في تاريخ الأمم التي تسعى لصناعة مجدها، ثمة رجال يمثلون “العقل الصانع” لهوية الدولة وسيادتها، رجال لا يُقاس حضورهم بمجرد تقلد المناصب، بل بالأثر الخالد الذي يتركونه في وجدان القوانين التي تحكم البشرية، وفي صدارة هؤلاء العمالقة، يبرز اسم الدكتور المستشار عبد الحميد بدوي باشا، الذي لم يكن مجرد قاضٍ تقلد أرفع المناصب، بل كان “أكبر عبقرية قانونية ظهرت في مصر في العصر الحديث” بشهادة رفيقه في العظمة الفقيه عبد الرازق السنهوري.
أكتب عنه ليس لأنه فقط شخصية موسوعية، صاغت دساتير جمهورية مصر، وحمت أموالها، وانتزعت استقلال قضائها، بل لأنه انطلق في رحلته هذه ليسخر ملامح العدالة الكونية من فوق منصة محكمة العدل الدولية بـ “لاهاي” فحفر له اسماً خالداً مع كبار القوم رفعة وعلماً لا تقليداً أو تصنعاً.
فجر النبوغ.. من شواطئ الإسكندرية إلى قمم “جرينوبل”
بدأت هذه الملحمة في مدينة الإسكندرية، عروس البحر المتوسط، في الثالث عشر من مارس عام 1887. وُلد عبد الحميد بدوي في بيئة كانت تتلمس طريقها نحو النهضة، ومنذ نعومة أظفاره أظهر نبوغاً استثنائياً لا يخطئه عين، لم يكن “بدوي” مجرد طالب متفوق يسعى للنجاح، بل كان “ظاهرة” دراسية تثير إعجاب معلميه؛ فكانت النتيجة الطبيعية أن يحصل على المركز “الأول دائماً” في كل محطاته الدراسية. يروي معاصروه أنه تصدر قائمة الناجحين في شهادة “البكالوريا” على مستوى القطر المصري بامتياز غير مسبوق، ثم واصل مسيرة الصدارة في مدرسة الحقوق بالقاهرة، ليتخرج منها عام 1908 وهو الأول على دفعته بلا منازع.
ولأن عبقريته كانت تضيق بالحدود المحلية، شد الرحال إلى فرنسا، “محراب القانون” في مطلع القرن العشرين، وفي جامعة “جرينوبل” العريقة، لم يكن بدوي مجرد طالب دكتوراه مغترب، بل كان نداً فكرياً لأساتذته الفرنسيين، غاص في أعماق القانون الروماني والمدني، وحصل على شهادة الدكتوراه عام 1912 بمرتبة الشرف الأولى، ثم عاد بدوي إلى مصر وهو لا يحمل مجرد شهادة أكاديمية، بل يحمل رؤية إصلاحية شاملة، ورغبة في تمصير القانون وتحريره من شوائب التبعية، ليبدأ مسيرته كمدرس في كلية الحقوق، حيث تخرجت على يديه أجيال من القضاة والمشرعين الذين تعلموا منه أن القانون هو “روح العدالة” وليس مجرد نصوص صماء.
مهندس الدولة.. “أمين سر” الدستور وحارس قضايا الحكومة
بعد عودته من فرنسا، تدرج القاضي بدوي باشا في سلك النيابة والقضاء ببراعة أثارت انتباه الساسة. عمل مساعداً للنيابة في طنطا، ثم انتقل إلى محكمة استئناف القاهرة، وبسبب ذكائه القانوني الفذ، اختاره السياسي المحنك عبد الخالق ثروت باشا ليكون مديراً لمكتبه بوزارة الحقانية. كانت مصر حينها تمر بمرحلة مخاض عسير بعد ثورة 1919، وكان لا بد من صياغة عقد اجتماعي جديد، فاختير بدوي باشا أميناً عاماً لـ “لجنة الثلاثين” المنوط بها وضع دستور 1923.
وفي أروقة هذه اللجنة، كان بدوي باشا هو “الدينامو” والمخطط؛ فبين مطامع الملك فؤاد في السلطة المطلقة وتطلعات القوى الوطنية في البرلمان، استطاع بذكائه القانوني صياغة نصوص وازنت بين السلطات ووضعت الأسس الأولى للحياة النيابية الحديثة. ولا يُنسى له دوره كأول مصري يكسر احتكار الأجانب لرئاسة “أقلام قضايا الحكومة” (هيئة قضايا الدولة حالياً)، حيث أرسى تقاليد قضائية صارمة تدافع عن أموال الدولة وهيبتها بكفاءة نالت احترام القوى الدولية.
معركة السيادة.. بطل مؤتمر “مونترو” التاريخي
في ذلك الوقت، لم تكن سيادة مصر مكتملة في ظل وجود “الامتيازات الأجنبية” والمحاكم المختلطة التي كانت تمنح الرعايا الأجانب حصانة تجعلهم فوق القانون المصري، وفي عام 1937، توجه الوفد المصري إلى مدينة “مونترو” بسويسرا لخوض المعركة القانونية الكبرى لإلغاء هذه الامتيازات، كان القاضي عبد الحميد بدوي هو “المقاتل القانوني” الأول في هذا الوفد؛ بفضل مذكراته القانونية المحكمة وبلاغته في الإقناع، استطاع إفحام مندوبي الدول الكبرى وإقناع العالم بأن القضاء المصري نضج بما يكفي ليبسط ولايته على كل من يعيش فوق أرضه، وبصدور قرار إلغاء الامتيازات، عاد بدوي باشا بطلاً قومياً، حيث مهد الطريق لتحقيق استقلال القضاء المصري الكامل، وهو المنجز الذي اعتبره المؤرخون لا يقل أهمية عن الجلاء العسكري.
