يُعدّ مفهوم السيادة من أكثر المفاهيم إشكالية في الفكرين القانوني والسياسي، فهو يشكل العمود الفقري لكل نظام دستوري، والمبدأ الذي تنبني عليه الدولة الحديثة في بنيتها القانونية وممارستها السياسية، غير أن هذا المفهوم حين يُقرأ في ضوء الفقه الدستوري الإسلامي، يفتح باباً واسعاً لإعادة التفكير في أصل السلطة، وحدودها، ومرجعيتها، ومآلاتها، خاصة في سياق تتنازع فيه الرؤى بين من يرى السيادة في الشعب، ومن يجعلها في الدولة، ومن يردّها إلى الله تبارك وتعالى باعتباره المالك الحقيقي للسلطان والقدرة والحكم، ومن هنا تبرز أهمية السؤال: هل يمكن إعادة تعريف السيادة ضمن مقاصد الشريعة الإسلامية دون أن تفقد الدولة الحديثة توازنها بين الشرعية الدينية والفاعلية السياسية؟
إذا رجعنا إلى المفهوم الغربي الكلاسيكي للسيادة، نجد أنه ارتبط في الفكر الأوروبي الحديث بأعمال فلاسفة القانون والسياسة مثل جان بودان وتوماس هوبز وجون لوك وروسو، فبودان عرّفها بأنها “السلطة العليا المطلقة في الدولة، التي لا تعلوها سلطة أخرى”، وهي بذلك غير قابلة للتجزئة أو المشاركة، وقد تبنّى الفكر الدستوري اللاحق هذه الفكرة في إطار الدولة القومية التي نشأت بعد صلح وستفاليا عام 1648، إذ أصبحت السيادة مرادفة لاستقلال الدولة وإطلاق يدها في التشريع والتنظيم دون تدخل خارجي، غير أن هذا التعريف، رغم وجاهته في السياق الأوروبي، لم يخلُ من تناقضات حين طُبّق في المجتمعات الإسلامية التي ترتكز على مبدأ العبودية لله وحده، وما يستتبعه ذلك من خضوع الإنسان والمجتمع والسلطة لحاكمية النص الشرعي.
وفي الفقه الإسلامي، لا وجود لمفهوم السيادة بمعناه الوضعي الغربي، لأن الأصل في التصور الإسلامي أن الحكم لله تبارك وتعالى، وأن البشر مستخلفون في الأرض ضمن نظام تكليفي لا تفويضي، فالسيادة في الإسلام هي سيادة الشريعة، والسلطة هي سلطة الأمة في إطار هذه السيادة، وهذا التفريق الدقيق بين “السيادة” و”السلطة” هو الذي شكل المضمون الجوهري لما يُعرف بالفقه الدستوري الإسلامي، الذي تبلور منذ القرون الأولى في كتابات الفقهاء حول الإمامة، والبيعة، والشورى، والطاعة، والعقود العامة، والولايات، فالماوردي في “الأحكام السلطانية” لم ينظر إلى الخليفة بوصفه صاحب سلطة مطلقة، بل كمنفذ لأحكام الشرع وراعٍ للمصالح العامة، والإمام الغزالي اعتبر أن السلطان إنما تُستمد شرعيته من قيامه بحفظ الدين وسياسة الدنيا بالدين، وهي صيغة بليغة في الربط بين الشرعية الإلهية والمصلحة الإنسانية.
أما في الفكر الدستوري الحديث، فقد حاول بعض المفكرين الإسلاميين المعاصرين التوفيق بين مفهوم السيادة الشرعية ومفهوم السيادة الشعبية، مثل محمد رشيد رضا، وعبد الرزاق السنهوري، ومحمد عمارة، والطاهر بن عاشور، إذ رأوا أن الأمة مصدر السلطة السياسية، لكنها ليست مصدر التشريع، لأن التشريع مقيد بأحكام الشريعة ومقاصدها، فالسيادة في هذا التصور تؤول إلى الله تبارك وتعالى، لكن ممارستها تتم عبر الأمة باعتبارها المستخلفة على إقامة العدل وتطبيق مقاصد الشريعة، وهذا ما يُعبّر عنه فقهياً بمبدأ “الاستخلاف السياسي”، الذي يجعل الإنسان مسؤولاً عن العمران وتحقيق المصلحة ضمن حدود الشرع.
