في تاريخ القضاء العالمي، وفي سجلات الحقوق والحريات المدنية، لم تبرز شخصية أثارت من الجدل والرهبة والتبجيل ما أثارته شخصية كلارنس دارو، لم يكن هذا الرجل مجرد محامٍ بارعٍ في تطويع النصوص القانونية، بل كان فيلسوفاً اجتماعياً ومشرّحاً نفسياً بامتياز، وضع المجتمع الأمريكي بأسره، بثوابته الدينية، واقتصاده الرأسمالي، وقوانينه الجنائية، وتجده في قفص الاتهام في كل مرة وقف فيها ليدافع عن موكل.
وإن الحديث عن دارو هو استحضار لقرن كامل من الصدام بين العقل والغيبيات، وبين الرحمة والقسوة، وبين الحق الفردي وسطوة الجماعة، لقد كان دارو يؤمن يقيناً بأن الجريمة ليست خياراً شريراً لمجرم بالفطرة وهذا حق فليس كل الجرائم هي نتاج شر، بل هي نتاج حتمي لشبكة معقدة من الظروف الوراثية والبيئية والاجتماعية التي لم يخترها الإنسان، ومن هنا انطلقت صيحته التي زلزلت المحاكم: “أنا لا أدافع عن الجريمة، بل أدافع عن الضحية التي صنعها المجتمع ثم قرر إعدامها”.
النشأة والتهيئة القانونية
ولد كلارنس دارو في ريف ولاية أوهايو عام 1857، في زمن كانت فيه الولايات المتحدة تبحث عن هويتها بين مخاضات الحرب الأهلية وبدايات الثورة الصناعية ومشاكل كثيرة ليس آخرها العنصرية، فقد نشأ في كنف والد كان يُعرف بـ “كافر القرية”، وهو ما غرس في نفسه بذور الشك الفلسفي منذ الصغر؛ فلم يكن دارو يثق في المؤسسات الجامدة، وكان ينظر إلى “الإجماع العام” بريبة شديدة، معتبراً أن الحقيقة نادراً ما تسكن في صفوف الأغلبية الصاخبة.
بدأ مسيرته القانونية في الظل، فقد عمل مستشاراً لشركات السكك الحديدية الكبرى، لكن روحه المتمردة لم تلبث أن تمزقت وهي تشاهد كيف يُسحق العمال تحت عجلات تلك الماكينة الرأسمالية الضخمة، ثم جاءت الانعطافة الكبرى في حياته حين قرر الانحياز لإضراب “بولمان” الشهير عام 1894 بقيادة يوجين دبس، لقد كان هذا القرار بمثابة انتحار مهني في نظر زملائه، لكنه بالنسبة لدارو كان ميلاداً لرسالته الحقيقية، لقد تخلى عن المرتبات المجزية والوظيفة المستقرة ليصبح “محامي المستضعفين”، مدركاً أن العدالة في الولايات المتحدة خلال القرن التاسع عشر كانت سلعاً تُباع وتُشترى، وأن “الميزان” يميل دائماً نحو من يملك الذهب، مصرحاً بمرارة: “لا يمكنك الحصول على العدالة في المحكمة إلا إذا كان لديك المال الكافي لشرائها، وهذا هو العار الأكبر في نظام يدعي المساواة”.
إضافة إلى ذلك، تجلت العبقرية الاستثنائية لدارو في قدرته الفائقة على تحويل الدفاع الجنائي إلى فلسفة كونية شاملة، ففي قضية “لوب وليوب” عام 1924، وهي القضية التي صدمت الرأي العام الأمريكي لكونها جريمة قتل عمد ارتكبها شابان من أغنى وأذكى العائلات لمجرد “التجربة الذهنية” وربما التسلية والفراغ، وقف دارو أمام القاضي لا ليدافع عن فعلتهما الشنيعة، بل ليحاكم فكرة الإعدام ذاتها، حيث استمر خطابه الختامي التاريخي اثنتي عشرة ساعة متواصلة، لم يتحدث فيها عن نصوص القانون إلا لماماً، بل غاص في أعماق النفس البشرية والظروف التي تصنع القاتل، كان دارو يرتدي حمالات بنطاله المرتخية، ويتحرك في القاعة كفيلسوف في أثينا القديمة، مخاطباً القاضي: “أنا لا أدافع عن القتل، أنا أدافع عن الحياة.. أنا أتوسل من أجل المستقبل، من أجل الوقت الذي ندرك فيه أن الكراهية والقسوة لن تزيد العالم إلا ظلاماً”.
لقد كان دارو يؤمن بـ “الحتمية الاجتماعية”، وهي فكرة أن الإنسان ليس حراً تماماً في خياراته، بل هو نتاج لكروموسوماته والبيئة التي نشأ فيها، وكأنه يقول للمحلفين: “ضعوا أنفسكم مكانه، وبنفس ظروفه الوراثية والبيئية، وستفعلون ذات الشيء”، وبفضل هذا الدفاع الملحمي، استبدل القاضي حكم الإعدام بالسجن المؤبد، معتبراً ذلك أعظم انتصار للإنسانية على غريزة الانتقام البدائية.
