في تاريخ الفكر الإنساني، يندر أن نجد شخصية التحمت فيها الفلسفة بالسياسة، والنظرية بالممارسة، كما حدث مع إدموند بيرك، ذلك الأيرلندي الذي لم يكتفِ بأن يكون خطيباً مفوهاً في البرلمان البريطاني، بل ارتقى ليكون حارس الوجدان القانوني والسياسي للحضارة الغربية في أدق لحظات انكسارها.
وإن الحديث عن بيرك ليس مجرد استحضار لشخصية تاريخية، بل هو استنطاق لروح المحافظة الحكيمة في مواجهة جنون الأيديولوجيات المجرّدة، فهو الرجل الذي تنبأ بالخراب قبل أن تقع أول قطرة دم في المقصلة الفرنسية، ليس لامتلاكه قوى خارقة، بل لامتلاكه بصيرة قانونية أدركت أن اقتلاع جذور المجتمع هو انتحار جماعي يرتدي ثوب التقدم.
ويبدأ أفق بيرك من النقطة التي ينتهي عندها عقل “المهندس الاجتماعي”؛ فبينما يرى الثوريون المجتمع كمجموعة من التروس التي يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها وفق هواهم، يراه بيرك كائناً حياً، شجرة عملاقة تضرب جذورها في أعماق القرون، وأي محاولة لقطع تلك الجذور باسم “الحرية” أو “المساواة” لن تؤدي إلا إلى سقوط الشجرة وموت أغصانها، وهنا تكمن عظمة مقدمته الفلسفية التي تضع “حكمة الزمان” فوق “عجرفة الحاضر”.
وإن جوهر البناء القانوني عند بيرك يستند إلى مفهوم “التقادم”، وهو المبدأ الذي يشكل العمود الفقري لرؤيته للحقوق والواجبات. بالنسبة لبيرك، لا تستمد القوانين شرعيتها من مجرد إرادة الأغلبية اللحظية أو من نصوص مكتوبة على ورق جف حبره للتو، بل من قدرتها على الصمود عبر التاريخ، وإن طول بقاء المؤسسة أو القانون هو الدليل العملي الوحيد على ملاءمتها للطبيعة البشرية وتعقيداتها، فالزمان في فلسفة بيرك هو “المشرع الأعظم” الذي ينقح القوانين ويصقلها عبر التجربة والخطأ.
ومن هذا المنطلق، كان دفاعه المستميت عن القانون الإنجليزي العام نابعاً من إيمانه بأن هذا القانون ليس نتاج عقل واحد، بل هو تراكم لعقول آلاف القضاة والمشرعين ورجال الدولة الذين تفاعلوا مع الواقع لقرون، وإن بيرك يرفض فكرة “الحقوق الطبيعية” حينما تُطرح كمفاهيم ميتافيزيقية مجردة؛ فهو يرى أن الحق في الحرية أو الملكية لا قيمة له إذا لم يكن متجسداً في سياق قانوني تاريخي ملموس، وبالنسبة له، “حقوق الإنسان” الحقيقية هي تلك التي يتمتع بها الإنكليزي لأنها أُقرت في “الماجنا كارتا” و”إعلان الحقوق”، وليست تلك التي يتغنى بها الفلاسفة في صالوناتهم بباريس وهم لا يدركون أن الحرية بلا ضوابط قانونية وتاريخية ليست سوى مقدمة لاستبداد أسوأ من استبداد الملوك.
ويتسع هذا المفهوم ليصل إلى أعمق أطروحات بيرك حول “العقد الاجتماعي”، حيث قام بقلب الطاولة على مفكري التنوير التقليديين، فبينما رأى جون لوك أو جان جاك روسو أن العقد الاجتماعي هو اتفاق إرادي بين أفراد أحياء يمكن فسخه أو تعديله وفق مصلحة الحاضر، يرى بيرك أن العقد الاجتماعي الحقيقي هو “شراكة كبرى” عابرة للزمن، إنها شراكة لا تجمع الأحياء فحسب، بل تمتد لتشمل الأموات الذين بنوا هذا الإرث، والأجيال التي لم تولد بعد والتي نتحمل مسؤولية تسليمها مجتمعاً مستقراً، هذه الرؤية تحول القانون من أداة إجرائية إلى “رباط مقدس”؛ فالمجتمع في نظر بيرك ليس “شركة مساهمة” في تجارة منتج ما، بل هو كيان أخلاقي لا يحق لجيل واحد أن يقوض أركانه بناءً على نزوة فكرية أو رغبة في التغيير الجذري. إننا، كأحياء، لسنا سوى “أوصياء”على هذا الإرث، ومهمتنا الأساسية هي “الترميم” وليس “الهدم”.
