة، بل جعلها أصلاً لكل حكم وعدل وتشريع، يقول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز: “ولقد كرمنا بني آدم”، فجعل الكرامة صفة سابقة على كل الحقوق، ومناطاً للتكليف والمسؤولية، وجعلها تشمل كل البشر دون تفريق في لون أو نسب أو دين، وهذه الصيغة القرآنية الشاملة تعني أن الكرامة هي الأصل الذي تُبنى عليه العدالة، لا العكس.
وإن الحق في الكرامة يعني أن يُعامل الإنسان بما يليق بإنسانيته، وألا يُهان أو يُستغل أو يُجرد من إنسانيته تحت أي ذريعة، وحين يُسلب هذا الحق، لا تكون العدالة سوى قشرة زائفة تُغطي ظلماً مضاعفاً، ولذا نجد أن المجتمعات التي تفشل في احترام كرامة الإنسان تفشل بالضرورة في تحقيق العدالة، فحين يُهان المتهم قبل أن يُدان، وحين يُحرم الفقير من الاحترام الذي يستحقه، وحين تُمارس السلطة سلطتها دون مراعاة لكرامة من تحكمهم، تكون العدالة قد فقدت معناها، مهما كانت القوانين منمقة والنظم متطورة، فالعدالة لا تُقاس بعدد النصوص ولا بعدد المحاكم، بل بمدى احترام الإنسان في كل مراحل التقاضي والتعامل الاجتماعي.
وفي الفقه الإسلامي، تُعد الكرامة الإنسانية أصلاً من أصول المقاصد العليا للشريعة، فقد جعل الإمام الشاطبي من حفظ النفس والعقل والنسل والمال والدين مقاصد ضرورية، لكن الكرامة تتخلل هذه المقاصد جميعاً باعتبارها روحها. فحفظ النفس لا يكون إلا بصون كرامتها، وحفظ العقل لا يتم إلا باحترام حرية التفكير التي هي من مقومات الكرامة، وحفظ المال لا يكون إلا بمنع الاستغلال والإذلال، بل إن فقهاء مثل الماوردي والغزالي وابن عاشور مع “حفظ الألقاب”، أكدوا أن كل ما يؤدي إلى امتهان الإنسان حرام شرعاً، ولو لم يرد فيه نص صريح، لأن الامتهان يتعارض مع مقصد الكرامة الذي هو أصل العدالة، ومن هنا نفهم أن العدالة في الإسلام لا تُمارس كأداة ردع فحسب، بل كوسيلة لحفظ إنسانية الإنسان حتى في مواضع العقوبة، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ضرب الوجه، وأمر بالإحسان إلى السجين، وحث على التخفيف عن العامل والخادم، لأن كل ذلك صون للكرامة.
أما في الفكر الإنساني المعاصر، فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الأولى على أن “الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق”، فجعل الكرامة قبل الحقوق، وهذا الترتيب دقيق من الناحية الفلسفية والحقوقية، لأنه يقرر أن كل حق لاحق إنما يستمد شرعيته من هذا الأصل الأول: الكرامة، فلو كانت العدالة سابقة على الكرامة، لكان من الممكن أن تبرر القوانين الظالمة أو المحاكمات الجائرة بحجة “تطبيق العدالة”، كما رأينا في الأنظمة الشمولية التي مارست أبشع الجرائم تحت شعار العدالة أو النظام، لذلك، فإن الكرامة هنا هي الحد الذي لا يجوز تجاوزه حتى باسم العدالة.
وإن العالم المعاصر يعاني من أزمة في فهم العلاقة بين العدالة والكرامة، فحين تُقتل الشعوب باسم القانون، ويُبرر الاحتلال بأنه “إحقاق للحق”، تُهان الكرامة ويُلغى معنى العدالة. والمفارقة أن المجتمعات الأكثر صراخاً في الدفاع عن العدالة كثيراً ما تُقصي الكرامة في الواقع العملي، فيتحول النظام القضائي إلى وسيلة لإعادة إنتاج الظلم. ولهذا جاءت دعوة الفكر الإسلامي لتضع معياراً أسمى: أن تكون العدالة خادمة للكرامة لا متسلطة عليها.