ولعل ذروة الصدام بين دارو والثوابت الأمريكية تجسدت في “محاكمة القرد” أو قضية سكوبس عام 1925، هنا، لم يكن محامي الإنسانية يدافع عن مدرس انتهك قانوناً يمنع تدريس نظرية التطور في تينيسي، بل كان يدافع عن “حق الإنسان في التفكير والشك”، كانت المواجهة بينه وبين ويليام جينينغز بريان، الزعيم الأصولي والمرشح الرئاسي السابق، هي المواجهة الفاصلة بين العقل والغيبيات، بين العلم والدين.
وفي تلك المحاكمة، فعل دارو ما لم يجرؤ أحد عليه في التاريخ الأمريكي؛ فقد وضع “الإيمان” نفسه في قفص الاتهام وسأل خصمه أسئلة محرجة عن عمر الأرض وحقيقة الحكايات التوراتية، محولاً القاعة إلى ساحة للنقاش الفلسفي الذي تردد صداه في العالم أجمع. قال دارو حينها كلمته الخالدة: “إنني لا أخشى الأشرار، بل أخشى أولئك الذين يعتقدون أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، لأنهم هم من يحرقون الكتب ويشنقون الناس باسم الإله”، ورغم أن سكوبس خسر القضية فنياً ودفع غرامة ضئيلة، إلا أن دارو كسب معركة الوعي العالمي، ومهد الطريق لعصر جديد من الحرية الأكاديمية.
لم ينته مشواره هنا، فقد خاض دارو معارك ضارية ضد عقوبة الإعدام طوال حياته ومسيرته، ولم يخسر في مسيرته التي امتدت لعقود موكلاً واحداً لصالح المشنقة في القضايا الكبرى، لأنه كان يرى في الإعدام “جريمة منظمة تمارسها الدولة”، وكان يدرك بذكائه اللماع أن المجتمع الذي يقتل ليثبت أن القتل خطأ هو مجتمع يعاني من فصام أخلاقي حاد، كما كان يذكر المحلفين دائماً بأنهم بشر، وأن الخطأ البشري هو صفة أصيلة لا يجوز علاجها بالبتر النهائي، لقد كان دارو شجاعاً، لم يؤمن بالوعود الغيبية، بل آمن بهذا العالم وبآلامه الحقيقية التي يراها يومياً في عيون موكليه، وكأنه رسول المستضعفين في زمن يحاكم الضعيف ويهتم للقوي والغني، كان يرى أن الجحيم ليس حفرة من نار في الآخرة، بل هو ما نصنعه لبعضنا البعض هنا على الأرض عبر القوانين الجائرة والتمييز الطبقي وسحق كرامة الفقراء.
ولم يتوقف عند منع الإعدام داخل أروقة المحاكم، ففي قضايا النقابات العمالية، كان دارو يظهر كـ “ترس” يعطل ماكينة الاستغلال التي لا تشبع، وفي قضية عمال المناجم في ولاية بنسلفانيا، لم يتحدث عن بنود العقود أو الأرقام الجافة، بل تحدث عن الأطفال الذين يعملون في الظلام وتحت الأرض، وتلطخت وجوههم بالسواد ليوفروا الدفء لبيوت الأغنياء الذين لا يشعرون بهم، وفي قضية “بيل هايوود”، دافع عن حق العمال في التنظيم والنضال ضد تغول وربما توحش وشجع أصحاب المصانع، معتبراً أن الجريمة الحقيقية هي استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، لم يكن دارو “محامياً” بالمعنى المهني التقليدي البارد، بل كان “ضميراً” حياً يصرخ في وجه أمة كانت تظن أن تقدمها يقاس بمقدار ما تملكه من ناطحات سحاب، بينما كانت أرواح مواطنيها تُسحق تحت أقدام الطموح المادي والمضاربات المالية.
إضافة إلى ذلك، كان التدقيق في حياة دارو يكشف عن رجل يعاني من “تشاؤم بطولي”؛ كان يعلم أن العالم قد لا يتغير بالكامل، وأن الظلم قد ينتصر في جولات عديدة، لكنه لم يتوقف يوماً عن القتال من أجل قضية يؤمن بها، كما كان يسخر من الرسميات، ويحطم هيبة القضاء المزيفة ليحل محلها هيبة الحقيقة الإنسانية العارية، كما كان يدخل القاعة بملابس غير مكوية وشعر متمرد، ليبدو واحداً من عامة الناس، مخاطباً عواطفهم وعقولهم بلغة أدبية رفيعة تستلهم شكسبير وفولتير وتولستوي. كان يرى أن “السبب الوحيد الذي يجعلني أستمر في الدفاع عن هؤلاء الناس هو أنني أحبهم، رغم كل عيوبهم، ولأنني أعرف يقيناً أنهم ليسوا مسؤولين عن كونهم ما هم عليه”. هذا التعاطف الجارف، الممزوج بالمنطق العلمي الصارم، هو ما جعل منه أسطورة قانونية تتجاوز الزمن.
