د. صالح بن عبدالله الخمياسي
يرى فيديريكو غارسيا لوركا أن لكتابة هي الوسيلة التي نرى بها ما نفكر فيه .
لذا فنحن حين نقرأ مادة مكتوبة شعرا أو رواية او بحثا او مقالا كانت فإننا نقرأ المنتج النهائي الذي جادت به قريحة كاتبه. لكن هذا المنتج سبقته خطوات مزجت خلالها قوة خيال الكاتب و تفاعله العقلي و تفكيره المستمر فيما يود أن يكتب عنه من نص او مادة علمية.
هكذا يتجلى ما يفكر فيه بوضوح.
أن الكتابة ليست مجرد بوح عابر يوثق من خلاله الكاتب أفكاره بعد اكتمالها، بل هي مسؤولية أخلاقية و أداة فعالة للتفكير ذاته فعندما نكتب، فنحن لا ننقل أفكاراً موجودة مسبقاً فحسب، بل نخلق أفكاراً جديدة جاءت وليدة تفكير في المادة المكتوبة و جمهورها المستهدف و وسيلتها التي ستزفّ إليه من خلالها و المفردة التي ستطرب أذنه و تشحذ خياله و تحرك عقله لتثري من خلالها الحراك الثقافي و العلمي و تعكس مادتها الأدبية الحياة المعاشة و تحاكيها لتجسد الرسالة المبتغاة.
من خلال هذه السطور المتواضعة لن أتطرق لكتابة الرواية او الشعر او البحوث العلمية بل عن الكتابة كوسيلة للتواصل في بيئة الأعمال سواء كانت الكتابة المهنية متجسدة في كتابة بريد إلكتروني او عرض مرئي او كتابة محاضر للاجتماعات او تقارير دورية او سنوية بشتى صنوفها و غاياتها او رفع مقترحات و توصيات تنشد حلول لمشكلات عملية او الإبتكار و التجديد. لا شك أن كل هذه الأنواع من المحتوى الكتابي يقتضي التفكير العميق لكي لا تأتي الكتابة جزافا و تتكلل المادة المكتوبة بترك الأثر و تحقيق الهدف المنشود.
خلال هذه الرحلة تبرز تساؤلات تحتم الإجابات عليها التفكير و من هذه التساؤلات لماذا أكتب ماهو الهدف المنشود من هذه الكتابة او تلك؟ ماذا عن إحتياجات القارئ المستهدف الذي يمثل صاحب القرار الذي تود إقناعه و تحفيزه على إتخاذ القرار المناسب بشأن ما تمت كتابته. إن ممارسة التفكير عبر الكتابة يجعلك تسعى للبحث في تغطية الموضوع بشمولية و طرق مبتكرة و رفده بالأمثلة و الأدلة لتعزيز عملية الإقناع و توخي الدقة لضمان المصداقية و تجذير أواصر الثقة و ترك الأثر المستدام.
كل ذلك يقتضي التفكير في إختيار المفردات المناسبه و التشبيهات الملائمة و القصص الملهمة و عرض البيانات و المؤشرات الإحصائية و خلال هذه العملية الإنتقائية و التحريرية لتنقية النص المكتوب من الإسهاب الذي لا يضيف للمعنى قيمة ملموسة بل قد يقود إلى تلبد النص بغيوم تحجب رؤية المعنى و فهم الرسالة المضمنة بين ثناياه.
كما أن التفكير يقتضي تبسيط الأمر و تلافي إستخدام المصطلحات الفنية التي يصعب فهمها على القارئ العادي مما يؤدي إلى تعزيز الفهم و سرعة إتخاذ القرار حيالها.
إن الكتابة وسيلة تواصل كثيرة الإستخدامات و بالتالي فإن توظيفها بشكل فعال و مؤثر في بيئة الأعمال يقتضي التفكير العميق و النظرة الشمولية و توظيف اللغة لمخاطبة العقل و الوجدان و إضفاء التعاطف و إظهار الحقائق و توضيح المقترحات فالكتابة تنمي التفكير منذ ولادة الفكرة و تدويرها في الذهن و التعمق في التفكير في جوانبها المختلفة و ما لها من سلبيات و إيجابية و بهذا تؤدي إلى تفهم كل الآراء و التوازن في التعامل معها.
إن الفوائد المعرفية للكتابة كأداة تفكير تتمثل في بلورة الأفكار الغامضة و المشوشة و تحويلها إلى مفاهيم واضحة ومتماسكة. إضافةً إلى مساهمتها في تعميق الفهم و تثبيت المعرفة و خلق الوعي الذاتي الذي يقودك لإدراك الثغرات في فهم الكاتب للموضوع الذي يود طرحه. في الوقت ذاته فهي تسهم في
توليد حلول إبداعية و تولد رؤى جديدة أثناء عملية الصياغة والربط بين المفاهيم. كما تؤدي إلى صقل النقد الذاتي و تطوير قدرةً الفرد على تقييم أفكاره بوضوح و إتزان و موضوعية.
و لكي يصقل الفرد منا مهارة التفكير و التأمل عبر ممارستةً للكتابةً فهو مطالب بتخصص الوقت للكتابة التأملية و الاستمرار في الكتابة
دون خوف من الأخطاء أو الأحكام المسبقة.و التساؤل المستمر لتعزيز عملية الإدراك . يقول أرسطو ” نحن نتاج ما نفعله بتكرار و هكذا فإن التميز يصبح عادة”
لا شك أن ممارسة الكتابة تقودنا إلى جودة التفكير و شمولية الإلمام بجوانب الموضوع و طرحه في إطار يضمن الموضوعية و التعاطف و إيجاد حلول مبتكرة. من دفتر بيئة الأعمال كم هناك من قصص لكتابات صلفة أدت إلى الغصة بسبب عدم مراعاتها للمتلقي و هناك أخرى صاحبها التفكير و التفاعل الإيجابي فتركت في النفوس أثرا محمودا. لنشحذ المنشار و نسعى لصقل مهارة التفكير عبر جسور الكتابة و سحرها الخالد.
د. صالح الخمياسي – باحث و مدرب و كوتش في القيادة الذاتية و التغيير الشخصي.

