لم يكن فتحي رضوان مجرد سياسي مرّ في تاريخ جمهورية مصر، بل كان “بوصلة أخلاقية” تتحرك وسط حقول الألغام؛ هو ذاك الفتى الذي رضع من ثدي الوطنية المصرية الخالصة في مدرسة مصطفى كامل، والوزير الذي لم تُغره السلطة بخلع ثوب المعارضة، والمفكر الذي آمن بأن “الحرية” ليست هبة من حاكم، بل هي حق ينتزع بالأظافر والكلمات.
وتكمن عظمة رضوان في أنه عاش “عصر الزعامات” دون أن يذوب في ظلها؛ فكان صديقاً للضباط الأحرار وناقداً لخطاياهم، وكان رفيقاً للثورة وسجيناً في عهودها الثلاثة.
ووفق قراءتي المتواضعة في حقه، فتحي رضوان يمثل النموذج الأندر للمثقف “المستقل” في الشرق؛ ذاك الذي يرفض أن يكون “بوقاً” حتى لو كان الثمن هو الزنزانة، والذين يقرأون سيرته اليوم يدركون أن أزمة السياسة في عالمنا العربي هي غياب “الرجل الثالث” الذي يمثله رضوان؛ الرجل الذي يرفض الاستقطاب ويتمسك بالحق المجرد.
السيرة العطرة لمحامي الحريات
ولد فتحي رضوان في عام 1911 بمدينة المنيا المصرية، في حقبة كانت تموج بمخاض وطني عسير، ونشأ وسط عائلة تشبعت بروح النضال، مما جعل طفولته المبكرة سجلاً حياً لأحداث ثورة 1919 التي شكلت وجدانه السياسي قبل أن يبلغ العاشرة.
وانتقل رضوان إلى القاهرة، والتحق بمدرسة الحقوق التي كانت حينذاك معقلاً لزعماء مصر، وتخرج منها عام 1933، وفي هذه اللحظة بالذات، بدأ رضوان صياغة ما قدمه للبشرية قانونياً؛ فلم يكتفِ رضوان بالشهادة الجامعية، بل قرر أن تكون مهنة المحاماة لديه هي “المختبر القانوني” لإثبات أن الحق لا يضيع ما دام وراءه مُطالب يملك شجاعة الفكر ورصانة العلم. إن علمه القانوني لا يدرّس اليوم في الجامعات كنصوص مجردة، بل يدرّس كـ “مدرسة في فن المرافعات السياسية”؛ إذ كان رضوان أول من أصل لمبدأ “المسؤولية القانونية للحاكم” أمام المحاكم المدنية، وهي خطوة قانونية جبارة قدمها للبشرية لكسر هالة القداسة عن السلطة التنفيذية، حيث كان يرى أن القانون هو “العقد الاجتماعي” الذي لا يجوز لأي طرف الانفراد بتعديله، وكان يستند في دفوعه إلى روح الدساتير العالمية ليثبت أن حقوق الإنسان هي حقوق طبيعية تسبق وجود الدولة ذاتها.
أما عن مآثره التي قدمها للبشرية، فقد كان رضوان “مهندس الوعي الجماعي”؛ فعندما تولى وزارة الإرشاد القومي، لم يكن وزيراً تقليدياً، بل كان “فيلسوفاً في السلطة”، حيث أسس “الجامعة الشعبية” (قصور الثقافة حالياً) لتكون أول نموذج عالمي لـ “ديمقراطية الثقافة”. لقد قدم للبشرية إيماناً راسخاً بأن العلم ليس “امتيازاً طبقياً”، بل هو “مشاع إنساني”، فكان يرى أن العامل في مصنعه والفلاح في حطيمه لهما الحق في تذوق الفنون والآداب كحقهما في الرغيف. وبشأن ما إذا كان منسياً، فإن الحقيقة المرة هي أن رضوان “مغيب قصداً” عن المناهج الرسمية لأن فكره يمثل “عدوى النزاهة” التي تخشاها الأنظمة؛ فبينما يدرس الطلاب نظريات قانونية جافة، تظل مذكرات رضوان في “قضية الجينز” و”انتفاضة الخبز” مراجع سرية يتداولها الحقوقيون لتعلم كيف يُحول “قفص الاتهام” إلى “منبر للحرية”.
أصدقاؤه من العمالقة شهدوا له بالسبق والتميز؛ فالأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي كان يشاركه جلسات “الحرافيش” والندوات الفكرية، قال عنه: “فتحي رضوان هو الضمير الذي لم يلوثه بريق السلطة، إنه الرجل الذي كان يملك شجاعة أن يقول ‘لا’ والجميع يهتفون بـ “نعم”.
أما محمد حسنين هيكل، فقد وصفه بـ “المثقف الذي يملك رؤية إستراتيجية تتجاوز اللحظة الراهنة”، مشيراً إلى أن رضوان كان يمتلك قدرة فريدة على تحليل أعماق الشخصية المصرية وربطها بالتحولات العالمية، وهو ما تجلى في أكثر من 50 مؤلفاً، من بينها كتابه الفذ عن “غاندي” الذي قدم فيه للبشرية فلسفة “المقاومة السلمية” كبديل للعنف العبثي.