ومن الناحية القانونية، فإن هذا التصور يفرض تمييزاً دقيقاً بين مصدر السلطة ومصدر الشرعية، فبينما يرى الفكر الدستوري الوضعي أن الإرادة العامة أو الدستور هي مصدر الشرعية، فإن الفقه الإسلامي يجعل النص الإلهي هو المصدر الأعلى الذي لا يجوز تجاوزه، ومع ذلك، فإن هذا لا يعني جمود النظام السياسي الإسلامي أو رفضه للتطور المؤسسي، لأن الشريعة الإسلامية نفسها وضعت مقاصد عامة يمكن عبرها استيعاب متغيرات الزمان والمكان، ومن هنا فإن السيادة في التصور المقاصدي لا تعني إطلاق الحكم باسم الله سبحانه وتعالى بشكل حرفي، بل ضبط السلطة بمقاصد العدل والحرية والمساواة وصيانة الكرامة الإنسانية، وهي مقاصد توافق روح الدساتير الحديثة.
بالتالي، إن إعادة تعريف مفهوم السيادة في ضوء مقاصد الشريعة الإسلامية لا تهدف إلى نسف الدولة الحديثة، بل إلى ترشيدها أخلاقياً، وردّها إلى سياق إنساني متوازن بين الحقوق والواجبات، فمقاصد الشريعة الخمسة (حفظ الدين، النفس، العقل، المال، النسل) يمكن أن تُعتبر اليوم إطاراً دستورياً متقدماً، لأنها تحمي الإنسان من تسلّط الدولة ومن عبث الأفراد في آنٍ واحد، فحفظ النفس يوجب على الدولة احترام الحق في الحياة وعدم الإضرار بالمواطنين، وحفظ العقل يفرض حرية الفكر والتعليم، وحفظ المال يستلزم نظاماً اقتصادياً عادلاً، وحفظ النسل يعني حماية الأسرة والكرامة، أما حفظ الدين فليس دعوة إلى الثيوقراطية بل إلى احترام الضمير الإنساني في ضوء التعددية.
ومن الشواهد الشرعية على هذا الفهم قوله تبارك وتعالى: “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ” [يوسف: 40]، وقوله سبحانه وتعالى: “وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ” [آل عمران: 159]، فالآية الأولى تثبت أن المرجعية العليا هي لله، والآية الثانية تقرر أن ممارسة الحكم لا تكون إلا بالشورى، وهذا التلازم بين التوحيد والشورى هو جوهر الفقه الدستوري الإسلامي، الذي يوازن بين حاكمية النص ومشاركة الأمة، كما أن حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته” يرسخ مبدأ المسؤولية المتبادلة بين الحاكم والمحكوم، في دلالة دستورية تؤكد أن السلطة في الإسلام وظيفة لا امتياز، وأمانة لا استبداد فيها.
أما من الناحية القانونية الوضعية، فإن إعادة تعريف السيادة وفق المقاصد تقتضي أن يكون الدستور في الدولة الإسلامية الحديثة “وثيقة مرجعية مزدوجة” تستمد شرعيتها من الشريعة ومن الإرادة الشعبية في آنٍ واحد، بحيث يكون النص الدستوري ملتزماً بروح الشريعة الإسلامية لا بحرفها، ومعبّراً عن إرادة الأمة ضمن ضوابطها الشرعية، وهذا ما طبقته بعض التجارب الدستورية مثل الدستور المغربي (الفصل الأول الذي ينص على أن المملكة “دولة إسلامية ذات سيادة كاملة”)، والدستور الكويتي الذي يقرر في مادته الثانية أن “دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع”، فهذه الصياغات تؤكد وجود توازن بين السيادة الشعبية والسيادة الشرعية، دون أن يلغي أحدهما الآخر.
وقد أثار هذا النقاش جدلاً واسعاً في الفكر القانوني العربي الحديث، ففريق يرى أن الإصرار على السيادة لله تبارك وتعالى، يفرغ فكرة الديمقراطية من مضمونها، لأن الشعب يصبح مجرد منفذ للإرادة الإلهية التي يحددها رجال الدين، وهو ما قد يفتح باب الثيوقراطية، بينما يرى الفريق الآخر أن القول بسيادة الشعب المطلقة هو نوع من التأليه الجماعي، لأن الشعب قد يشرّع ما يخالف القيم والعدالة، والحل الذي يقدمه الفقه الدستوري الإسلامي المعاصر يقوم على دمج المفهومين في رؤية واحدة تجعل السيادة لله من حيث المبدأ، والسيادة للأمة من حيث الممارسة، والسلطة للدولة من حيث التنظيم، وهو تدرج متناسق بين النص والمجتمع والمؤسسة.
أما من المنظور الفلسفي، فإن مفهوم السيادة في الإسلام ليس سلطة بل “أمانة”، لأن الإنسان مستخلف وليس مالكاً، وهذا يغيّر جوهر الدولة الحديثة حين تُقرأ قراءة مقاصدية؛ فبدلاً من الدولة التي تمارس الهيمنة باسم القانون، تصبح الدولة راعية للحقوق باسم الأمانة، وبدلاً من السيادة التي تبرر البطش، تنشأ السيادة التي تقيد القوة بالحق، فالدولة في التصور الإسلامي المقاصدي لا تُعرّف بقدرتها على السيطرة، بل بقدرتها على تحقيق العدل، وهذا هو الفرق الجوهري بين السيادة في المفهوم الغربي والسيادة في الفقه الدستوري الإسلامي.