وعندما نتطرق لموقفه من الحقوق المدنية، نجد أن دارو كان سابقاً لعصره بقرون؛ ففي قضية “سويت” عام 1925، دافع عن طبيب أسود وأسرته بتهمة القتل بعدما دافعوا عن منزلهم ضد غوغاء من البيض في ديترويت. كانت مرافعة دارو آنذاك درساً في علم النفس الاجتماعي العنصري؛ حيث شرح للمحلفين البيض كيف أن “الخوف” هو الذي يقود الكراهية، وأن العدالة لا يمكن أن تتحقق طالما بقي لون البشرة هو المعيار الأول للحكم. نجح دارو في تبرئة الطبيب، ليضع حجر الأساس لما سيصبح لاحقاً حركة الحقوق المدنية في أمريكا.
بالتالي، إن فلسفة دارو القانونية لم تكن تكتفي بالبراءة، بل كانت تسعى لـ “الفهم”؛ كان يريد من القاضي والمحلفين أن يشعروا بنبض الضحية والجلاد على حد سواء، ليصلوا إلى تلك الحقيقة المرة: أننا جميعاً في مركب واحد تتقاذفه أمواج الظروف، كان يقول: “الحياة عبارة عن فوضى كبيرة، ونحن مجرد ذرات تتقاذفها الرياح، فكيف نجرؤ على إدانة بعضنا البعض بهذه القسوة واليقين الزائف؟”، هذه الروح الإنسانية الجميلة هي التي جعلته يرفض التقاعد، وظل يدافع عن القضايا الخاسرة حتى رمقه الأخير، مؤمناً بأن “القضية الخاسرة هي القضية الوحيدة التي تستحق الدفاع حقاً، لأن القضايا الرابحة يدافع عنها الجميع طمعاً في المجد”.
وفي ختام هذا الجمال والروعة كلها، ومن وجهة نظري كقارئ ومحلل لهذه السيرة الملحمية، أرى أن كلارنس دارو لم يكن مجرد شخصية تاريخية عبرت وانتهت، بل هو صرخة أزلية في وجه كل نظام يقدس “النص” ويهمل “الإنسان”، وكم أتوق لوجود شخص يشبه جزء صغير منه، بالتالي إن قوة دارو لم تكن في بلاغته الجدلية فحسب، بل في صدقه الموحش مع نفسه ومع العالم.
لقد أثبت أن المحامي ليس مجرد مدافع عن موكل مقابل أتعاب، بل هو حارس للقيم الإنسانية الكبرى التي تتجاوز حدود القوانين المحلية والاتفاقيات الدولية، إن فلسفته التي ترى في الجريمة “مرضاً اجتماعياً” هي الفلسفة التي ما زالت تكافح حتى اليوم لتجد مكاناً في أنظمة العدالة الحديثة التي ما زالت، للأسف، تميل نحو الانتقام أكثر من الإصلاح والاحتواء.
وبرأيي الشخصي في دارو هو أنه يمثل “قمة الإنسانية المتمردة”؛ فهو الرجل الذي امتلك الشجاعة ليقول “لا” في الوقت الذي كانت فيه الـ “نعم” هي تذكرة العبور للمناصب العليا والمجد الزائف، لقد عاش دارو ومات وهو يدرك أن العدالة المطلقة وهم، لكنه علمنا أن السعي الدؤوب نحوها هو ما يجعلنا بشراً. في عالمنا اليوم، الذي تحكمه الخوارزميات والبيروقراطية الجامدة، نحن بأمس الحاجة لروح دارو؛ ذلك الرجل الذي لم يخف من مواجهة الإله والملك والجمهور ليقول كلمة واحدة كانت تلخص كل حياته ومرافعاته: “ارحموا”.
وإن كلارنس دارو هو التذكير الدائم بأن القانون بدون شفقة هو مجرد آلة للقتل، وبأن الدفاع عن المنبوذين هو الاختبار الحقيقي لقوة وأخلاق أي حضارة، لقد رحل دارو بجسده، لكنه ترك لنا بوصلة أخلاقية تشير دائماً نحو الإنسان، مهما كان مذنباً، ومهما كان منبوذاً؛ فهو المحامي الذي لم يكسب القضايا فحسب، بل كسب الرهان على إنسانيتنا الغائبة.. فهل هناك كم يشبهه بيننا!؟
عبدالعزيز بدر عبدالله القطان
كاتب ومفكر – الكويت.

