بخارى لم تكن مدينة عادية في جغرافيا الإسلام، ولم تكن مجرد محطة على طريق القوافل بين الشرق والغرب، بل كانت، في زمنٍ مبكر، مختبراً فكرياً عميقاً تشكل فيه واحد من أخطر وأدق أنماط الوعي الديني في التاريخ الإسلامي.
وحين يُذكر اسم بخارى اليوم، يقفز إلى الذهن اسم الإمام البخاري أو الماتريدي، وكأن المدينة أنجبت عبقريين ثم صمتت، غير أن الحقيقة التاريخية أكثر تعقيداً وأعمق دلالة؛ فهذان الاسمان لم يكونا إلا قمتين ظاهرتين لسلسلة طويلة من العلماء المجهولين، الذين لم تحفظ كتب التراجم أسماءهم جميعاً، لكن حفظت الأمة آثار منهجهم، وسكنت بصماتهم في صميم علم الحديث والعقيدة السنية حتى يومنا هذا.
بالتالي، إن الكتابة عن علماء بخارى المجهولين ليست استدعاءً للماضي من باب الحنين، بل هي محاولة لفهم كيف تتكون المدارس الكبرى، وكيف يُصنع المنهج قبل أن يُنسب إلى اسم، وكيف يعمل العقل الجمعي العلمي حين يكون متحرراً من سلطة البلاط، ومحصنًا بالأخلاق، ومشدوداً إلى النص دون أن يُغلق باب العقل.
لقد كانت بخارى، منذ القرن الثاني الهجري، مدينة تتقاطع فيها التجارة بالعلم، والرحلة بالاستقرار، والتعدد الثقافي بالوحدة العقدية، هذا التداخل أنتج بيئة نادرة لا تقدس الأسماء بقدر ما تقدس المعايير، ولا تحتفي بالخطابة بقدر ما تحترم الدقة، ولا تمنح الشرعية إلا لمن صبر على الطلب، وهاجر في سبيل السند، وامتحن النصوص بعينٍ ناقدة وقلب خاشع، وفي هذه البيئة نشأ علماء لم تُكتب لهم شهرة واسعة، لأنهم لم يطلبوها أصلاً، ولأن منطق المدرسة كان يقوم على أن العالم الحقيقي هو من يذوب في العلم، لا من يتصدر به، هؤلاء العلماء هم من رسخوا فكرة أن الحديث ليس رواية تُنقل، بل مسؤولية أخلاقية، وأن العقيدة ليست شعارات تُرفع، بل بناء عقلي متماسك يحمي الإيمان من الانحراف والغلو في آن واحد.
إضافة إلى ذلك، لم تكن مدرسة الحديث في بخارى وليدة عبقرية فردية، بل نتاج تراكم طويل من الممارسة العلمية الصارمة، علماء بخارى المجهولون هم الذين وضعوا، قبل تدوين الصحيح، المعايير غير المكتوبة للقبول والرد، ودربوا الأذهان على الشك المنهجي المنضبط، وكرسوا فكرة أن الإسناد ليس سلسلة أسماء، بل تاريخ أخلاقي للرواة، كانوا يعلمون طلابهم أن الراوي لا يُسأل فقط عن حفظه، بل عن عدالته، وسلوكه، وصدقه في السوق قبل المسجد، وعن موقفه من السلطان قبل موقفه من النص، هذا الفهم الأخلاقي للسند هو الذي جعل مدرسة بخارى مختلفة عن غيرها؛ أكثر صرامة، أقل تساهلاً، وأشد خوفاً من أن يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ما لم يقله.
وفي الوقت نفسه، لم تكن بخارى مدينة حديث فقط، بل كانت معملاً مبكراً لصياغة العقيدة السنية العقلية، قبل أن يُعرف الماتريدي باسمه، كان هناك تيار كامل من العلماء يناقش قضايا الصفات، والإيمان، والقدر، والحرية الإنسانية، بعيداً عن الجدل الفلسفي المجرد، وبعيداً في الوقت ذاته عن السذاجة النصية، هؤلاء العلماء المجهولون كانوا يواجهون التيارات الوافدة، من معتزلة، وجهمية، ومجسمة، لا بالهتاف ولا بالتكفير، بل ببناء منظومة فكرية توازن بين النقل القطعي والعقل المنضبط، كانوا يدركون أن الدفاع عن العقيدة لا يكون بتعطيل العقل، بل بتوجيهه، ولا بإلغاء النص، بل بفهمه في سياقه الكلي.
ومن هنا، تشكلت في بخارى مدرسة ترى أن العقل أداة لفهم الوحي لا لمخاصمته، وأن النص لا يُترك لظاهر يوهم التشبيه، ولا يُحمّل بتأويل يفرغه من معناه، هذه الروح، التي ستُعرف لاحقاً بالمدرسة الماتريدية، التي لم تولد فجأة، بل نضجت على أيدي علماء لم يحملوا لقب “إمام مذهب”، لكنهم وضعوا اللبنات الأولى لمنهج سيحمي عقيدة ملايين المسلمين عبر القرون، إنهم العلماء الذين آمنوا بأن أخطر ما يهدد الدين ليس الاختلاف، بل الفوضى الفكرية، وأن الاستقرار العقدي شرط لبقاء الأمة متماسكة.