هذه الفلسفة القانونية هي التي منعت المملكة المتحدة من الانزلاق إلى مستنقع الفوضى الذي غرق فيه جيرانها، وهي التي جعلت بيرك يصر على أن أي إصلاح يجب أن ينطلق من رحم النظام القائم، مستخدماً “المواد القديمة” لبناء التوسعات الجديدة، حفاظاً على استمرارية الهوية الوطنية.
وفي سياق نقده للثورة الفرنسية، يبرز بيرك كواحد من أعظم نقاد “العقلانية المفرطة”، حيث هاجم أولئك الذين يعتقدون أن بإمكانهم إعادة صياغة العالم وفق مبادئ هندسية أو رياضية، متجاهلين “الوجدان الأخلاقي” و”الخيال الأخلاقي”، إذ يرى بيرك أن الإنسان ليس كائناً عقلانياً محضاً، بل هو كائن تحركه العواطف، العادات، والولاءات الصغيرة التي يسميها “الفصائل الصغيرة” مثل الأسرة، والحي، والكنيسة، وما إلى هنالك، هذه الولاءات هي التي تشكل النسيج القانوني غير المكتوب للمجتمع، وهي التي توفر الحماية للفرد قبل أن تصل إليه يد الدولة.
لذا، فإن تدمير هذه المؤسسات الوسيطة باسم “المساواة المطلقة” أو “سيادة الدولة” يؤدي إلى تعرية الإنسان أمام جبروت السلطة المركزية، فالقانون عند بيرك يجب أن يحترم هذه “التحيزات الحكيمة” ؛ لأنها تمثل الحكمة الكامنة في اللاوعي الجمعي للأمة، وهي في كثير من الأحيان أكثر صواباً من استنتاجات الفيلسوف الذي يعيش في برجه العاجي، إضافة إلى ذلك، إن القوانين التي تحترم عادات الناس هي القوانين التي تُطاع طواعية، أما تلك التي تُفرض قسراً لتغيير طبائع الناس فهي قوانين تولد ميتة ولا تعيش إلا بقوة السلاح.
ولا يمكن فهم طول نفَس بيرك في كتاباته دون التطرق لموقفه من العدالة الكونية، وهو ما تجلى في محاكمة “وارين هاستينغز” الشهيرة، بحسب ما كُتب عنها، هنا، يظهر بيرك ليس كمحافظ ضيق الأفق، بل كفيلسوف قانوني يؤمن بأن “القانون الطبيعي” يجب أن يظل حاكماً حتى في أقصى المستعمرات، لقد أمضى بيرك سنوات من عمره في ملاحقة هاستينغز بتهمة الفساد والاستبداد في الهند، محاججاً بأن الإنكليز ليس من حقهم ممارسة الاستبداد في الشرق تحت ذريعة اختلاف الثقافة، لكن بالنسبة لبيرك، العدالة لا تتغير بتغير خطوط الطول والعرض، والسلطة التي لا تخضع للقانون هي سلطة غير شرعية بالضرورة، هذا الجانب من شخصيته يثبت أن محافظته لم تكن دفاعاً عن “الوضع القائم” أياً كان، بل دفاعاً عن “روح القانون” التي تحمي الضعيف من بطش القوي، سواء كان هذا الضعيف فلاحاً في أيرلندا، أو متضرراً من الحرب في أمريكا، أو مواطناً هندياً تحت حكم شركة الهند الشرقية، لقد كان بيرك يؤمن أن الإمبراطورية البريطانية لن تستمر إلا إذا كانت قائمة على “ميثاق أخلاقي” يحترم حقوق الشعوب في العيش وفق تقاليدها وقوانينها الخاصة.
من هنا، إن طول هذا المقال في حضرة بيرك يفرضه تشعب اهتماماته؛ فهو الذي وضع أسس “التمثيل السياسي” في خطابه الشهير لناخبي بريستول، حيث رفض فكرة أن يكون النائب مجرد “وكيل” ينفذ رغبات ناخبيه المتقلبة، بل هو “وكيل مؤتمن” يجب أن يستخدم عقله وضميره لصالح الأمة بأسرها، حتى لو تعارض ذلك مع مصالح من انتخبوه، هذه الرؤية القانونية للتمثيل ترفع من شأن العمل السياسي وتجعله واجباً أخلاقياً رفيعاً، لا مجرد عملية حسابية للأصوات.
كما أن بيرك في تأملاته حول “الجميل والجليل” في الفلسفة الجمالية، لم ينفصل عن فلسفته السياسية؛ إذ كان يرى أن هيبة الدولة ومؤسساتها (الجليل) ضرورية لغرس شعور التوقير في نفوس المواطنين، مما يضمن طاعة القوانين لا خوفاً من العقاب، بل احتراماً للمكانة. إن الدولة التي تفقد جلالها وهيبتها تفقد بالضرورة قدرتها على فرض القانون، وتصبح عرضة للانهيار عند أول هزة اجتماعية.