السياسي المترفع.. عندما تصفع المبادئ بريق السلطة
دخل القاضي بدوي باشا المعترك السياسي من أوسع أبوابه، فتولى وزارة المالية عام 1940 في عهد حسين سري باشا، ثم وزارة الخارجية عام 1945 في عهد محمود فهمي النقراشي. لكنه في المرتين قدم نموذجاً فريداً لـ “رجل الدولة العفيف”؛ فعندما وجد أن سياسات القصر والملك تتصادم مع قناعاته القانونية والوطنية، لم يتشبث بالكرسي، بل تقدم باستقالته بكل أنفة، معلناً اعتذاره عن الاستمرار في منصب لا يمنحه المساحة لتطبيق الحق، كانت هذه الاستقالات بمثابة صدمة للوسط السياسي، وأثبتت أن “الفقيه” لا يمكن أن يكون مجرد أداة في يد السلطة، بل هو رقيب عليها وضمير لها.
المحطة الكونية.. صانع ميثاق الأمم المتحدة وقاضي “قصر السلام”
في عام 1945، طار بدوي باشا إلى “سان فرانسيسكو” رئيساً لوفد مصر في المؤتمر التأسيسي للأمم المتحدة، وهناك، وسط عمالقة السياسة والقانون من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، برز اسم عبد الحميد بدوي كواحد من ألمع العقول التي صاغت “ميثاق الأمم المتحدة”، لقد كانت مداخلاته القانونية تتسم بالعمق والشمولية، وكان يدافع بضراوة عن حقوق الدول الصغرى والمتوسطة، طالباً العدالة الجنائية والسياسية الدولية بعيداً عن منطق القوة الصرفة.
وهذا الثقل الدولي رشحه ليكون “أول مصري وعربي وشرقي” يتم انتخابه قاضياً بمحكمة العدل الدولية بمدينة لاهاي الهولندية عام 1946. لم يكن وجوده هناك تمثيلاً عابراً، بل كان تأثيراً جوهرياً؛ حيث ظل قاضياً بالمحكمة لقرابة عشرين عاماً، وفي عام 1955 انتُخب نائباً لرئيس المحكمة، خلال سنواته في “لاهاي”، صاغ بدوي باشا أهم الأحكام الدولية التي نظمت العلاقات الدولية في فترة الحرب الباردة، وكان يُنظر إليه كـ “كبير حكماء القانون” في العالم، محققاً نزاهة لم تفرق بين دولة كبرى ودولة نامية.
القاضي اللغوي.. الفقيه الذي طوع “الضاد” لخدمة “العدل”
وإلى جانب عبقريته القانونية، كان عبد الحميد بدوي “حجة” في اللغة العربية وبلاغتها، فانتُخب عضواً بمجمع اللغة العربية بالقاهرة عام 1945، كان يؤمن بأن دقة العدالة تبدأ من دقة “الكلمة”، فكانت أبحاثه الفقهية المنشورة تعد مراجع أدبية وقانونية في آن واحد. ترك خلفه ثروة من الدراسات المنشورة باللغتين العربية والفرنسية في القانون الدولي، والقانون الدستوري، والقانون المدني، حيث كانت أحكامه ومذكراته تُدرس كنصوص أدبية من حيث جودة التعبير وجزالة اللفظ.
مواقف وطنية لا تُنسى.. صخرة في وجه الاستبداد
يروى عن بدوي باشا مواقف تعكس صلابة معدنه؛ ففي ذروة نفوذ الملكية، كان هو الشخص الذي يجرؤ على قول “لا” قانونية لأهواء الملك إذا تعارضت مع الدستور. لم يكن يخشى العزل أو التهميش، لأن ثقته بعلمه كانت تتجاوز أي خوف، هذه الروح هي التي جعلت منه “الأب الروحي” للقانونيين المصريين، والقدوة التي سار على نهجها كبار رجال القضاء في مواجهة الأنظمة المتعاقبة. لقد كان يرى أن القاضي هو “ظل الله في الأرض”، وهذا الظل لا يجب أن ينحني إلا للحق وحده.
الإرث والخلود.. لماذا نذكره اليوم؟
توفي هذا العملاق في الرابع من أغسطس عام 1965، تاركاً خلفه فراغاً لم يستطع أحد ملأه بنفس تلك الموسوعية والنزاهة، إن اسم “عبد الحميد بدوي” الذي نراه اليوم على لافتات الشوارع في أرقى أحياء القاهرة والإسكندرية (مثل شارع عبد الحميد بدوي في هليوبوليس) ليس مجرد اسم عابر لتنظيم السير؛ بل هو تذكير برجل رفع رأس مصر عالياً حين كانت السيادة تُنتزع بالدم والعرق، هو العبقري المنسي الذي آمن بالحق فآمن به العالم، والقاضي الذي لم ينحنِ لملك، والمشرع الذي صان هوية وطن في أدق لحظات انكساره.
رسالة إلى أجيال القانون
إن سيرة القاضي عبد الحميد بدوي باشا ليست مجرد سرد لمناصب، بل هي “دستور أخلاقي” لكل من يعمل في محراب العدالة، لقد أثبت أن القاضي المصري يمكنه أن يكون عالمياً إذا تسلح بالعلم والكرامة. لقد رحل بدوي باشا بجسده، لكن روحه لا تزال تسكن قاعات محكمة العدل الدولية، وتتردد في نصوص دستورنا، وتعيش في كل شارع يحمل اسمه، فسلامٌ على الفقيه الذي علمنا أن “القانون بلا ضمير هو دمار للمجتمع”، وسلامٌ على القاضي الذي جعل من اسم مصر مرادفاً للعدالة في كل أصقاع الأرض.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان
كاتب ومفكر – الكويت