بالتالي، إن العلاقة بين هؤلاء العلماء والسلطة كانت علاقة حذرة، تميل في الغالب إلى الاستقلال، وأحياناً إلى القطيعة، بخارى، بحكم بعدها النسبي عن مركز الخلافة، أتاحت لعلمائها هامشاً أوسع من الحرية، لكن هذا لم يمنع محاولات الاحتواء أو الضغط، ومع ذلك، حافظ علماء بخارى المجهولون على مسافة أخلاقية واضحة من البلاط، لأنهم كانوا يدركون أن العلم إذا خضع للسياسة فقد وظيفته، وإذا صار أداة تبرير فقد روحه، هذا الاستقلال هو الذي منح مدرستهم مصداقية عالية، وجعل طلاب العلم يفدون إليها من خراسان وما وراء النهر طلباً للمنهج لا للمكانة.
ولم يكن الزهد عندهم انعزالاً عن الواقع، بل شرطاً للموضوعية، كانوا يرون أن العالم الذي يلهث خلف المناصب لا يستطيع أن يكون شاهداً عدلاً على النص، وأن من يخاف فقدان عطية السلطان سيخاف قول الحق العلمي، لذلك انتشرت في بخارى صورة العالم الصامت، قليل الكلام، كثير التمحيص، شديد الورع في النقل، حذر في إطلاق الأحكام، وهذه الأخلاق لم تُكتب في كتب أصول الحديث أو العقيدة، لكنها كانت تُدرس بالممارسة اليومية، وبالقدوة، وبالقصص التي يتناقلها الطلاب عن شيوخهم.
ومن رحم هذه البيئة، خرجت الأعمال الكبرى التي نُسبت لاحقاً إلى أسماء معروفة، لكنها في حقيقتها خلاصة جهد جماعي طويل، وصحيح أن الإمام البخاري هو من دوّن الصحيح بصورته النهائية، لكن الصحيح نفسه هو ثمرة مدرسة كاملة علمته كيف يسأل، وكيف يرفض، وكيف يصبر على التنقيب سنوات طويلة. وكذلك الماتريدي، لم يبتكر منهجه من فراغ، بل نظّم وبلور وعمّق أفكاراً كانت متداولة في حلقات بخارى منذ عقود، بالتالي إن اختزال هذه المدارس في أسماء بعينها يُفقدنا القدرة على فهم كيف يعمل العلم في الحضارات الحية، حيث يكون الفرد مظهراً لا أصلاً.
اللافت أن علماء بخارى المجهولون لم يسعوا إلى تخليد أسمائهم، وربما لهذا نُسوا، لكن نسيان الأسماء لا يعني غياب الأثر، فكلما قرأنا حديثاً صحيحاً واطمأن القلب إلى سنده، أو قرأنا نصاً عقدياً متزناً لا إفراط فيه ولا تفريط، فنحن في الحقيقة نعيش داخل أثر تلك المدرسة، هؤلاء العلماء انتصروا للمنهج لا للذات، وللحقيقة لا للشهرة، ولذلك بقي علمهم حياً حتى بعد أن غابت أسماؤهم.
وفي واقعنا المعاصر، حيث يعلو الصخب ويخفت العمق، تبدو تجربة بخارى درساً قاسياً ومُلهماً في آن واحد، لقد أثبتت تلك المدينة، عبر علمائها المجهولين، أن النهضة العلمية لا تحتاج إلى ضجيج إعلامي، ولا إلى رعاية سياسية، بل إلى بيئة أخلاقية، وصبر طويل، واحترام صارم للمعايير، كما أثبتت أن أخطر ما يمكن أن يصيب العلم هو تحويله إلى أداة صراع أو وسيلة شهرة، وأن أعظم إنجاز علمي قد يولد في صمت، ويعيش قروناً دون أن يُنسب إلى صاحبه.
بالتالي، إن استعادة سيرة علماء بخارى المجهولين ضرورة فكرية في زمن يعاني من فقدان المعايير، وتسييس المعرفة، وتقديس الأشخاص على حساب المناهج، هؤلاء العلماء يعلموننا أن المدرسة أقوى من الفرد، وأن الأخلاق تسبق التأليف، وأن الدفاع عن الدين لا يكون بالصراخ، بل بالضبط والعدل والاتزان، وربما تكون أعظم مفارقة في تاريخهم أنهم، وهم الذين لم يطلبوا الخلود، منحوا الأمة أدوات البقاء.
وفي الخاتمة، يمكن القول إن بخارى لم تُنجب علماء عظاماً فحسب، بل أنجبت نموذجاً حضارياً في إنتاج المعرفة الدينية، نموذجاً يقوم على التراكم، والانضباط، والاستقلال، والزهد، والجرأة العقلية المؤدبة، كما أن علماء بخارى المجهولون هم الجنود المجهولون في معركة حفظ النص والعقل معاً، وهم الدليل الحي على أن الحضارات لا تُبنى بالأسماء اللامعة وحدها، بل بالجهد الصامت الذي لا يطالب بالتصفيق، وإذا كان التاريخ قد أنصف بعض تلاميذ تلك المدرسة بالأسماء، فإن الإنصاف الحقيقي يقتضي أن نعيد الاعتبار للمدرسة ذاتها، وأن نفهم أن بقاء الإسلام متماسكاً في حديثه وعقيدته لم يكن معجزة عفوية، بل ثمرة رجال آمنوا بأن الحق أثمن من الشهرة، وأن المنهج أبقى من الاسم.
عبد العزيز بدر عبدالله القطان
كاتب ومفكر – الكويت.