وبينما نغوص في أعماق فكره، نكتشف أن بيرك كان يمتلك رؤية دينية عميقة للسياسة والقانون، إذ لم يكن يرى المجتمع ككيان مادي فحسب، بل كجزء من نظام كوني إلهي. ومن هنا جاء إصراره على ضرورة وجود “كنيسة مؤسسة” أو رابطة بين الدين والدولة، ليس لفرض عقيدة معينة، بل لتذكير الحكام بأنهم سيحاسبون أمام قوة أعظم، ولتوفير غطاء أخلاقي للقوانين الوضعية، كما أن القانون في نظر بيرك يكتسب قوته من كونه انعكاساً للنظام الأخلاقي الذي وضعه الخالق في الكون، لذا، فإن الثورة على الدين هي في جوهرها ثورة على القانون وعلى الاستقرار الاجتماعي، هذا الترابط بين المقدس والقانوني هو ما يمنح المجتمعات صمودها في وجه الأزمات، وهو ما يجعل الأفراد يشعرون بأنهم جزء من “كل” أكبر وأسمى من رغباتهم الفردية الضيقة.
بالتالي، إن الاستفاضة في تحليل إرث بيرك تكشف لنا عن رجل كان يخشى “الطغيان الفكري” أكثر من أي شيء آخر، كان يدرك أن أخطر أنواع الاستبداد هو ذلك الذي يأتي متخفياً في لبوس “المنطق والضرورة والعقل”، لذا، كرس حياته للدفاع عن “التنوع” داخل الوحدة، وعن “الحرية” داخل النظام، لم يكن يرى الحرية كفعل تحلل من الالتزامات، بل كقدرة على العيش بكرامة تحت مظلة القانون والتقاليد، وبقدر ما كان يعارض الثورة الفرنسية لهدمها المؤسسات، كان يدعم الثورة الأمريكية لأنها كانت تطالب باستعادة المؤسسات والحقوق التي سُلبت منها. هذا التمييز الدقيق بين “الثورة للهدم” و”الثورة للاستعادة” هو ما يجعل فلسفته القانونية بوصلة لا غنى عنها لأي مصلح سياسي حقيقي، إنه يعلمنا أن التقدم ليس بالضرورة هو الركض نحو المجهول، بل هو أحياناً التوقف للترميم والحفاظ على ما تم إنجازه بجهد الأجيال السابقة.
وفي خلاصة القول، إن إدموند بيرك لم يكن مجرد رجل عاش في القرن الثامن عشر، بل هو صرخة في وجه كل عصر يحاول تهميش التاريخ وتأليه “اللحظة الراهنة”، إن فلسفته هي السد المنيع ضد الفوضى، وهي الملاذ لكل من يدرك أن بناء الحضارات يستغرق قروناً، بينما هدمها لا يحتاج إلا إلى ساعة من الجنون الأيديولوجي.
وسيبقى بيرك حياً في كل دستور يحترم الماضي، وفي كل قانون يضع كرامة الإنسان التاريخية فوق الحسابات المادية الجافة، وفي كل قلب يؤمن أننا لسنا جُزراً منعزلة، بل خيوط في نسيج بشري يمتد من أول الخلق إلى منتهاه، وإن أعظم ما تركه بيرك للبشرية ليس مجرد كتب وخطب، بل هو ذلك “الوجدان القانوني” الذي يهمس في أذن كل مشرع: “إياك والعبث بجذور هذه الشجرة، ففي ظلها نعيش، ومن إرثها نقتات، وإليها نعود”.
وإن قوة بيرك تكمن في أنه لم يبع الوهم للناس، بل أهداهم الحقيقة المرة والجميلة في آن واحد: أن الحرية ثمرة نادرة لا تنمو إلا في تربة الواجب والتقاليد والولاء، وأن القانون الحقيقي هو الذي يسكن القلوب قبل أن يملأ السطور، فبغير ذلك، ليس القانون سوى حبر على ورق، وليس المجتمع سوى غابة يحكمها الأقوى تحت مسميات براقة لا تلبث أن تنكشف عن أنياب الاستبداد.
وسيبقى إدموند بيرك هو القائد الفكري الذي يذكرنا دائماً أن أعظم إنجازات الإنسان ليست في قدرته على الهدم، بل في شجاعته على الحفاظ والترميم والبناء فوق الأسس التي صمدت في وجه أعاصير الزمان، ليكون بذلك بحق، الحارس الأزلي للمدنية والقانون والحرية المنضبطة.
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان
كاتب ومفكر – الكويت.