الإنسانية أولاً
وقد تجلت عبقرية رضوان القانونية في قدرته على “أنسنة النصوص”؛ فكان يرى أن “القانون بلا أخلاق هو سوط في يد الجلاد”، ولذلك كان يدافع عن خصومه السياسيين قبل أصدقائه، مؤكداً أن “الحرية لا تتجزأ”. وفي سنواته الأخيرة، وتحت حكم السادات، تحول رضوان إلى “أيقونة حقوقية” عالمية، حيث أسس “المنظمة العربية لحقوق الإنسان” وقدم للبشرية ميثاقاً أخلاقياً يرفض مقايضة الحرية بالأمن، معتبراً أن “كرامة المعارض هي جزء من كرامة الوطن”، ولم تمنعه شيخوخته من دخول السجن في أحداث سبتمبر 1981، حيث دخل الزنزانة بوقار الفلاسفة، ليثبت أن “المبدأ لا يتقاعد”، وهذا موقف نادر لا بل عظيم يدلل على عمق القضية في قلب ذاك الرعيل العتيق والذي تفوح منه رائحة الأصالة ورائحة كل شيء جميل على عكس زمننا هذا، زمن الرياء والزيف والمصالح وحتى اللا أخلاق مع شديد أسفي على هذه الأمة التي فقدت بوصلتها مقابل مصالح أنانية ضيقة، فكم شخصية مثل فتحي رضوان نحتاج اليوم لنعود إلى ديمومتنا وعطائنا، آمل ذلك من أعماق قلبي ووجداني.
أما عن رأيي الشخصي ككاتب قبل أن أكون محامياً، أن فتحي رضوان قدم للبشرية “نموذجاً معيارياً” للمثقف الذي لا يبيع نفسه، وهو النموذج الأندر في تاريخنا المعاصر؛ فبينما نسي التاريخ وزراء ورؤساء، ظل اسم فتحي رضوان محفوراً كـ “سادن للحق” وحارس للوعي. إن علمه اليوم هو “الحبل السري” الذي يربط المحامين الشبان بقيم النزاهة الأولى، وهو ما يجعله علامة فارقة في تاريخ البشرية؛ ليس لأنه كان وزيراً، بل لأنه امتلك الشجاعة ليغادر الوزارة متمسكاً بكرامته.
غير أن الاستفاضة في سيرة رضوان تتطلب الوقوف عند محطات علمه التي قدمها للبشرية؛ فهو الذي قدم “القانون الاجتماعي” قبل أن يعرفه العالم العربي، وهو الذي ناضل من أجل “حقوق المرأة” من منظور وطني أصيل. كان يرى في مصر “مختبراً للقيم الكونية”، ومارس دوره كـ “محامٍ للفقراء” في كل جبهات النضال العربي، من الجزائر إلى فلسطين. إن إرث رضوان يظل حياً في كل “صرخة حق” وفي كل “مذكرة قانونية” ترفض الظلم، مما يجعله اسماً خالداً تتناقله الأجيال كرمز للنزاهة المطلقة.
ورحل رضوان الجسد في أكتوبر 1988، لكن “النهج الرضواني” في الاستقامة السياسية والقانونية سيبقى يُدرس في “أكاديمية الضمير العالمي” إلى الأبد، شاهداً على أن الكلمة الصادقة أقوى من السجن، وأن الحق لا يسقط بالتقادم. إن ما قدمه فتحي رضوان للبشرية هو “دستور أخلاقي” وقانون للنزاهة يقول إن السياسة بلا أخلاق هي انتحار، وإن العلم بلا ضمير هو خراب؛ لذا سيبقى رضوان دائماً هو “المعلم الأول” في مدرسة الاستقلال الوطني والكرامة الإنسانية، والرجل الذي علمنا أن “الحرية لا تُطلب، بل تُفرض”، وأن المثقف الحقيقي هو من يختار دائماً أن يكون في خندق الشعب، لا في إيوان السلطان.
لقد كان رضوان يؤمن يقيناً أن “الثقافة هي الرصيد الإستراتيجي للحرية”، لذا لم يكن مستغرباً أن يقدم للبشرية مشروعات ثقافية تهدف إلى تحرير العقل قبل تحرير الأرض. وقد شهد له المفكر لويس عوض قائلاً: “إن فتحي رضوان هو الجسر الذي عبرت عليه الثقافة المصرية من النخبوية إلى الجماهيرية”، وهذا الوصف يختصر مأثرته العلمية الكبرى في “تأميم الثقافة” لصالح الفقراء. لم يكتفِ رضوان بالعمل السياسي، بل أثرى المكتبة العربية بمؤلفات في السيرة الذاتية والمسرح الفلسفي، حيث كان يرى في الكتابة “رصاصة صامتة” تصيب كبد الاستبداد.
وفي ختام هذه المسيرة الحافلة مما قدمه القانوني لي وللأمة ولمصر، نجد أن فتحي رضوان لم يترك قصوراً ولا ضياعاً، بل ترك إرثاً من المواقف التي لا تُباع ولا تُشترى، وهو الإرث الذي سيظل هادياً لكل الأجيال الباحثة عن طريق العزة والكرامة في زمن الانكسار. إن فتحي رضوان هو “الرجل الذي لم ينهزم”، ليس لأنه لم يُسجن أو لم يُضطهد، بل لأنه لم يسمح للسجن أو الاضطهاد أن يغير حرفاً واحداً من مبادئه، وهذا هو أغلى ما قدمه للبشرية: “حياة كاملة من النزاهة المطلقة”.
عبد العزيز بدر عبد الله القطان