ومن الأمثلة البارزة في التاريخ الإسلامي أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عزل عاملاً له حين بلغه أنه رفع صوته على الناس في السوق، مع أن العامل لم يسرق ولم يظلم، لكن مجرد امتهانه لكرامة الناس اعتُبر جريمة في حق العدالة، وهذا يبين أن الكرامة ليست ترفاً أخلاقياً بل هي شرط للحكم العادل، وفي موقف آخر، حين دخل رجل على عمر يشكو عاملاً ضربه، أمر الخليفة بالقصاص منه قائلاً عبارته الشهيرة: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟” وهذه العبارة تُختصر فيها فلسفة العدالة في الإسلام: لا عدالة بغير كرامة.
وفي الواقع المعاصر، نجد أن العديد من التشريعات الوضعية التي تسعى إلى تحقيق العدالة تغفل البعد الإنساني، فالمتهم يعامل أحياناً كأنه مدان قبل أن يُثبت القضاء ذلك، والعامل يُهدر حقه في الاحترام بحجة النظام الوظيفي، واللاجئ يُعامل كمشكلة أمنية لا كإنسان له حق الحياة والاحترام، هذه الممارسات تضع العدالة في مواجهة الكرامة، مع أن الأصل أن تكون في خدمتها. ولو التزم صناع القرار والمشرعون بمبدأ الكرامة كقاعدة فوقية، لتغير وجه القانون ذاته، ولما احتجنا إلى كثرة التقاضي والنزاع، لأن الإنسان الذي يشعر باحترامه لا يعتدي ولا يتمرد.
ومن المنظور القانوني، يمكن القول إن الكرامة تمثل البنية التحتية للحقوق الأساسية. فهي التي تمنح كل حق قيمته الأخلاقية والقانونية، وهي التي تحدد مدى مشروعية تدخل الدولة في حياة الأفراد، فالقوانين التي تنتهك كرامة المواطن تفقد مشروعيتها، حتى لو صدرت وفق الإجراءات الشكلية، لذلك، فإن القانون الحق هو الذي يحمي الكرامة قبل أن يحكم بالعدالة، وقد نصت العديد من الدساتير الحديثة، مثل الدستور الألماني والجنوب إفريقي، على أن الكرامة الإنسانية مصونة لا تمس، وجعلت منها مادة غير قابلة للتعديل، وهذا الوعي المتأخر هو في جوهره عودة إلى المفهوم الإسلامي القديم الذي جعل الكرامة فريضة إنسانية لا تسقط بالتقادم.
من زاوية أخرى، إن الترتيب بين الكرامة والعدالة ليس مجرد نقاش أكاديمي، بل هو قضية تربوية ومجتمعية بالدرجة الأولى، فالمجتمع الذي يربّي أبناءه على احترام الكرامة في البيت والمدرسة والشارع، هو مجتمع يصون العدالة قبل أن يسنّ قوانينها، إننا بحاجة إلى ثقافة تُعلّم الناس أن الحق لا يُطلب بالإهانة، وأن العدالة لا تُقام بالتجرد من الأخلاق، وأن كرامة المخالف لا تقل عن كرامة الموافق، وهذا الفهم هو ما تحتاجه المجتمعات العربية والإسلامية اليوم، خصوصاً في ظل التوترات السياسية والاجتماعية التي أفرزت أنماطاً جديدة من الإقصاء والإذلال تحت شعارات العدالة الانتقالية أو الإصلاح المؤسسي.
كما أن الفقهاء والمفكرون الذين وعوا هذا المعنى العميق أكدوا أن العدالة لا تكتمل إلا بوجود رحمة وإنصاف. فالشيخ محمد الطاهر بن عاشور تحدث عن “عدالة تراعي المقاصد قبل النصوص”، واعتبر أن صيانة الكرامة مقدمة على العقوبة، لأن الشريعة جاءت لإصلاح الإنسان لا لإهانته، كذلك أشار الدكتور محمد عمارة إلى أن الإسلام جعل الكرامة قاعدة حقوقية شاملة، ولذلك فإن العدالة الإسلامية ليست محايدة فحسب، بل رحيمة، لأن رحمتها هي التي تحفظ الكرامة. ولو نظرنا في الفكر الغربي ذاته، لوجدنا فلاسفة مثل إيمانويل كانط قد جعلوا الكرامة مبدأً فوق كل القوانين، حين قال إن الإنسان لا يُعامل أبداً كوسيلة، بل كغاية في ذاته، وهذا ينسجم تماماً مع الرؤية الإسلامية التي ترى أن العدالة أداة لخدمة الإنسان، لا لتشييئه.