ومن حيث التطبيق، فإن مفهوم السيادة المقاصدية يتطلب إصلاحاً مؤسسياً عميقاً، بحيث تُبنى السلطات الثلاث – التشريعية، التنفيذية، القضائية – على قاعدة التوازن والمساءلة، وتُقيّد كلها بغايات الشريعة لا بأهواء الحاكم، كما يقتضي هذا الفهم تطوير نظرية “الرقابة الشرعية الدستورية”، التي لا تقتصر على مراقبة النصوص القانونية فحسب، بل تمتد إلى مراقبة الأثر العملي للقوانين ومدى اتساقها مع مقاصد الشريعة، وهذا ما يمكن أن يثمر عنه نموذج متقدّم من القضاء الدستوري الإسلامي الذي يجمع بين فقه النص وفقه المصلحة.
ومن وجهة نظري القانونية، أرى أن إعادة تعريف السيادة في ضوء مقاصد الشريعة أمر ممكن وضروري في آنٍ واحد، ممكن لأنه يجد أساسه في النصوص القطعية والمبادئ الكلية التي رسخها الإسلام منذ قرون، وضروري لأنه يقدّم بديلاً عن الثنائية الحادة بين الدولة الدينية والدولة المدنية، فالفكر الدستوري الإسلامي المقاصدي قادر على تأسيس نموذج ثالث، يزاوج بين الإيمان والحرية، بين النص والعقل، بين المبدأ والمصلحة، دون أن يفقد أصالته أو يقطع مع تطور الدولة الحديثة، وإن السيادة، في رأيي، لا يجب أن تُفهم كحق للهيمنة بل كالتزام بالعدل، ولا كإطلاق في التشريع بل كتقيد بالمصلحة العامة، فالسيادة في الدولة المقاصدية هي سيادة الأخلاق على القوة، وسيادة الإنسان المكرم على السلطة المتغولة، وهذا المفهوم وحده القادر على أن يمنح الدولة الإسلامية الحديثة شرعيتها الشعبية والروحية معاً.
ومن الناحية العملية، فإن تطبيق هذا الفهم يقتضي إعادة بناء التعليم القانوني والفقهي، بحيث يتعلم القانوني المسلم كيف يقرأ النص الدستوري في ضوء المقاصد، لا في ضوء الحرف الجامد، كما يتطلب إنشاء مؤسسات علمية دستورية مستقلة تضم فقهاء الشريعة والقانون معاً، لتقريب المسافة بين العقلين الفقهي والوضعي، فإشكالية السيادة في العالم الإسلامي ليست مشكلة نص، بل مشكلة وعي، إذ لا تزال النخب السياسية تنظر إلى الدولة كآلة سلطة لا كجهاز أمانة.
بالتالي، إن الدعوة إلى إعادة تعريف السيادة ليست ثورة فكرية على التراث، بل هي عودة إلى جذور الفقه الإسلامي الأول الذي كان أكثر مرونة وإنسانية مما نظن، فالشورى في عهد الخلفاء الراشدين كانت ممارسة حقيقية للسيادة الجماعية، والمحاسبة كانت قائمة، والحقوق مصونة، وإن إعادة بعث هذا الروح لا تعني رفض الدولة الحديثة، بل تجديد معناها وفق رؤية إنسانية راقية.
وخاتمة القول، إن الفقه الدستوري الإسلامي، حين يُقرأ في ضوء مقاصد الشريعة، يمنحنا رؤية متفردة للسيادة تتجاوز التعريفات الوضعية الجامدة، فبدلاً من أن تكون السيادة امتلاكاً للسلطة، تصبح التزاماً بتحقيق المقاصد، وبدلاً من أن تكون الدولة أداة سيطرة، تصبح وسيلة للعدل والإعمار، وإن إعادة تعريف مفهوم السيادة على هذا الأساس ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة دستورية وفلسفية تعيد للعلاقة بين الشريعة والدولة توازنها المفقود، وتجعل من الفقه الدستوري الإسلامي مدرسة إنسانية قادرة على الإسهام في صياغة مستقبل أكثر عدلاً ورحمة، حيث تكون السيادة للحق، والسلطة للأمة، والمرجعية لله تبارك وتعالى وحده الذي قال في كتابه العزيز: “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل”.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان
دار القسطاس للمحاماة والاستشارات القانونية