وفي التطبيق العملي، يمكن ملاحظة أن الدول التي تضع الكرامة محوراً لسياستها القانونية تحقق استقراراً مجتمعياً أكبر، فالنظام القضائي الذي يحترم المتقاضيين، ويتيح لهم حق الدفاع دون تمييز، هو نظام يحقق العدالة الحقيقية، أما الأنظمة التي ترفع شعار العدالة لكنها تهين المواطن في مؤسساتها، فإنها تزرع الكراهية والانتقام في قلوب الناس، لذا، فإن الواجب القانوني والإنساني اليوم هو إعادة ترتيب أولوياتنا الحقوقية لتبدأ بالكرامة، لأن العدالة بلا كرامة ليست سوى شكل من أشكال العنف المقنن.
ومن وجهة نظري القانونية، أرى أن الحق في الكرامة يجب أن يكون المبدأ الأعلى في كل تشريع، وأن يُدرج كحق غير قابل للمساس به، حتى في حالات الضرورة أو الحرب أو الطوارئ. فالكرامة ليست امتيازاً يمنحه القانون، بل هي حقيقة تسبق القانون وتُقيده. وكل عدالة لا تنطلق من هذا المبدأ هي عدالة ناقصة، إن القاضي الذي يحكم دون مراعاة لكرامة المتهم، والمشرع الذي يسن قانوناً دون التفكير بآثاره على إنسانية الناس، كلاهما يفرغ العدالة من محتواها. فالقانون ليس غاية، بل وسيلة لخدمة الإنسان، وهذه الخدمة لا تكتمل إلا بصون كرامته في كل المراحل، من التشريع إلى التنفيذ، إن المجتمع الواعي هو الذي يُربي أبناءه على أن احترام الكرامة هو أول مظاهر العدالة، وأن المطالبة بالحقوق لا تعني التعدي على كرامة الآخرين، وأن أقوى المجتمعات هي التي تستطيع الجمع بين الصرامة القانونية والرحمة الإنسانية.
من هنا، فإن نشر الوعي في المجتمع حول أسبقية الكرامة على العدالة ليس ترفاً فكرياً، بل واجب تربوي وأخلاقي وقانوني، فحين يدرك المواطن أن كرامته محفوظة، سيحترم القانون ويثق بالقضاء، لأن الكرامة تخلق الثقة، والثقة تولّد العدالة. أما حين يشعر بالمهانة، فحتى لو أنصفه القانون، سيظل الإحساس بالظلم قائماً، لهذا يجب أن يكون الإعلام، والتعليم، والمؤسسات الدينية، والهيئات القضائية شركاء في إعادة بناء وعي المجتمع على أساس أن الكرامة هي روح العدالة.
وفي خاتمة هذا الموضوع، يتضح أن العلاقة بين الكرامة والعدالة ليست علاقة تعارض أو ترتيب وظيفي، بل هي علاقة تأسيس واشتقاق، فكل عدالة بلا كرامة ظلم مستتر، وكل كرامة بلا عدالة ضعف مستمر، لكن الأصل الذي تُبنى عليه كل الحقوق هو الكرامة، لأنها جوهر الإنسانية ومعيار الحضارة، إن المجتمعات التي تضع الكرامة في مقدمة أولوياتها، وتُعلّم أبناءها أن احترام الإنسان فوق كل اعتبار، هي وحدها القادرة على تحقيق العدالة المستدامة. فليكن شعارنا في بناء المستقبل: كرامة الإنسان أولًا، لأنها الطريق إلى عدالة لا تُهين ولا تُؤذي، بل تُنصف وتُطهّر وتُعيد للإنسان معناه.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان
مستشار قانوني – الكويت.
